إغراق الفضائيات ببرامج استجداء العواطف يثير نقمة الجمهور المصري

استنساخ للمواضيع وتكرار فقرات في غالبية البرامج الاجتماعية التي فشلت في سد فراغ السياسة.
الخميس 2018/11/08
طفرة البرامج الاجتماعية خلقت أزمة في المحتوى
 

اتسعت حالة رفض المتابعين لطريقة تعامل البرامج الاجتماعية على القنوات الفضائية المصرية مع ضيوفها، وتدني المحتوى المقدم الذي وصل إلى حد الإفراط في التركيز على الجانب الإنساني واستجداء العواطف من أجل اقتناص نسبة مشاهدة أعلى.

القاهرة - أصبحت أزمة فقر المحتوى والأداء المفتعل، ظاهرة في غالبية البرامج التلفزيونية الاجتماعية التي تحاول استغلال غياب السياسة عن التلفزيون المصري، وتقديم وجبات متنوعة من فقرات الطهي والديكور والتجميل والعلوم الدينية، واستضافة نجوم وأسرهم، واللعب على وتر الملفات الإنسانية، مثل المرض والخلافات الأسرية والذكريات العاطفية.

وكشفت موجة السخرية والهجوم التي طالت الإعلامية منى الشاذلي بسبب تعمدها إثارة مشاعر الضيوف والمشاهدين بشكل مفتعل، عن خطورة التمادي في هذه البرامج، وطالب نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي، بضرورة وقفها، بعد أن بات التخبط يحاصرها.

ولم ينل الهجوم الشاذلي وحدها، لكنه طال انتقاد الكثير من النجوم الذين اتجهوا لتقديم البرامج التلفزيونية، وأضحوا جزءا من خطة كل قناة فضائية تحاول اجتذاب جمهور واسع، مثل برنامج “صاحبة السعادة” الذي تقدمه الفنانة إسعاد يونس على قناة “سي.بي.سي” و”أنا وبنتي” لشريف منير وابنته أسما على قناة “أون.إي”، ومن قبلهما برنامج مثل “بيومي أفندي” للفنان بيومي فؤاد على قناة “أون.إي” و”البلاتوه” للفنان أحمد أمين على قناة “النهار” و”تع اشرب شاي” للفنانة غادة عادل على “دي.أم.سي”، و”تخاريف” للمذيعة وفاء الكيلاني على قناة “أم.بي.سي- مصر”.

وتسبب تكرار الفقرات ووجود برنامج رئيسي لكل محطة يحمل صبغة اجتماعية بدلا من برامج توك شو السياسية، في إعادة قضايا واستنباط أخرى سطحية إلى حد بعيد، ووصلت إلى درجة محاولة استجلاب دموع الضيوف وآهاتهم، أملا في تقديم حلقة ناجحة.

وتراجعت جماهيرية الكثير من تلك البرامج وانعكست على نسب المشاهدة والإعلانات، وأضحى استبدال المحطات للبرامج أمرا واقعا، مع زيادة وتيرة التغيير، والتي وصلت إلى درجة أن إحدى القنوات غيرت برنامجها الاجتماعي ومقدميه ثلاث مرات خلال أربعة أشهر.

ووجدت تلك القنوات نفسها أمام حل أزمة متعددة الأوجه، ومحاولة إيجاد حل سريع للحفاظ على جمهور المحطة وجذب آخرين عبر محتوى آخر مختلف، وجاء التحدي الأهم مرتبطا بفقدان شريحة كبيرة من المعلنين الذين لجأوا إلى مواقع التواصل الاجتماعي بعد أن قدمت فرصة أفضل للإعلان، وضمان وصوله إلى الشريحة المستهدفة وبأسعار أرخص.

المشاهد المصري مل التكرار في غالبية البرامج التلفزيونية واختار استبدالها بمواقع الإنترنت بمختلف أشكالها

ويقول أحمد سراج الدين، أستاذ الإعلام بالجامعة المصرية العربية للعلوم والآداب، إن المشاهد مل متابعة أغلب البرامج التلفزيونية واختار استبدالها بمواقع الإنترنت بمختلف أشكالها، وأصبحت المؤسسات الإعلامية عاجزة عن تقديم محتوى راق ينال إعجاب الجمهور، بعيدا عن الضجيج وإثارة الرأي العام، عبر قضايا تشجع على النميمة.

ويضيف لـ”العرب”، “في ظل تحدي بقاء القنوات الفضائية التي تواجه أزمات إدارية ومالية طاحنة، بات السعي وراء رفع نسب المشاهدة الشغل الشاغل لرؤساء المحطات”.

وضرب سراج مثلا بنموذج قناة “الحياة” المصرية التي اختارت المذيع المثير للجدل توفيق عكاشة ليقود برنامجها الرئيسي والمعروف بمواقفه الساخرة التي تحقق مشاهدات عالية، ليس رغبة في الاطلاع على ما هو جديد من أخبار، لكن لتتبع المواقف الغريبة له على الشاشة، والتي يضحك عليها الجمهور، وهو النموذج الذي بات المسؤولون يرتاحون له كثيرا.

يعاني الإعلام المصري من معضلة عدم حرية تداول المعلومات، ومواجهة التضييق الحكومي على العمل الإعلامي، الذي أصبح يضجر من تضاؤل درجة الحرية في إبداء الرأي، ووضع لائحة من الممنوعات على الضيوف والقضايا التي يناقشها، ما جعل البعض يلجأ إلى تقديم برامج اجتماعية ورياضية وترفيهية، وحتى هذه فشلت في تحقيق النجاح، وحادت عن أهدافها المعلنة، وتواجه مصيرا مجهولا لضعف أداء مقدميها.

وراهنت قنوات فضائية على الاستعانة بمذيعين ومذيعات كبار، ارتدوا وشاح الحكمة بالهروب إلى البرامج الاجتماعية، وتركوا الساحة السياسية قهرا، لكن النتائج التي حصدوها جاءت مخيبة للآمال.

ويسقط البعض دوما في فخ السباحة عكس التيار، عبر محاولة تقليد صور متأرجحة من برامج شغلت العالم بشكل واسع، ولم يستفيدوا من خبرات الآخرين، فالمذيعة الأميركية الشهيرة أوبرا وينفري الرائدة في مجال البرامج الحوارية، ظلت لأكثر من 25 عاما متربعة على عرش البرامج التلفزيونية ببرنامجها الشهير “أوبرا وينفري شو”.

ورغم توهجها الدائم والمميز انخفضت نسب المشاهدة بشكل كبير مع بدايات عام 2005، وكان ذلك تحولا فاصلا في طريقة تناول وينفري لضيوفها، وبدا ذلك في الحلقة الشهيرة للدراج الأميركي لانس أرمسترونغ، الحاصل على جائزة طواف فرنسا للدراجات الهوائية سبع مرات، والذي تم تجريده من جميع ألقابه في هذه المسابقة عام 2012 كعقوبة لتعاطيه المنشطات.

اعترف أرمسترونغ في حلقة مع المذيعة الأميركية عام 2009 بعد أن بكى أمام الشاشات بتعاطيه المنشطات، ولم يستطع الصمود حينها طويلا أمام مهارات وينفري، وقدراتها المتشعبة في اقتحام النفوس بوحشية.

وهو ما أكده الكاتب الأميركي ديمون براون في صحيفة “أي.أن.سي”، عندما قال “بالرغم من تحقيق تلك الحلقة مشاهدات مليونية، لكنها كانت بداية لتراجع أكبر في رصيد أوبرا التي تعرضت لهجوم أضر بمسيرتها الإعلامية”، واكتفت بعد هذه الحلقة بأشهر بالتنحي عن الظهور كمقدمة برامج والعمل خلف الكواليس كصاحبة شبكة قنوات عالمية.

توشك موجة البرامج الاجتماعية على التلاشي في مصر، وهو ما يمثل مأزقا شديدا، فإذا كانت قائمة المحرمات زادت في البرامج السياسية، وفشلت البرامج الاجتماعية في سد الفراغ، فإن القنوات الفضائية سوف تعاني من أزمة مزدوجة. فلا يوجد المذيع (أو المذيعة) القادر على عبور جبال من الأشواك السياسية، والذي يملك الحنكة والرشاد لتقديم برامج اجتماعية هادفة.

18