إقالة رئيس هيئة الترفيه تكشف صعوبة الإصلاح في السعودية

أنشطة هيئة الترفيه تثير ردود فعل غاضبة وسلبية من قبل بعض الجهات المحافظة، وقرار إعفاء رئيسها يمثل رسالة ملكية تؤكد حرصا على مواكبة المجتمع السعودي.
الأربعاء 2018/06/20
انفتاح يواجه تحديات كثيرة

الرياض - تصاعدت الأسئلة داخل الأروقة السياسية والاجتماعية السعودية إثر إقالة أحمد الخطيب رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للترفيه التي أنشئت في إطار خطة كبرى لإقامة مراكز ثقافية وترفيهية في البلاد، ما يكشف عن صعوبة كبيرة تحيط بمهمة الإصلاح الاجتماعي.

ونقلت مواقع إعلامية عن مصدر مقرب من الحكومة السعودية أن سبب إقالة الخطيب يعود إلى عرض لسيرك روسي أثار جدلا في البلاد المحافظة.

وأثار أمر الإقالة أسئلة حول تجربة الهيئة المناط بعهدتها إدارة أحد أهم التحولات التي اتخذت في عهد العاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز بهدف إرساء انفتاح ومرونة مجتمعية يجيزان ما كان ممنوعا قبل ذلك لإقامة العروض والحفلات والفعاليات الثقافية والفنية وجعلها في متناول العامة بالمملكة.

وكان العاهل السعودي أصدر، الاثنين، أمرا ملكيا أقال بموجبه الخطيب، بحسب ما أوردت وكالة الأنباء السعودية الرسمية (واس).

وعزت مصادر إعلامية سعودية مقرّبة من الحكومة سبب إعفاء الخطيب من منصبه إلى عرض للسيرك الروسي في العاصمة الرياض، وظهرت فيه لاعبات في السيرك “بلباس غير لائق”.

واعتبر مراقبون أن الإعفاء يؤكد صعوبة المهمة في دولة مثل السعودية ونظامها الاجتماعي، وأن عملية التحديث التي أطلقها الملك سلمان ويشرف عليها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان تحتاج إلى صيانة وتطوير دائمين لإيجاد نقاط التوازن بين هدف الترويج للترفيه المحلي وتنمية سبل ذلك، واحترام ثقافة وتقاليد البلد وقواعد العيش الاجتماعي داخله.

وأشارت المصادر إلى أنه “سبق أن تم التشديد على مجلس إدارة هيئة الترفيه الذي كان يرأسه الخطيب على وجوب وضع شروط ومعايير واضحة ورقابة في حال التعاقد مع المشغلين الأجانب وذلك بعد حادثة سابقة مشابهة في العام الماضي”.

وأثارت عارضات روسيات في سيرك قدم عروضه في السعودية خلال الفترة الماضية، جدلا في مواقع التواصل الاجتماعي بعد أن انتقد كثير من المدونين السعوديين ملابسهن “الجريئة” ليجدن بالمقابل مدونين آخرين من أبناء البلاد يدافعون عنهن وعن مشاركتهن.

إعفاء من المهام دون توضيح الأسباب
إعفاء من المهام دون توضيح الأسباب

وانتشر فيديو عبر وسائل التواصل الاجتماعي تظهر فيه لاعبة في السيرك ترتدي لباسا ضيقا زهري اللون، ما يبدو أنه أثار غضب المحافظين في السعودية.

وقد سبق أن أثارت أنشطة الهيئة ردود فعل غاضبة وسلبية من قبل بعض الجهات المحافظة، إلا أنه تم التعامل مع ردود الفعل هذه بكونها عادية ومنطقية في بلد عرف التشدد والانغلاق الديني على مدى العقود الأخيرة، فيما تحركت الحكومة وأحيانا من أعلى المستويات لضبط أي تجاوزات لا تخدم الأهداف الكبرى للهيئة وتسبب لغطا داخليا غير مفيد.

ولم توضح الوكالة السعودية، الاثنين، أسباب الإقالة واكتفت بنشر الأمر الملكي الذي جاء فيه “يُعفى معالي الأستاذ أحمد بن عقيل الخطيب رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للترفيه من منصبه”.

ويرى المدافعون عن خطط الانفتاح الاجتماعي في المملكة أن تجربة الهيئة هي مغامرة كبرى يجب صونها ورعايتها وحمايتها وتجنيبها أي شطط. ويقر هؤلاء بأن بعض العروض ستبدو تحديا للتقاليد، فيما ستبدو عروض أخرى أقل من المنتظر في مجتمع يتلهف للجديد.

وكانت الرياض أعلنت في فبراير أنها ستستثمر نحو 64 مليار دولار في قطاع الترفيه في السنوات العشر المقبلة، على أن يتم تأمين هذه الأموال من الحكومة والقطاع الخاص، مشيرة إلى أن العام 2018 سيشهد أكثر من خمسة آلاف فعالية.

وأعلنت السلطات السعودية أنه سيُسمح للنساء بقيادة السيارات ابتداء من 24 يونيو الجاري، وذلك في إطار مجموعة إصلاحات اقتصادية واجتماعية بإيعاز من ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان.

ولفتت بعض المراجع السعودية إلى أن خطط هيئة الترفيه تحتاج إلى النظر إلى البعد الثقافي والفكري لها وألا تكون تسلية ساذجة من الحفلات والعروض.

ورأى هؤلاء أن أمام السعودية مهمة معقدة لإعادة تأسيس الوعي العام بعد عقود من الثقافة الواحدة التي فرضتها حلقات “الصحوة” في البلاد، وأن هذا الهدف السامي والطموح الجريء يحتاجان إلى مقاربة أكثر حكمة وحنكة، تتجاوز ظاهرة ضخّ عروض كمية متعجلة لا تكترث بمضمونها وما تبثه من جوانب قد لا تتسق مع الأهداف الاستراتيجية الكبرى للبلاد.

وتشكّل الإصلاحات حجر الأساس في خطة التحول الاقتصادي الطموحة التي أعلن عنها في 2016 والهادفة إلى وقف الاعتماد على النفط، وإلى الانفتاح على قطاعات أخرى، بينها الترفيه.

وتأمل السعودية بذلك أن يُنفق مواطنوها في قطاع الترفيه في بلدهم بدلا من التوجّه إلى بلدان أخرى طلبا للسينما والمسرح والعروض والحفلات.

ويرى خبراء في الشؤون السعودية أن قرار الملك إعفاء رئيس هيئة الترفيه يمثل رسالة ملكية واضحة تؤكد حرصا على مواكبة المجتمع السعودي وفق إيقاعات مدروسة خصوصا وأن الرياض قد أنجزت خطوات كبرى في مجموعة من الملفات الاجتماعية التي لم يكن أحد يتخيل حدوثها في البلاد.

وأضافوا أن القرار يمثل أيضا تمسكا بالهيئة كمؤسسة ناجحة من مؤسسات الإصلاح في السعودية وأن تغيير الأشخاص على رأسها هدفه تصويب الأداء ومعالجة الخلل في بعض ممارساتها.

وقالت مصادر سعودية في هذا الصدد إن قرار الملك سيفرض إعادة قراءة لعمل الهيئة وبرامجها المقبلة بما يخلّص فعالياتها من أي شوائب لا تتناسب مع الغرض من إنشائها ولا تتسق مع الطموح في فتح العروض أمام أوسع حضور مجتمعي لها.

1