إغلاق "التونسية" يُسلط الضوء على مأزق الصحافة الورقية

يدق العاملون في قطاع الإعلام في تونس ناقوس الخطر، بعد إغلاق صحيفة “التونسية” مؤخرا أبوابها، في فصل جديد من فصول الأزمة التي تعانيها الصحافة الورقية وتوشك أن تؤدي بها إلى الانهيار.
الثلاثاء 2016/05/31
صحافة على حافة الانهيار

تونس- دخل اعتصام صحافيي وتقنيي صحيفة “التونسية” اليومية يومه العشرين على التوالي، وسط تزايد التحذيرات من اقتراب قطاع الصحافة الورقية في تونس من حافة الانهيار بسبب جملة من العوامل تراكمت خلال السنوات الخمس التي تلت سقوط نظام الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي في 14 يناير من العام 2011.

وأغلقت صحيفة” التونسية” أبوابها في منتصف الشهر الجاري، لتُسلط الضوء بذلك على واقع الصحافة الورقية في تونس التي تمر مثل غيرها في بقية الدول العربية والأجنبية بمأزق جدي نتيجة المنافسة الشرسة للصحافة الإلكترونية، ومنابر التواصل الاجتماعي، وتراجع المبيعات الذي ترافق مع انخفاض نسبة الإعلان.

وتُقر مختلف الهيئات المعنية بالإعلام في تونس، بأن الصحافة الورقية في البلاد أضحت على حافة الانهيار، حتى أن النقابة العامة للإعلام التابعة للاتحاد العام التونسي للشغل (أكبر منظمة نقابية في البلاد)، لم تتردد في دعوة الحكومة التونسية إلى التدخل لإيجاد الحلول المناسبة لوقف تدهور الصحافة الورقية في البلاد، عبر قرارات وإجراءات تحول دون إعلان بعض الصحف إفلاسها.

وتستغرب النقابة العامة للإعلام تجاهل الحكومة لوضع الصحافة الورقية في البلاد الذي تصفه بـ“الكارثي”، ولا تتردد في اتهامها بأنها تفتقد إلى التصورات الهيكلية لإنقاذ هذا القطاع، وانتشاله من الفوضى العارمة التي جعلته في مهب رياح عاتية تدفع به نحو الاندثار.

وقبل ذلك، كانت نقابة الصحافيين التونسيين ومعها الجمعية التونسية لمديري الصحف، قد انتقدتا بشدة إقدام الحكومات المتعاقبة التي عرفتها تونس بعد سقوط نظام بن علي في عام 2011، على خنق قطاع الصحافة الورقية عبر إجراءات غير مدروسة منها تقليص عدد الاشتراكات السنوية في الصحف والمجلات، والمماطلة في حسم الملفات المرتبطة بتفعيل هذا القطاع عبر تنظيم توزيع الإشهار العمومي (الإعلانات الرسمية) التي توزعها الحكومة التونسية على الصحف، عبر هيكل مستقل.

وأمام هذا التلكؤ في تنظيم هذا القطاع، بدأ عدد من الصحف اليومية والأسبوعية يتجه تدريجيا نحو التخلص من الطبعة الورقية، والاكتفاء ببعض المواقع الإلكترونية، فيما ذهب البعض الآخر إلى التوقف نهائيا عن الصدور، الأمر الذي تسبب في تراجع عدد الصحف الورقية بشكل لافت.

النقابة العامة للإعلام تستغرب تجاهل الحكومة لوضع الصحافة الورقية في البلاد الذي تصفه بـ“الكارثي”، ولا تتردد في اتهامها بأنها تفتقد إلى التصورات الهيكلية لإنقاذ هذا القطاع

ويُدرك المتابعون لأوضاع الصحافة الورقية في تونس أن أزمة هذا القطاع ليست جديدة ولا هي طارئة، كما أن أسبابها متعددة ومتداخلة، رغم أن عنوانها الرئيسي هو التمويل الذي يبدو أنه اختار مجالات أخرى مرتبطة باتساع تأثير وسائل الاتصال الحديثة والمحطات الفضائية والإنترنت.

ومع ذلك تختلف القراءات في تحديد الأسباب المباشرة لهذه الأزمة التي تحولت إلى مأزق حقيقي، حيث أرجعها الصحافي بوكالة الأنباء التونسية الصحراوي قمعون، إلى تزايد مظاهر الإخلالات الهيكلية وانعدام خطط التنمية والتوسع فيها وتراجع مردوديتها الاقتصادية، بالإضافة إلى اختلال التوازنات المالية لأغلب المؤسسات الإعلامية التي تصدر صحفا ورقية.

ومن جهته، يرى الطيب الزهار رئيس جمعية مديري الصحف التونسية أن أزمة الصحافة الورقية رغم أنها أزمة عالمية أفرزها انفجار المشهد الإعلامي والتقدم التكنولوجي الهائل، فإن خصوصية هذه الأزمة في تونس” “تكمن في غياب الدعم المادي الحكومي على عكس ما هو معمول به في العديد من دول العالم”.

ولم يتردد الزهار في اتهام حكومات ما بعد سقوط نظام بن علي في 2011، بأنها كانت “تحمل نية مبيتة لتركيع الإعلام بعد رفضه العودة مجددا إلى جوقة المطبلين، وتمسكه في المقابل بحريته”. واعتبر في تصريحات سابقة أن واقع الصحافة الورقية في تونس “وصل إلى المربع الكارثي الذي يفرض على الحكومة الحالية الاستجابة الفورية لاستغاثة الناشطين في هذا القطاع عبر اتّخاذ إجراءات حاسمة لإنعاشه قبل فوات الأوان”.

وكان يوسف الوسلاتي عضو النقابة الوطنية للصحافيين التونسيين قد حذر قبل ذلك من تدهور واقع الصحافة الورقية في بلاده قائلا”لقد انتظرنا بعد الثورة أن يرتقي قطاع الصحافة المكتوبة وأن يكون أكثر جدية وواقعية وقربا في هموم المواطن لكن يبدو أن الانتعاشة التي عرفها القطاع بعد الثورة لم تدم طويلا إذ أنه سرعان ما بدأت بعض الصحف في الاختفاء بعد أن أعلن أصحابها عجزهم عن مجابهة المصاريف أمام شح الإعلانات والغلاء المفرط للورق”.

18