إغراءات بوتفليقة وطموح المعارضة يسدان الأفق السياسي في الجزائر

الأربعاء 2014/04/30
بوتفليقة لم يستطع الوقوف للنشيد الوطني أثناء تأديته لليمين الدستورية بسبب مرضه

الجزائر - نفّذ محيط الرئيس بوتفليقة، آخر مراحل المرور إلى الولاية الرئاسية الرابعة، متحدّيا حالة الغليان السياسي التي تزامنت مع مختلف أطوار انتخابات 17 أبريل الجاري. فبعد إعلان بوتفليقة عن ترشّحه بالوكالة، وتقديمه لملفه لهيئة المجلس الدستوري في ظروف صعبة، وإدارة الحملة الانتخابية عن طريق الوكلاء، أثبت الاقتراع وأداء اليمين الدّستورية أنّ “الكرسي المتحرّك” سيكون عنوان السنوات الخمس المقبلة من عمر الجزائر.

لم تمض ساعات طويلة، على أداء الرئيس بوتفليقة لليمين الدستورية بقصر الأمم بالعاصمة الجزائرية، في ظروف صحية لم تتغيّر عن تلك التي ظهر بها في المواعيد السابقة، حتى أطلق أولى الرصاصات تجاه “أصدقائه” عبر تجديده الثقة في عضده الحكومي والانتخابي عبدالمالك سلال، ليُعيّنه مجدّدا وزيرا أوّل (رئيس وزراء) بعد استقالة هذا الأخير في نهاية مارس الماضي، من أجل التفرّغ لإدارة حملة بوتفليقة الانتخابية.

ويرى مراقبون أنّه بقدر ما كان هذا القرار، المعلن عنه في بيان لرئاسة الجمهورية ساعات بعد أداء اليمين الدستورية، عاديا بالنسبة للعديد من المتتبعين، إلاّ أنّه كان معاكسا تماما للتصريحات التي أدلى بها أمين عام حزب جبهة التحرير الوطني، عمار سعداني، أحد أضلع التحالف المؤيد لبوتفليقة، عندما عبّر عن مطلب حزبه القاضي بضرورة اختيار الوزير الأوّل المقبل من قبل هياكل الحزب، باعتباره صاحب الأغلبية البرلمانيّة.

وأعطى سعداني حينها الانطباع بأنّ أيّام سلال انتهت مع انتهاء الانتخابات، خاصة في ظل “السقطات” الكلاميّة العديدة التي سجّلها أثناء الانتخابات، والمطاردات التي لاحقته من قبل المعارضين في عدد من محافظات البلاد. وفي ضوء التسريبات التي تحدثت عن تحضير سلال لشغل منصب نائب الرئيس، وهو الطرح الذي قالت دوائر دبلوماسية أنه يحظى بدعم باريس، التي لا يروق لها الوضع الصحي لبوتفليقة، وترى في سلال الرجل المناسب لشغل المنصب المذكور.

جيلالي سفيان: النظام يحاول توريط المعارضة لضمان ديمومته، بالحديث عن إشراكها في تعديل الدستور

وذكرت مصادر مطلعة لـ”العرب” أنّ العلاقة بين سعداني وسلال ظلت “متوترة” على امتداد الأشهر الأخيرة، لذلك لم يتوان سعداني في توجيه انتقادات لاذعة لسلال في أكثر من مناسبة. وأضافت أنّه لولا الدعم الذي يحظى به سلال في القصر وثقة الرئيس فيه، لما صمد في وجه الانتقادات التي قادها سعداني ضدّه، بإيعاز من قائد أركان المؤسسة العسكرية الفريق أحمد قايد صالح.

ولم يخرج القرار القاضي بتجديد الثقة في سلال، كوزير أول للحكومة القادمة، عن توقعات المتتبعين، لكنه جاء صادما لسعداني، الذي كان يطمح لافتكاك المنصب لصالح حزبه. هذا على الرغم من أنّ سعداني تحاشى التعبير عن امتعاضه لأنّه يخشى الاصطدام بإرادة من نصّبه في هرم الحزب الحاكم. وقد اكتفى بالقول: “ليس لي مشكل مع سلال، وهناك أكثر من 20 وجها وزاريا جديدا، سيكون أغلبهم من جبهة التّحرير الوطني، وهو ما نطمح إليه”.

ويقول مراقبون إنّ سلال، على حياده الحزبي وطبيعته التنفيذية، يشكّل أحسن شخصية يدفع بها أصحاب القرار في قصر المرادية إلى الواجهة. فهو لا يملك طموحا ولا مشروعا خارج ما تُمليه عليه حاشية الرئيس، عكس العديد من الطامحين للأكثر في معسكر السلطة، على غرار أحمد أويحي وعبدالعزيز بلخادم. وفيما كشف بوتفليقة، عن الخطوط العريضة لبرنامجه في المرحلة القادمة، في خطاب وُزّع كتابيّا على الصحفيين في مراسيم اليمين الدستورية، وحازت “العرب” على نسخة منه، فإنّ هذه المراسيم شهدت تغيّب أحزاب المعارضة وعدد من مرشحي الانتخابات الرئاسيّة، على غرار قطب التغيير الّذي أطلقه بن فليس، وتنسيقية الحريات والانتقال الديمقراطي، المقاطعة للانتخابات.

محمد ذويبي: ما سمعناه لا يعدو أن يكون سوى مجرّد كلام موجه للاستهلاك الإعلامي، نرفض مضمونه جملة وتفصيلا

وفي اتصال مع “العرب” نفى بن فليس، الذي يعكف الآن على إطلاق حزبه السياسي، أيّة قيمة تُذكر لمراسيم أداء اليمين الدستورية، حيث قال “إنّ هذه المراسيم بالنسبة إلينا ليست حدثا، ونحن عاكفون على استكمال خطواتنا النضالية وإنشاء حزبا السياسي”.

وأما القيادي في حركة النهضة، محمد ذويبي، فقد قال في اتصال مع “العرب” إنّ “دعوة بوتفليقة سبق أن سمعناها في خطابه يوم 15 أبريل 2011، ولكن الإرادة السياسية مازالت غائبة، وما سمعناه اليوم لا يعدو أن يكون سوى مجرّد كلام موجه للاستهلاك الإعلامي، نرفض مضمونه جملة وتفصيلا”.

وأضاف ذويبي “العرض الذي قدّمه رئيس الجمهورية للمعارضة، مؤشر على الفشل الذريع الذي انتهت إليه الإصلاحات السياسية. فكلام بوتفليقة عن مراجعة توافقية، هو فخّ جديد لجأت إليه السلطة بهدف استدراج المعارضة إلى مربعها، بغرض احتوائها وإضفاء المصداقية على خطواتها المقبلة”.

وأكد قائلا إنّ “ما شاهدناه اليوم هو المشهد الأخير من مسرحية أعدّتها السلطة بإحكام. وكل دعوات النظام مردودة عليه ما لم تتوفّر الإرادة السياسية وفق الشروط التي نحددها”.

علي بن فليس: المراسيم ليست حدثا هاما، ونحن عاكفون على استكمال خطواتنا النضالية

ومن جانبه، قال رئيس حزب “جيل جديد” جيلالي سفيان، المنسحب من سباق الرئاسيات، في تصريح لـ”العرب” إنّ، “حزبنا غير معني بالمشاورات التي دعا إليها رئيس الجمهورية خلال أدائه اليمين الدستورية، لأنّ النظام يحاول توريط المعارضة لضمان ديمومته بالحديث عن إشراكها في تعديل الدستور والحوار والانتخابات المسبقة”.

وأضاف: “السلطة الآن في مأزق بعد العزوف الشعبي الذي شهدته الرئاسيات، وهي متيقنة أنّها فقدت الدعم الشعبي بعد نتائج الانتخابات التي لم تتجاوز فيها نسبة المشاركة الحقيقية الـ 20 بالمائة.. السلطة ما تزال تعتبر المعارضة مجرد عرائس تحركها كيفما شاءت”.

وقال جيلالي سفيان: “الصورة التي ظهر بها الرئيس بوتفليقة، وهو في الـ77 من عمره، مهينة له وللشعب الجزائري كله، وهو المريض المقعد فوق كرسي متحرّك، يتكلّم بإجهاد كبير ولا يستطيع الوقوف للنشيد الوطني”.

ومن جانبه، قال رئيس جبهة التغيير عبدالمجيد مناصرة، في اتصال مع “العرب”، إنّ “الرئيس قد استفاد من الأخطاء التي أدّت إلى فشل الإصلاحات التي أقرّها عقب خطاب 15 أبريل 2011″، معتبرا أنّ محتوى الخطاب هو بمثابة “تنازل يقدّمه استجابة لمطالب رفعناها مرارا، وتلبية أيضا لدعوات المعارضة”.

2