إفشاء الأبناء لأسرار أسرهم خلل تربوي يحرج الآباء

جلسات الفضفضة أو النميمة أمام الأطفال تدفعهم إلى التقليد.
الأربعاء 2021/01/06
إفشاء الأبناء لأسرار أسرهم خلل تربوي يحرج الآباء

يصاب الآباء والأمهات بالذهول والإحراج أمام العائلة الموسعة أو الأصدقاء أو الجيران عند بوح أحد أبنائهم بأسرار عائلية ومواقف شخصية تكون حساسة في أغلب الأحيان ويرغبان في عدم خروجها من أسوار المنزل.

يتعمد الكثير من الأشخاص الذين يطغى عليهم الفضول استدراج الأطفال واستغلال براءتهم للإطلاع على خصوصيات أسرهم وعلى أدق تفاصيل حياة والديهم، وقد يجد الطفل في ذلك وسيلة للتقرب من الآخرين وكسب حبهم وثقتهم، ويرى الخبراء أن الطفل لا يتحمل مسؤولية هذا السلوك المنبوذ؛ ذلك أن الكبار يلعبون دورا أساسيا في إقحامه في هذه الأمور، مما ينمي لديه النميمة وإفشاء أسرار العائلة وما ينجر عنهما من مضار قد تلحق بالطفل وبعائلته وبعلاقاتها الأسرية والاجتماعية.

وأكد خبراء العلاقات الأسرية أن البوح بأسرار البيوت مشكلة تعاني منها العديد من العائلات، نظرا إلى طبيعة المجتمعات العربية التي تُرحب وتستمع بشكل جيد للطفل أثناء نقله لأي كلام دون منعه في الحال، بل وتحيطه بالاهتمام حبا في معرفة هذه الأسرار، وبالتالي يتم تشجيع الطفل على الاستمرار والتمادي في هذا الأسلوب.

ولفتوا إلى أن إفشاء الطفل لأسرار عائلته سلوك سلبي ناتج عن خلل تربوي مرده شعور الطفل بالنقص أو رغبته في أن يكون محط الأنظار والإعجاب من قبل المحيطين به، بالإضافة إلى رغبته في أن يحصل على أكبر قدر من العطف والرعاية والاهتمام.

ويعتبر إفشاء أسرار العائلة من الأمور غير المستحبة والمزعجة نظرا إلى خرقه خصوصيةَ ما يدور في المنزل وكشفه أمورا عائلية لا يجب أن يعرفها أي شخص حتى وإن كان من المقربين أو الأصدقاء الحميمين. ويمكن أن يكون الوالدان مصدر تبني الابن -أو الابنة- لهذا السلوك انطلاقا من الحديث عن أسرار المقربين أمامه ويكونان قدوة سيئة له ثم يحاسبانه على هذا السلوك الذي قد يبث الفتنة في العلاقات الأسرية.

الطفل ناقل لبيئته

وقالت الأستاذة هدى عبدالعال عماوي المختصة في علم النفس الإكلينيكي “أعتقد أن إفشاء الأبناء أسرارَ الآباء ناتج عن خلل تربوي نابع من تربية الآباء لأبنائهم، إذ لا يستطيعون الفصل بين حياتهم الشخصية وبين الوقت الذي يقضونه مع الأطفال”.

وتابعت موضحة لـ”العرب” أن “الطفل قد يكون جالسا قرب والديه اللذين يتحدثان عن موضوع معين دون أن يدركا أن هذا الموضوع لا يمكن تناوله أمام الطفل، لأن الطفل في مرحلة معينة تبدأ من عمر الأربع سنوات إلى سن المراهقة يكون ناقلا للبيئة، حيث أنه يأخذ المعلومة من الأسرة دون تمحيص ودون أن يعرف ما إذا كان بالإمكان البوح بها أم لا، وينقلها كما هي وبنفس الصورة خارج المنزل”.

وأضافت المختصة المصرية قائلة “لذلك يتم دائما توجيه الآباء والأمهات بأن تكون حياتهم الشخصية منفصلة تماما عن الأطفال، لأن الطفل يكون ناقلا للصورة المتواجدة في المنزل كما هي، فإذا كان الأب عنيفا يصبح الطفل عنيفا تجاه أصدقائه، وإن سمع كلاما داخل المنزل لا يتردد في نقله إلى الخارج”.

وأشارت إلى أن هذه السلوكيات أساسها خلل في أسلوب التربية الذي يعتمده الأبوان وعدم قدرتهما على الفصل بين المعلومات الشخصية والحديث عن كل ما يتعلق بالأسرة وعلاقتها الاجتماعية في حضور الطفل.

وأكدت العماوي أن نقل أسرار البيت إلى الخارج يعرض الآباء والأمهات لإحراج شديد، لذلك يُنصَح بفصل الحياة الشخصية تماما عن الأبناء ومحاولة إبعادهم عن المواضيع التي لا تتناسب مع أعمارهم، منبهة إلى أن حياة الطفل هي عبارة عن لعب وتعليم وتحفيز له، وممارسة الهوايات وترسيخ الأخلاق والمبادئ السوية.

وبين المختصون أن حديث الكبار عن الآخرين خلال جلسات الفضفضة أو النميمة أمام الأطفال يدفعهم إلى التقليد، ولفتوا إلى أن أكبر خطأ يقع فيه الوالدان وبعض المقرّبين من الطفل يتمثل في ترحابهم واستمتاعهم بحديث الطفل أثناء نقله للكلام دون منعه، بل وإحاطته بالاهتمام رغبة في معرفة أسرار الآخرين؛ لأن ذلك يشجع الطفل على الاستمرار والتمادي في هذا الأسلوب.

وشدد هؤلاء المختصون على ضرورة توعية الطفل، بداية من عمر 4 سنوات، بمخاطر ذلك خاصة إذا لاحظ الوالدان أنه نقل أي حديث سمعه داخل الأسرة إلى الغرباء، لأنّ الطفل مرآة الأسرة، مشيرين إلى أن القدوة هي أسهل أساليب التربية، لذلك يجب على الآباء والأمهات أن يحفظوا أسرار ابنهما، وحين يأتي طفل ليخبرهما بما شاهده في منزل الأقارب أو الجيران، يجب إخباره بأنه يتعيّن عليه أن يحفظ أسرار المنازل التي يدخلها.

مشكلة نفسية واجتماعية

ونبه أخصائيو علم الاجتماع إلى أن فضول بعض الآباء -وخاصة الأمهات- وتصرفاتهم الخاطئة، ينميان عند الطفل حب الفضول والميل إلى كشف أسرار الآخرين بالإضافة إلى الضغط الخارجي من قبل الغرباء أو بعض الأقارب أو الجيران الذين يدفعهم الفضول إلى كشف أسرار الغير من خلال الأطفال عبر الأسئلة المتكررة والمحرجة التي لا يستطيع الطفل ببراءته وخجله أن يتهرب منها.

وأكدت خبيرة العلاقات الإنسانية وتطوير الذات شيماء محمود إسماعيل أن مشكلة إفشاء الأطفال لأسرار البيوت والتحدث عن الأمور العائلية من أهم المشكلات النفسية والاجتماعية التى تواجه الكثير من الأسر، موضحة أنه يمكن تفسير هذا السلوك غير المرغوب فيه، انطلاقا من أن بعض الأطفال يتمتعون بخيال واسع قد يدفعهم إلى اختراع القصص والروايات والأحداث.

البوح بأسرار البيوت مشكلة تعاني منها المجتمعات العربية التي تستمع بشكل جيد للطفل أثناء نقله لأي كلام دون منعه

وأشارت إلى أن البعض الآخر من الأطفال قد يلجأون إلى الكذب والمبالغة من غير هدف أو شعور أو قصد، حيث أن ذاكرتهم تعجز عن الاحتفاظ بكل التفاصيل، فيحذفون بعضها ويضيفون أشياء من عندهم.

وذكر المختصون أن بعض الأمهات والجدات يستخدمن الأطفال كوسيلة لمعرفة أخبار المحيطين بهن، دون معرفة خطورة هذا الأمر على الطفل والأسرة، مؤكدين أن الطفل ليس السبب وإنما هو ضحية فضول الكبار، وقد يدفعه سؤال عفوي عن تفاصيل حياة الأقارب أو الأصدقاء إلى البوح بجميع المعلومات التي يعرفها. وغالبا ما تدفعه عفويته وعدم إدراكه للنتائج مع التنبيه عليه بضرورة التزام الصدق في ما يقول إلى إفشاء الكثير من الأسرار الأسرية دون تفكير، ونقل ما يحدث داخل الأسرة من مشاعر سلبية وتفاصيل وملاحظات وتعليقات، وهو ما يسبب الكثير من المشاكل أو الخلافات بين العائلات.

افتقاد للأمان الأسري

وقال محمود علي الخبير التربوي المصري إنه “في ظل الظروف والمتغيرات المعاصرة اختلت معايير وأسس التنشئة النفسية والتربوية لدى الأبناء فأفرزت أنماطا سلوكية مختلفة تماما عما كان في الماضي، بعدما تسللت إلى المجتمعات العربية إثر غياب الأدوار التربوية للآباء والأمهات وباقي مؤسسات المجتمع، خاصة وسائل الإعلام التي تصور أحيانا إفشاء الأبناء لأسرار أسرهم بطريقة كوميدية، فأسهمت بطريقة أو بأخرى في تبرير تجسس الآخرين على باقي أفراد المجتمع”.

ولفت إلى أن افتقاد الطفل للأمان في البيت يدفعه إلى إفشاء أسرار أسرته في المدرسة سواء لأقرانه أو للمعلمات والمعلمين، مشيرا إلى أن هناك فهما خاطئا في هذا السياق يقوم على أساس أن اطلاع المعلمة أو المعلم على المشاكل الشخصية للطفل هو شكل من أشكال التكامل في الدور التربوي بين الأسرة من ناحية وبين المدرسة من ناحية أخرى، وهو دور مطلوب، لكن بشرط أن يكون ضمن حدود الحفاظ على أسرار الأسرة التي لا ينبغي لغير أفرادها الاطلاع عليها.

وأكدت الدكتورة نعيمة حمدي، أستاذة علم الاجتماع في مصر، أن ظاهرة بوح الأبناء الصغار للآخرين بأسرار أسرهن تمثل ترجمة اجتماعية فعلية لوجود نوع من التفكك الأسري البسيط، بالإضافة إلى ضعف علاقة الأبناء بذويهم.

وأفادت بأن هذا الصنف من الخلل الاجتماعي قد يكون إنذارا أو علامة تؤشر على وجود خلل نفسي لدى الطفل الذي يقدم على الإفشاء بأسرار أسرته، كما يعكس هذا الأمر أيضا مرضا اجتماعيا دفينا مرتبطا بالطبيعة البشرية والعوامل النفسية والاجتماعية التي تدفع إلى معرفة أسرار الآخرين، مشيرة إلى أنه في وسع من يفشي لهم الطفل بأسرار أسرته أن يطلبوا منه التوقف عن الحديث أو تنبيهه، لأن ما يقوم به نوع من أنواع الأخطاء الاجتماعية غير المقبولة.

21