إغراء العنف والعالم الافتراضي

الخميس 2015/04/30

ساهم التطور التقني والتكنولوجي في نقل البشرية خطوات واسعة نحو المزيد من التقدم وفتح الباب على مصراعيه لكل الأفكار بكافة تناقضاتها، فبقدر ما يمكن للأفكار أن تتحول إلى إنجازات حقيقية جبارة، بقدر ما يمكنها أن تصيب بمقتل.

بعيدا عن المفهوم الديني وخصوصياته، ما تقدمه التنظيمات الإرهابية، إلى الآن، مجرد فكرة مجنونة تنبش مخالبها في ذاكرة التاريخ والبشرية، وقد ساهم العالم الافتراضي في انتشارها وتمددها حتى باتت ظاهرة الإرهاب الديني التي يختلط فيها العامل الديني بالأمني والسياسي بالمجتمعي، من أخطر الظواهر على تكوين المجتمعات واستقرار الدول.

وقد أثبتت “الدولة الإسلامية” أنها الأكثر شعبية وتطورا من بقية التنظيمات التي تقود لواء الجهاد، إذ قدمت ملمحا جديدا في الفعل السياسي، وقدرة أكبر في إدارة الفضاء الإعلامي وزيادة عدد مقاتليها ومؤيديها وداعميها.

«الدولة الإسلامية» تمكنت خلال فترة قصيرة من جذب شرائح واسعة من الأجيال عبر قدرتها على إدارة إغراء العنف، فهي تُسوّق أفعالها الوحشية ضمن إستراتيجية دعائية تمتلك خصائص أفلام الأكشن والبلاي ستيشن، التي يتمكن فيها البطل من قتل أعدائه وتدمير المدن وإفناء الجيوش بنقرات أزرار صماء، ثم يصعد لأعلى جبل أو ناطحة سحاب ليعلن انتصاره الباهر الذي يوقظ الرغبة في تحقيق الأحلام الغافية على خط الوهم العريض المتعرّج بين الرعب والرهبة، ضمن سياق إخراجي وإغراءات تصورية في عالم مواز تعتمد غسل الأدمغة لعدد كبير من الشباب والشابات عبر تحفيزهم على ترك الواقع بتقديم البديل المرغوب عمّا هو قائم من ظلم وفقر وانعزالية.

كمية كبيرة من الإصدارات التكفيرية المتنوعة تدعو إلى قتال الآخر تحتل صدارتها على مواقع الإنترنت، إذ تكفي مراقبة مقاطع الفيديو التي يتم نشرها عبر اليوتيوب للحصول على سلسلة كبيرة من مشاهد تفوق العنف يتم تصويرها وإخراجها بشكل إعلاني مدروس ومشحون بمزيد من صور البطولة التي تتفاعل مع الخلفية الفكرية لتبريرها وتحديد غايتها، بدءا من ردع قوى الكفر التي تهيمن على الدين الإسلامي، إلى الشعور بالتكليف الشرعي لإعلاء كلمة الله ونشر الدين، إلى إنهاء فترة الانحطاط التي تعيشها الأمة الإسلامية وإقامة الحق والعدل.

داخل هذه الشروط يصدق الشاب الجهادي أنه «شمشون الجبار»، وأن ما يحدث هو انتقال نحو الأرض الموعودة في حالة استلاب مطلقة يقودها ترويج أعمى للمستقبل.

إغراء العنف الذي وجد تبريره اللاواعي يتفاعل مع الغرائز البدائية في الطبيعة البشرية دافعا بعض الشباب، من أي جنس أو بلد أو لغة، ليسقطوا ضحية إعلان انتصار موعود يقودهم نحو إلغاء ارتباطهم بالمجتمع المألوف، فيرمون من النافذة كافة الأقوال عن اللاعنف والتسامح والتعايش، ويرمون قيم المساواة بين الجنسين وحقوق البشر، ويحملون أغراضهم الشخصية، وينتقلون ليصبحوا مجرد مروّجي عنف أو قتلة.

وتبدأ رحلة الفتيات نحو عالم جهاد النكاح لدعم المقاتلين من جهة، وللتوبة والتكفير عما تم تشريعه كذنوب من جهة أخرى، ويصيروا جزءا هاما من إغراء آخر له جاذبيته الإعلانية.

أما الشباب فتصطادهم القوة الرجولية وخرافات البطولة الخارجة عن القانون وإغواء عرائس الجنة، والأهم من هـذا هو ذلك التديّن الذي تبنّى فقه الأزمات وكمية كبيرة من الرغبة في تحقيق انتصار للدين، مقابل انتقام من دول الغرب التي زيّنت تاريخها بحقوق الإنسان والتسامح والانفتاح على الأديان، ولم تسدل الستار في تاريخنا عن وجودها كدول استعمارية ما تزال أيديها تعبث بسيادة الشعوب وثرواتها ودمائها.

بعد أن أغلقت الدائرة على عالم أضاع الاتجاه الحقيقي في معترك التناقضات، وبات يموج بأفكاره المدمّرة، تحول العنف إلى إعلان مغر يجذب أي شاب لترتيب العالم، حتى يناسب مقاسه وذلك عبر قتل الآخر.

كاتبة ورسامة سورية

8