إفراط الوالدين في حماية الطفل يضعف شخصيته

لئن كانت لإهمال الطفل والتقصير في تربيته أضرار كبيرة وعواقب وخيمة، فإن الإفراط في حمايته وفرض قيود صارمة عليه لهما تأثير سلبي وأضرار قد تفوق في خطورتها تلك الناتجة عن الإهمال وعدم الاهتمام. حيث وجد علماء النفس أن الطفل الذي يحرم من اهتمام الوالدين يمكن أن يدمر عاطفياً، ولكنه سرعان ما يكتشف طريقة يدافع بها عن نفسه. أما الطفل الذي ينشأ في بيئة تفرط في حمايته فقد يصاب بضعف الشخصية ونقص حاد في التطوّر.
الخميس 2015/11/05
مبالغة الآباء في خوفهم على أبنائهم تجعلهم ضعفاء في مواجهة المجتمع

الحب الزائد من قِبَل الآباء لأبنائهم يدفعهم لتوسيع دائرة الحفاظ عليهم وحمايتهم بشكل مبالغ فيه، ومن ثم اعتماد نمط التربية الملتزمة وغير المتوازنة بالنسبة إلى حاجات الطفل، وفرض ضوابط صارمة تقيد حياته، وهو ما يجعل الطفل يعيش في عزلة عن عالم الأطفال ويبتعد عن تلبية رغباته واحتياجاته مما يتسبب في عدم اكتسابه للمهارات الجديدة التي تقف وراء تطوره، وهو ما يؤثر سلبا على قدراته وتنمية شخصيته في المستقبل.

وتوصّلت دراسة أجرتها جامعة وارويك في المملكة المتحدة، إلى أن الإفراط في حماية الأطفال ربما يكون سبباً في إعاقة نموهم الطبيعي، كذلك فإن فرض قيود على تحرّكاتهم وحياتهم بدافع الخوف عليهم، قد يحرمهم من ممارسة طفولة طبيعية.

ويؤكد الباحثون أن عدم السماح للطفل بأخذ زمام المبادرة والمغامرة من شأنه عرقلة اكتسابه لمهارات مهمة قد يحتاج إليها في حماية نفسه وتكوين شخصية تعتمد على نفسها في جميع مراحل العمر، مشيرين إلى أن مواجهة بعض المشكلات التي يتعرّض لها الأطفال تتيح لهم اكتساب مهارات التكيّف وتنمية قدراتهم في مواجهة الصعوبات واتخاذ القرارات، وتطوير روح المبادرة والاعتماد على النفس.

وثمة أشكال كثيرة لنمط الحماية المفرطة للأطفال أولها التربية الصارمة التي تحرم الطفل من حقه في الاختيار بحيث يقوم الأهل باتخاذ كافة القرارات بالنيابة عنه، بما في ذلك اختيار الأصدقاء، وأيضاً لا تسمح له بأن يكتسب الخبرات بنفسه من خلال تجاربه الخاصة والخاطئة أحيانا، وتبعده عن شتى أنواع المخاطر، إضافة إلى رفض فكرة أنه قد يفشل أو يرسب.

وعن هذا يقول أستاذ علم النفس بجامعة عين شمس حسين عبدالقادر، إن الإفراط في حماية الطفل قد يؤثّر سلبياً على بنيته النفسية، فالطفل في أيامه الأولى ينشأ على يد الأم ثم يدخل الأب في محيطه تدريجيا، ثم يتأثّر بالمحيطين من الكبار ويتعلم من تصرفاتهم، ولذلك إذا تصرف الأب أو الأم بخوف وقلق غير طبيعيين فهذا ينعكس على تصرفات الطفل، مما يخلق لديه شخصية ضعيفة تصاحبه طوال مراحل عمره، حيث أن الطفولة هي التي تمثل النواة الأولى لشخصية الإنسان والتي تتطور عندما يكون في سن البلوغ ومرحلة الشباب.

رقابة الوالدين للطفل من الجوانب المهمة لحمايته، إلا أنها يجب أن تتم بشكل متوازن دون تقييده وحرمانه

ويوضح عبدالقادر أن التربية الصحيحة المتوازنة بين حماية الطفل وتقويم سلوكه وبين عدم الإفراط في تقييده، تتضمن محاور رئيسية منها تعليم الأطفال مهارات حل المشاكل بدلاً من الاعتماد على الوالدين، فهذا يبني لديهم شخصية قوية قادرة على مواجهة تحديات الحياة، كذلك تعليم الأبناء التفكير المنطقي، والتفاهم والقدرة على التواصل. وتنمية الذكاء العاطفي لدى الطفل تمنحه الوعي الذاتي وتمكّنه من التحكّم بمشاعره، فيكون على قدر من الوعي الاجتماعي ويجيد إدارة العلاقات، هذا بجانب مهارات الاعتماد على الذات، فكلما كبر عليه الانتقال من مرحلة الاعتماد على الوالدين إلى القيام بأشياء أكثر بنفسه، مؤكداً ضرورة الابتعاد عن تخويف الأطفال بالقصص والأساطير المخيفة، لأنها تخلق لديه الشعور بالخوف، لافتاً إلى أن الطفل الأكثر ذكاء هو الذي يستطيع أن يوازن بين الأمور بشكل صحيح، ولا يعمّم نظرية الخوف من كل شيء.

بينما يرى الأستاذ بمعهد الدراسات والبحوث التربوية بجامعة القاهرة جابر عبدالحميد، أن رقابة ومتابعة الوالدين للطفل من الجوانب المهمة لحمايته وتقويم سلوكه، إلا أن هذه الرقابة يجب أن تتم بشكل متوازن دون حرمانه، حيث أن الحماية الزائدة من قِبَل الوالدين قد يكون لها أثر عكسي، فالوالدان اللذان يحاولان حماية أطفالهما من الأذى قد يتسبّبان فعلياً في أذيتهم، لافتاً إلى أن الحماية المفرطة من قِبَل الآباء يمكنها أن تزيد من خطر تعرض الطفل للتنمر، موضحاً أن الهدف من التربية هو مساعدة الأطفال على اكتساب المهارات، والتحكم في الذات، والاعتماد على النفس.

ويتابع: الأطفال بحاجة للتعامل مع أشكال مختلفة من التحديات في جرعات خفيفة، حيث يحتاجون لخوض بعض الصراعات لمعرفة كيفية التعامل مع المشاكل، مؤكداً أن هذا الأمر ليس من أجل تحرير الأطفال من كل الضوابط والقيود بغير شروط لكنه من أجل الحفاظ على سلامتهم النفسية والعقلية.

ومن جانبها، تشير أستاذة علم النفس بالمركز القومي للبحوث بالقاهرة سميحة نصر، إلى أن خوف الأم على طفلها ينعكس دوما في صورة تحذيرات مباشرة تبث في نفسه الخوف من الإقبال على أي شيء، إلى أن يصبح الخوف متمكنا منه، خاصة مع الإيحاء الدائم له بإمكانية تعرضه للخطر. وتضيف، إن اتباع الآباء أسلوب التخويف والتنبيه المباشر للتحذير قد يكون وسيلة مؤقتة للتهذيب، لكنها ليست وسيلة ذات أثر طيب في إنشاء شخصية سوية.

وتنصح نصر الآباء والأمهات بأن يعملوا على تنمية مهارات أطفالهم من أجل الحفاظ على صحتهم النفسية عن طريق توجيههم المستمر وإعطائهم معلومات متجدّدة، بدلاً من حبسهم في إطار الخوف. مع الأخذ في الاعتبار تعليم الطفل الصواب والخطأ حتى يتمكّن من اتخاذ القرارات، مشيرة إلى ضرورة تشجيع الطفل على المغامرة المحسوبة العواقب حتى يتمتع بالثقة ويصبح قادرا على أن يكون أحد قادة المستقبل.

21