إقالة مدير التلفزيون التونسي تنذر بعودة هيمنة الحكومة على الإعلام

استقبل الوسط الإعلامي التونسي نبأ إقالة مدير التلفزيون التونسي الرسمي باستنكار شديد، نظرا إلى أن قرار الإعفاء جاء من قبل رئاسة الحكومة التي تجاهلت هيئة الاتصال العليا صاحبة الاختصاص في هذه القرارات، وهو ما ينذر بسيطرة الحكومة على الإعلام وتدخلها في تسييره بشكل مباشر.
الثلاثاء 2015/11/17
طريقة إقالة مدير مؤسسة التلفزيون تفتح الباب واسعا أمام السلطة التنفيذية للتحكم في التعيينات

تونس - عبر رئيس الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي البصري في تونس، النوري اللجمي، عن استنكاره لقيام رئاسة الحكومة بإقالة المدير العام للتلفزيون الرسمي وتعيين مدير ثان خلفا له دون إعلام الهيئة، التي هي صاحبة الاختصاص في مثل هذه القرارات.

وأعلنت الحكومة التونسية، عزل مصطفى باللطيف، غداة بث المحطة الأولى للتلفزيون صورة رأس مقطوع لطفل ذبحه متطرفون، الجمعة، في جبل “مغيلة” بمنطقة سبيطلة، وسط غرب البلاد.

وقالت الحكومة في بيان أول أمس، “قرر رئيس الحكومة الحبيب الصيد تعيين رشاد يونس مشرفا على تسيير شؤون مؤسسة التلفزيون الوطنية بالنيابة خلفا لمصطفى باللطيف” من دون ذكر للأسباب. بينما اعتبر اللجمي أن هذه الإقالة تعتبر خطوة إلى الوراء وتهميشا للهيئة وعدم اعتراف بدورها التعديلي.

كما أثارت إقالة مدير التلفزيون الرسمي موجة من الاستياء في الوسط الإعلامي التونسي، فقد بادر، أمس الاثنين، مديرا القناتين الوطنيتين الأولى والثانية إيهاب الشاوش وشادية خذير إلى تقديم استقالتهما من إدارة القناتين إلى مكتب مجلس الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي البصري “الهايكا”، وأشارت الهايكا في بلاغ لها إلى أنه قد تم إحالة نص الاستقالة إلى إدارة مؤسسة التلفزيون التونسية.

وحسب نص الاستقالة، فقد قرر إيهاب الشاوش وشادية خذير الاستقالة على خلفية إقالة رئاسة الحكومة لمصطفى باللطيف دون الرجوع إلى الهايكا مرجع النظر في التسميات حسب المرسوم 116 المتعلق بحرية الاتصال السمعي البصري وبإحداث هيئة عليا مستقلة للاتصال السمعي البصري.

وأكد الشاوش وخذير أن استقالتهما ليست دفاعا عن أشخاص وإنما لأسباب مبدئية ولقناعتهما بأن الطريقة في العزل والتسمية لا تتلاءم مع مسار إصلاح قطاع الإعلام بشكل عام والإعلام العمومي بشكل خاص.

وأوضحا أن هذه الطريقة تفتح الباب واسعا أمام السلطة التنفيذية للتحكم في التعيينات ونسف هامش حرية التعبير والإعلام التي تحققت بفضل الثورة، وفق ما جاء في نص الاستقالة.

من جهته، شبّه ناجي البغوري، رئيس النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين، طريقة إقالة باللطيف من قبل الحكومة بـ”أسلوب نظام بن علي” الذي تتم فيه الإقالات والتعيينات عبر الهاتف، في إشارة إلى اتّصال المستشار الإعلامي لرئيس الحكومة من منزله عبر الهاتف برئيس مؤسسة التلفزيون ليبلغه بإعفائه من مهامه وتعيين رئيس جديد بالنيابة.

ناجي البغوري: سياسة التعليمات في الإعلام العمومي عبر الهاتف عادت منذ مدة طويلة

وقال البغوري في تدوينة له على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، إنّه وبالرغم من أن “تغيير مصطفى باللطيف من على رأس مؤسسة التلفزيون ليس مفاجأة باعتبار الانتقادات التي وجهت لطريقة أدائه والأخطاء التي عرفتها المؤسسة”، إلا أن الإقالة مثلت صدمة بالنظر إلى ما اعتبره انقلابا على الهيئة العليا المستقلة للإعلام السمعي البصري كهيئة دستورية، إذ لم يعلم أعضاء مجلسها ورئيسها بالإقالة والتعيين إلا من خلال وسائل الإعلام.

كما عبّر البغوري عن صدمته من تعيين ”أحد رموز الفساد الإعلامي والذي رفضت الهايكا ترشحه لنفس الخطة سابقا”، في إشارة إلى رشاد يونس.

وأكّد أن “سياسة التعليمات والتدخلات في الإعلام العمومي عبر الهاتف عادت منذ مدة طويلة”، معتبرا أن هذا التعيين هو بمثابة إعلان حرب على الإعلام، كما توجه بلهجة تهكّمية بنصيحة إلى رئاسة الحكومة لانتداب عبدالوهاب عبدالله (مستشار سياسي للرئيس الأسبق زين العابدين بن علي)، إلى جانب مستشاره الإعلامي الحالي قليل الخبرة، وفق وصفه. ودعا في المقابل إلى تجديد “المعركة” مع الاستبداد وفق قوله.

وجاء استنكار نقابة الصحفيين ورفضها لطريقة إقالة المدير العام، على الرغم من إدانتها للتلفزة التونسية وتحديدا للقناة الوطنية الأولى بالإقدام على بث صورة رأس الطفل المقطوع، وقالت “من الواضح أن برمجة مؤسسة التلفزة الوطنية وخطها التحريري في مجال الأخبار لم يرتق إلى التطور الذي شهده القطاع في مجال التعاطي الإعلامي

مع الإرهاب”، داعية إياها “إلى تحمّل مسؤوليتها في هذا الخطأ المهني الجسيم”.

ودعت النقابة “كافة الصحفيين إلى التحلي باليقظة والالتزام بالمعايير الأخلاقية في ممارسة المهنة، واحترام الذات البشرية وحرمتها الجسدية وعدم صب الماء في طاحونة الإرهاب”.

من جهتها، أقرت إدارة التلفزيون بارتكاب خطأ مهني فادح عندما تم خلال نشرة إخبارية بث صورة مخلة بكرامة الذات البشرية تتعلق بالطفل الراعي في ولاية سيدي بوزيد، محمّلة المسؤولية لرئيس تحرير الأخبار الذي قالت إنها أقالته من مهامه.

وكشف مصطفى باللطيف، الأسباب الكامنة وراء قرار الإقالة، في تصريح لوسائل الإعلام المحلية، وقال إن قرار إعفائه من مهامه لم يحترم الإجراءات القانونية، مضيفا أنه كان من المفروض اتخاذ الإجراءات نفسها التي تم اتخاذها عند تعيينه لإنهاء مهامه.

وأوضح باللطيف أن القرار في ظاهره كان على خلفية تمرير الصورة المتعلقة بالشهيد الراعي مبروك السلطاني، لكن في باطنه كان يستهدف أداء إدارة المؤسسة وطريقة إدارتها للبرامج المقدمة، وانتهاجها منحى الاستقلالية الذي أصبح لا ينال رضا بعض الأطراف.

وأضاف أن مؤسسة التلفزيون اتخذت موقفا بشأن تمرير الصورة التي اعتبرتها خطأ مهنيا فادحا وأبعدت فوريا رئيس تحرير الأخبار، لكن ذلك لم يكن كافيا بالنسبة إلى رئاسة الحكومة.

18