إغراءات روسيا تجذب أكراد سوريا من حليفهم الأميركي

يسعى أكراد سوريا إلى استغلال الظرفية الحالية وحاجة كل من روسيا والولايات المتحدة لحليف مهم داخل سوريا، لتحقيق مكاسب لطالما حلموا بإنجازها كتكوين إقليم ذاتي، وهذا الوضع يثير غضب أنقرة التي يبدو أنها حسمت أمرها في اتجاه الخيار العسكري لإنهاء هذه الطموحات الانفصالية خشية انتقالها وتمددها إلى الداخل التركي.
الجمعة 2015/10/30
العنصر النسائي أحد مقومات القوة لدى وحدات حماية الشعب الكردي

دمشق - تحاول موسكو كسب الاتحاد الديمقراطي الكردي إلى صفها في الحرب التي تخوضها إلى جانب النظام في سوريا، في الوقت الذي تسعى فيه الولايات المتحدة إلى زيادة دعمها للحزب لإبقائه ضمن دائرة الحلفاء “المخلصين” في الداخل السوري.

وأعلن نائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوجدانوف، أمس الخميس، أنهم يجرون اتصالات مستمرة مع أكراد سوريا.

وكانت أنباء قد تحدثت في وقت سابق عن قرب فتح “الإدارة الذاتية الكردية” مكتب تمثيل رسمي لها في روسيا، بهدف ‏تعزيز التعاون بين موسكو والأكراد في قتال تنظيم داعش.

وعلى مدار الفترة الماضية أبدت موسكو حرصا على فتح قنوات تواصل مع الجانب الكردي السوري، مشيدة بدور وحدات حماية الشعب الجناح العسكري للاتحاد الديمقراطي في محاربة التنظيم المتطرف الذي يسيطر على أجزاء واسعة من شمال سوريا وشرقها.

وصرحت الخارجية الروسية في أكثر من مرة بأن الوحدات هي الطرف الوحيد القادر مع النظام على مواجهة تنظيم داعش ودحره.

والأكراد وبخاصة الوحدات لهم ثقل كبير خاصة في شمال سوريا، وباتوا الطرف الأكثر قوة وتنظيما، حيث يتجاوز تعدادهم 100 ألف إذا ما أخذ في الاعتبار “وحدات الدفاع النسائية”، وتتنافس كل من الولايات المتحدة الأميركية وروسيا على استقطابهم لتأثيرهم في سير المعارك هناك.

وترى موسكو أن هناك فوائد متبادلة من التعاون بين النظام الذي تؤازره عسكريا والأكراد، خاصة أن هناك عدة أهداف مشتركة، لعل أبرزها الفصائل الإسلامية التي تدعمها تركيا (المعادية لهم) في الشمال، والتي تشكل تهديدا لا فقط على النظام، بل كذلك عليهم.

فالاستخبارات التركية ومثلما بات معلوما لدى الجميع تقدم دعما كبيرا لكل من جبهة النصرة (فرع تنظيم القاعدة في سوريا) وحركة أحرار الشام، وهاتان الحركتان لهما تأثير قوي في هذا الشطر السوري، وقد يستخدمهما أردوغان مستقبلا ضد الأكراد.

وعليه فإن قتال الوحدات الكردية إلى جانب النظام من شأنه أن يضعف هذين الفصيلين ويزيح عبئا ثقيلا بالنسبة إليهما.

والوحدات الكردية ليست في حالة عداء مع النظام بل على العكس فقد سجل تعاون عسكري بينهما في مراحل عديدة من عمر الأزمة السورية، بالمقابل فإن علاقة هذا التنظيم الكردي متوترة مع معظم فصائل المعارضة وبخاصة تلك التي ذكرناها آنفا، وقد سجلت على مدار الأشهر الماضية مناوشات بينهما خاصة في محافظة حلب.

يعتبر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أن الدعم الغربي للأكراد السوريين يرقى إلى مساعدة الإرهاب

وتمكنت الوحدات الكردية في حلب الغربية من السيطرة على بعض الطرق الرئيسة التي تمر منها الإمدادات من تركيا إلى أحرار الشام والنصرة، وفي حال نجحت موسكو في استقطابهم فإنه قد يسهل عليها حسم المعركة لصالح الأسد في المحافظة الاستراتيجية.

ولا تقتصر مغريات موسكو على التخلص من تهديد مستقبلي للأكراد، فهناك مسألة الاعتراف بإقليم ذاتي لهذا المكون العرقي، وقد بدأت موسكو فعلا في التلويح بهذه الورقة حينما سربت إمكانية فتح مكتب يمثل الإدارة الذاتية في روسيا، بعد لقاء رئيس الاتحاد الديمقراطي صالح مسلم بممثل الرئيس بوتين، ميخائيل بوجدانوف.

ويسعى أكراد سوريا إلى استثمار الأزمة السورية لإقامة إقليم شبيه بإقليم كردستان العراق، وذلك كخطوة نحو تحقيق حلم الدولة الكردية.

وتحاول روسيا إقناع هذا المكون السوري بأنه في مرحلة لاحقة بالإمكان إقناع النظام بقبول الأمر، في حال اصطفوا معه، وأن التعويل على واشنطن ليس مضمونا باعتبار أن الدعم الأميركي تحركه المصالح الظرفية.

وفي مقابل هذه الإغراءات تكثف الولايات المتحدة الأميركية من دعمها للوحدات، خشية نجاح المسعى الروسي وبالتالي خسارة شريك فاعل على الأراضي السورية.

وقد أعلن مسؤولون أميركيون أنهم بصدد إرسال مجموعات برية صغيرة لدعم حلفاء الداخل في الحرب على داعش شمال سوريا.

ورأى محللون أن الولايات المتحدة الأميركية تقصد بالأساس دعم تحالف “سوريا الديمقراطية” الذي يعتقد أنه كان لها الدور الأبرز في تشكيله.

ويتألف هذا التحالف الذي أعلن عنه منذ شهر تقريبا من فصائل عربية وسريانية ولكن العنصر الأبرز الممثل فيه هو الوحدات الكردية.

ويقول المحللون إن واشنطن أرادت من خلال تجميع هذا الخليط الإثني تجنب غضب أنقرة في مقابل الحفاظ على الحليف الكردي وتعزيز العلاقات معه، خاصة بعد فشل برنامج تدريب وتجهيز المعارضة المعتدلة ضد داعش.

ويضيف هؤلاء أن هذا التنافس الروسي الأميركي يصب في الوقت الحالي في صالح الأكراد بيد أن ذلك لن يستمر لأن عليهم (أي الأكراد) في النهاية تحديد وجهتهم المستقبلية بين البقاء ضمن الحلف الأميركي أو الوقوع في شراك المغريات الروسية.

وإلى حين ذلك يبقى العنصر الكردي المستفيد الأبرز، الأمر الذي يثير حنق أنقرة التي تعتبره تهديدا لأمنها القومي.

فمساعي الأكراد وفي مقدمتهم الاتحاد الديمقراطي، القريب من حزب العمال الكردستاني، لاستغلال الدعم الروسي والأميركي لإقامة حكم ذاتي، أمر ترفضه تركيا بشدة لأنه سيعزز النزعة الانفصالية لأكرادها.

والأربعاء، قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، إن تركيا “ستفعل ما هو ضروري” بما في ذلك شن المزيد من العمليات العسكرية لمنع ما يصفهم بـ”المتمردين” الأكراد من إعلان حكم ذاتي في بلدة تل أبيض قرب الحدود التركية.

وقصفت طائرات حربية تركية مؤخرا أهدافا لوحدات حماية الشعب مرتين واعتبر أردوغان أن ذلك كان تحذيرا.

وشدد على أن “تركيا لا تحتاج إلى إذن من أحد.. وسنفعل ما هو ضرروي”، في إشارة إلى أن أنقرة قد تتحدى مطلب واشنطن لتفادي ضرب الأكراد السوريين وتركيز عملياتها العسكرية على أهداف لتنظيم الدولة الإسلامية.

واتهم الرئيس التركي حزب الاتحاد الديمقراطي بتنفيذ “تطهير عرقي” في المنطقة وقال إن الدعم الغربي للأكراد السوريين يرقى إلى مساعدة الإرهاب.

وتمكن مقاتلو حزب الاتحاد الديمقراطي في يونيو الماضي بمساندة من الولايات المتحدة من السيطرة على بلدة تل أبيض وطرد عناصر تنظيم الدولة الإسلامية منها.

وفي الشهر الحالي أعلن مجلس قيادة محلي البلدة جزءا من نظام “كانتونات” للإدارة الذاتية يديره الأكراد. وأوضح أردوغان “إذا انسحب الأكراد ولم يشكلوا كانتونا فلن توجد مشكلة، لكن إذا استمرت طريقة التفكير عندئذ سيتم عمل ما هو ضروري وإلا فإننا سنواجه مشاكل خطيرة”.

4