إقالة وزير الثقافة المصري تثير الجدل في الأوساط الثقافية

السبت 2015/03/07
أخطاء كثيرة عجلت بإقالة جابر عصفور التي أثارت جدلا واسعا في أوساط المثقفين المصريين

القاهرة - احتدم الجدل في الأوساط الثقافية المصرية، عقب إعلان رئيس الوزراء المصري إبراهيم محلب عن تعديلات وزارية بحكومته، والتي تضمنت إقالة وزير الثقافة جابر عصفور، وتعيين الدكتور عبدالواحد النبوي، رئيس دار الوثائق القومية الأسبق وأستاذ التاريخ بجامعة الأزهر، بدلا منه.

عبدالواحد النبوي الاسم المعلن لخلافة وزير الثقافة المصري المقال جابر عصفور، اسم غير معروف بشكل كبير في الأوساط الثقافية المصرية، لكنه عمل تحت إشراف وزير الثقافة الأسبق محمد صابر عرب، في مشروع ثقافي ضخم لترميم المخطوطات وحفظها إلكترونيا، ترك العمل بالمشروع لمدة سنتين، وسافر للعمل كأستاذ للتاريخ المعاصر في جامعة قطر، وعاد بعدها لاستكمال مشروعه.


التقرب من الإخوان


تولى النبوي، رئاسة الإدارة المركزية لدار الوثائق القومية في 2010، ثم أصبح مديرا للهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية، وأشرف على إنشاء مبنى دار الوثائق في الفسطاط، وخلال فترة حكم جماعة الإخوان لمصر، قام وزير الثقافة الأسبق علاء عبدالعزيز، بإنهاء انتداب النبوي الذي كان يشغل منصب مدير الهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية آنذاك، في واقعة عرفت إعلاميا بمذبحة دار الكتب والوثائق القومية.

وسط حالة من الجدل، رحب العديد من المثقفين بقرار إقالة وزير الثقافة السابق جابر عصفور، معتبرين إياه قرارا صائبا قد تأخر في التنفيذ، خاصة في ظل المشاكل والزوابع التي أثارها جابر عصفور في الآونة الأخيرة، واصطدامه بمؤسسة الأزهر على وجه الخصوص، في حين جاء القرار مفاجئا للبعض، خاصة مع اختيار شخص غير معروف أو غير متوقع بشكل كبير في الوسط الثقافي.

وعلق الناقد الأدبي البارز على إقالة وزير الثقافة السابق جابر عصفور، وتعيين عبدالواحد النبوي بدلا منه، قائلا: أنا لا أعرف اتجاهات وزير الثقافة الجديد الدكتور عبدالواحد النبوي، ولا أستطيع أن أتحدّث عن نظافتها من عدمها، وكذلك لا أعرف إنجازاته التي تتحدث عنها الأخبار، ولكني أعتقد أن السياسة القادمة تعمل على التقريب بين النظام وجماعة الإخوان “2”، أي الطبعة الجديدة والمعدلة لجماعة الإخوان المسلمين بعد تقليم أظافرهم.

واستطرد يوسف “بما أن جابر عصفور هو أحد وجوه العداء المطلق لكل جماعات الإسلام السياسي المتطرف، بغض النظر عن أيّ أخطاء وقع فيها جابر عصفور لارتباك آلة الدولة والحكومة نفسها، لذلك فإقالة جابر عصفور تصبح مطلبا شديد الوجوب في الحكومة القادمة، لتنفيذ السياسة القادمة، وهي سياسة المصالحة بين الدولة وبين جماعات الإسلام السياسي، التي ما زالت موجودة وممثلة وتعمل على قدم وساق بقيادة حزب النور، لذلك فالإطاحة بجابر عصفور خطوة لتنظيف الحكومة من أي عنصر معاد للمصالحة، ولا ننسى أن الأخبار تقول أن الدكتور النبوي متخرج من جامعة الأزهر”.

السياسة القادمة تعمل على التقريب بين النظام وجماعة الإخوان المسلمين بعد تقليم أظفارهم


قرار صائب


أما الروائي ممدوح عبدالستار فقد تحدّث عن قرار الإقالة في تصريحات خاصة لـ”العرب”، قائلا “إقالة وزير الثقافة جابر عصفور، قرار صائب لأنه ببساطة شديدة أصبح عبئا على الثقافة المصرية منذ فترة طويلة، ولو نظرنا إلى تاريخه المشرف، حينما كان شيوعيا، وتنويريا بالشكل الصحيح، ثم تلطيخ تاريخه بقبوله العمل مع فاروق حسني، وزير الثقافة الأسبق في عهد الرئيس مبارك، لتدجين المثقفين في حظيرة فاروق حسني، أو الدولة بمعنى أصحّ، ثم أنه كان المهندس الفعلي لهذه الفكرة، وهذه الفكرة ظلت كما هي حتى الآن؛ المنافع الشخصية، واختيار المنافقين والأحبة، وأصحاب الشهرة والظهور الإعلامي، لأدركنا مصيبة ما فعله جابر عصفور في جسد الثقافة المصرية من خراب حقيقي، فحينما ترى شخصا متحولا من النقيض إلى النقيض تستطيع أن تحكم عليه، وأنه لا يؤمن بشكل حقيقي بدور الثقافة في المجتمع”.

وأضاف قوله “المشكلة الكبرى في المجتمعات العربية هي غياب المؤسسات والمعايير الصحيحة للاختيار، لأننا مازلنا نعتقد أن الثقافة والسلطة ضدان، ولا بدّ من إزاحة أحدهما من وجه الآخر، ثم أن الإقالة قد جاءت متأخرة بعض الشيء، رغم كثرة أخطاء جابر عصفور، وتمكين الأصدقاء والمعارف من مفاصل وزارة الثقافة، كما فعل الإخوان بالضبط، وهناك بلاغات كثيرة ضدّه، وفيها شبهة الفساد المالي والإداري، لكننا لا نعرف بالضبط ما هي معايير اختيار الوزراء في أيّ مجال، وهناك علامات استفهام كثيرة جدا حول موضوع اختيار المسؤولين في أيّ قطاع حكومي، لأننا ببساطة رغم قيامنا بثورتين لا يوجد تغيير حقيقي يلمسه المواطن البسيط، ومازالت الاختيارات عشوائية، قائمة على المحاباة. وأتمنى من الوزير الجديد أن تكون لديه رؤية حقيقية للثقافة، تشمل التجديد للكفاءة، واختيار الأفضل من الشباب، وإعادة هيكلة وزارة الثقافة، أو أن يساعد على إلغائها”.

أما الكاتب والروائي محمد العون فقد أكد، في تصريحاته لـ”العرب”، أن إقالة جابر عصفور من منصبه في وزارة الثقافة كان متوقعا بشكل كبير، لأن تصريحاته أثارت غضب الكثيرين، وكان غير موفق في الكثير منها، ما جعله على عداء مع كثير من المثقفين والجهات الثقافية، كما أنه لم يقدّم جديدا طوال فترة عمله بالوزارة.


العداء مع المثقفين


أوضح محمد العون أن أسباب اختيار عبدالواحد النبوي في المنصب كبديل لجابر عصفور غير مفهوم، وقد يكون أمرا لا يخطر على البال، ولا يعرفه سوى صاحب القرار السياسي، وإن كان من المرجح أن يكون اختيار الوزير من خلفية أزهرية جاء لتفادي الصدام السابق الذي حدث بين جابر عصفور ومؤسسة الأزهر عقب مهاجمته للمؤسسة وانتقاده لعلماء الأزهر الشريف.

العديد من المثقفين رحبوا بقرار إقالة وزير الثقافة السابق جابر عصفور، في حين جاء القرار مفاجئا للبعض


أسوأ خاتمة


يشير الكاتب الصحفي والشاعر عزمي عبدالوهاب، بأن ما حدث هو أسوأ خاتمة يمكن أن تكون من نصيب مثقف تولى وزارة الثقافة، فأن يبلغ بالتليفون خبر إقالته، أو يقرأه خبرا في الصحف، دون أن يتوقع ذلك، هذا ما آل إليه الموقف مع جابر عصفور برغم أنه أتيحت له فرصة أن يصحح مواقفه السابقة، عندما تولى الوزارة مرتين، لكن الرغبة القاتلة في المنصب هي ما كان يحرّك عصفور فقد تستر على فساد قيادات لديه، أو أنه أعمى عينيه عن ذلك، وقضى جانبا من عمله بالوزارة في توقيع بروتوكولات مع الوزارات المختلفة، دون أن نرى لها تفعيلا في الواقع، وكان امتدادا لثقافة المهرجانات التي كان أحد صناعها مع فاروق حسني.

ويقول الشاعر سمير درويش “إن إقالة جابر عصفور كانت لاصطياد الأسد، فلو قرأت المشهد بعمق، تستطيع القول إن تغيير عصفور ضمن تغيير وزاري محدود، إنما قصد به التغطية عن إقالة وزير الداخلية محمد إبراهيم، فهو الوزير المهم الوحيد الذي شمله التغيير، إضافة إلى أن خروجه جاء على هيئة ترقية، ركلة إلى أعلى كما يسمونها في السياسة، فمحمد إبراهيم شريك في مشهد 3 يوليو ومن الصعب استبعاده، لكن خطايا وزارته في الفترة الأخيرة حتمت ذلك، فالداخلية بعدم احترافيتها، وضعت السيسي في مأزق أكثر من مرة، قتل شيماء الصباغ ومشجعي الزمالك، وإطلاق النار على متهم في المستشفي، وقتل محامي شاب جرّاء التعذيب، والقائمة تطول.

وتؤكد الروائية رشا سمير أن جابر عصفور كان وسيظل أبدا أهم ناقد أدبي في الشرق الأوسط، واختياره وزيرا كان بموافقة المثقفين وبدعمهم، ولا أحد ينكر أن توليه المنصب كان في وقت عصيب بالنسبة لوطن يحاول النهوض، وعصيب أيضا له كرجل يعاني من مشاكل صحية، والحقيقة أنه قرر تولي المسؤولية، على الرغم من صعوبة المرحلة، وأرى وبكل حيادية أنه أضاف إلى الوزارة وقام بالعديد من الإنجازات، أهمها إعادة النظر في قصور الثقافة، وإعادة ترميم المسرح القومي، وغيرها من المشاريع الثقافية، ولكن الشللية في وزارة الثقافة والفساد المستشري في كل مؤسسات الدولة، كان حائلا دون إتمام إنجازاته.

من جهته يرى الكاتب والقاص صابر رشدي أن جابر عصفور كان منتهيا منذ مجيئه، عندما اشتبك مع أكثر من شخصية ثقافية، بما لا يليق بمنصبه كحام للثقافة والمثقفين، كان عنيدا، ومتهافتا، متواضعا في أدائه، لم يقدّم شيئا سوى المشاكل والضجيج، ويعتقد رشدي أنه بهذه الإقالة قد انتهى للأبد، كرجل دولة خدم في كل النظم.

16