إقحام الدين في سد النهضة يحرف الأزمة عن مساريها الفني والسياسي

شيخ الأزهر يطالب بمساندة مصر والسودان، ومفتي إثيوبيا يطالبه الابتعاد عن الزلل.
الأحد 2021/06/20
تراشقات جديدة

القاهرة - دخلت أزمة سد النهضة في تعقيد جديد عقب تصريحات أدلت بها جهات دينية رفيعة في كل من مصر وإثيوبيا، بما قد يحرفها عن مساريها الفني والسياسي، فخطاب العواطف ودغدغة المشاعر في هذا النوع من الأزمات كفيل بأن يؤججها، وإذا كان الخبراء والمسؤولون عجزوا عن تجسير الهوة طوال عشر سنوات فتصريحات رجال الدين يمكن أن تصبّ المزيد من الزيت على النار المشتعلة.

ودعا شيخ الأزهر أحمد الطيب المجتمع الدولي والأفريقي والعربي والإسلامي “لتحمل مسؤولياتهم والتكاتف ومساندة مصر والسودان في الحفاظ على حقوقهما المائية في نهر النيل، والتصدي لادعاء البعض ملكية النهر والاستبداد بالتصرف فيه بما يضر بحياة شعوب البلدين”.

وجاءت رؤية الطيب متسقة مع الخطاب المصري حيال مسألة الأنهار العابرة للحدود، ومتوافقة مع مناشدات طالبت بضرورة تدخل المجتمع الدولي في منع إثيوبيا من الاستحواذ على مياه النيل الأزرق والتحكم في كميات المياه المتدفقة إلى دولتي المصبّ، مصر والسودان، ما يعني أن شيخ الأزهر خرج في هذا التوقيت لمساندة الموقف السياسي، ومحاولة حشد رأي عام مؤيد لبلاده، مستفيدا من وجود نسبة كبيرة من المسلمين في إثيوبيا تبلغ نصف عدد السكان المقدر بنحو 110 ملايين نسمة.

واستخدم شيخ الأزهر معاني سياسية بمفردات دينية عندما شدد على وجوب أن تكون ملكية الأنهار “جماعية مشتركة، ومنع أن يستبد بها فرد أو أناس، أو دولة دون دول أخرى، وهذا المنع أو الحجر أو التضييق على الآخرين سلب لحق من حقوق الله تعالى، وتصرف من المانع فيما لا يملك، وأن مَن يستبح ذلك ظالم ومعتد ويجب على الجهات المسؤولة محليا وإقليميا ودوليا أن تأخذ على يديه، وتحمي حقوق الناس من تغوله وإفساده في الأرض”.

وقاد ذلك إلى تراشقات جديدة بين البلدين، وحاول مؤيدو كل جانب التنقيب في التراث الفقهي لدعم وجهة نظره بأحقيته في الاستخدام والمنع أو التعاون والتنسيق، وأسهم الدخول في هذا المستوى من الحوار عبر مواقع التواصل الاجتماعي والقنوات الفضائية المعنية بالأزمة في زيادة حدة الاستقطاب، وخرجت القضية من إطار البحث عن الحل إلى التعامل معها باعتبارها مثالا حيا للدفاع عن الكرامة الوطنية، والتي يغيب فيها غالبا المنطق في الحوار.

ورغم محاولة الأزهر النأي عن السياسة وعدم التطرق للقضايا الخارجية إلا أن تدخله هذه المرة في أزمة سد النهضة كان هدفه الاستفادة من الثقل الروحي الذي يتمتع به في دول حوض النيل، وتوصيل رسالة رفض للتوجهات الإثيوبية، بما يصب في خانة توظيف مصر للأدوات التي تملكها، أمنية وسياسية واقتصادية وغيرها، للتأثير على موقف أديس أبابا الرافض لتوقيع اتفاق مُلزم مع القاهرة والخرطوم.

Thumbnail

ربما لم تحدث رسالة الطيب صداها الإيجابي حتى الآن في الدائرة الأفريقية المستهدفة بشكل أساسي، إلا أن رد الفعل الإثيوبي من الجهة الدينية الأكبر في البلاد جاء مناهضا لها، حيث استنكر المجلس الأعلى الفيدرالي للشؤون الإسلامية، الخميس، بيان شيخ الأزهر، وكالعادة مضى في ركاب الموقف الرسمي لإثيوبيا.

وقال المفتي الحاج عمر إدريس رئيس المجلس “إن مياه النيل تنبع من قلب إثيوبيا، ولها حق المنفعة والاستفادة من مواردها الطبيعية دون أيّ ضرر لدول حوض النيل بصورة عامة.. وينبغي على شيخ الأزهر أن ينظر إلى الحقيقة ويتيقن في أمر النيل ورأي حكومة إثيوبيا السديد، وعليه ألا يخطئ ويزل”.

ولم يتجاوز المفتي كثيرا في حق شيخ الأزهر لكنه تعمّد الخلط في الأزمة بين الأمور الدينية والسياسية والقانونية، وكذلك التاريخية، إذ ذكّر بفضل النجاشي وحُسن معاملته للمسلمين قديما، وكأن آبي أحمد رئيس الحكومة المركزية في أديس أبابا هو تكرار لنموذج النجاشي في حُسن معاملة المسلمين وجميع الطوائف، في إسقاط متعمد هدف منه الرجل إبعاد صفة التجاوز أو الاعتداء على حقوق مصر والسودان المائية، والتلميح بعدم صحة الاتهامات التي توجه له بارتكاب جرائم إنسانية في البلاد، متجاهلا أن مسجد النجاشي نفسه في إقليم تيغراي تعرض للتخريب.

الحاج عمر إدريس: مياه النيل تنبع من قلب إثيوبيا، ولها حق المنفعة والاستفادة من مواردها الطبيعية دون أيّ ضرر لدول حوض النيل بصورة عامة

يعكس تدخل جهات دينية في الأزمة قصر نظر الحلول الأخرى، سواء أكانت فنية أم سياسية أم عسكرية، ففي الحالات الثلاث هناك صعوبة في التوصل إلى حلول منتجة للأزمة، وأن الطريق الذي دخلته لا يشير إلى وجود مقاربة يمكن التعويل عليها، ويلجأ كل طرف إلى الوسائل التي يمكن أن تلعب دورا مهما في تغيير موقف الآخر أو تثبيت موقفه، الأمر الذي يفتح المجال لمضاعفة اللغط حول التباسات الأزمة، ويبعدها عن قاعدتها الرئيسية الخاصة بالحل العادل الذي يلبّي تطلعات كل دولة.

وطرقت مصر الكثير من الأبواب الإقليمية والدولية بعد فشل الحوارات المباشرة بين الدول الثلاث، ومع ذلك لم تظهر معالم واضحة لإيجاد تسوية حقيقية، وحتى الاستثمار في الرصيد الروحي للأزهر في إثيوبيا وغيرها من الدول الأفريقية لن تكون له مردودات كبيرة، لأن هذا الرصيد يقتصر على دوائر محدودة تتعامل مع الأزهر أو اقتربت منه، وهي ليست بالكثافة التي تمكّنها من التأثير على صناع القرار.

كما أن إثيوبيا اعتادت التعامل مع الأزمة بنفس المنهج المصري، فعندما لجأت القاهرة إلى دول الجوار للتدليل على قوة علاقاتها مع كل من جيبوتي وكينيا وجنوب السودان وأوغندا، ردت أديس أبابا على ذلك بالمثل، وأوحت أيضا بأن علاقتها بهذه الدول ليست مهتزة أو ضعيفة، ولذلك جاء الرد على تصريحات شيخ الأزهر من الجهة المقابلة له في إثيوبيا (المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية).

وحاولت الكنيسة المصرية استثمار رصيدها التاريخي في إثيوبيا من خلال الروابط الدينية الأرثوذكسية، غير أن الأولى وجهت نداءات عامة بالحل الرضائي ولم تخض في عمق الأزمة وبدت مترددة أحيانا، لأن العلاقة بين الكنيستين فترت في الآونة الأخيرة، ما نزع عن الكنيسة القبطية ثقلا احتفظت به لفترة طويلة، ولعل المناوشات التي حصلت في القدس المحتلة بشأن دير السلطان بين رهبان أقباط وإثيوبيين وأحقية كل طرف في الدير دليل آخر على الفجوة الدينية بين الجانبين.

وتأتي مشكلة الدور الديني في أزمة سد النهضة من تبني كل طرف لوجهة النظر الرسمية في بلده، ما يجعل كل مناشدة للحل تحمل مضامين سياسية في جوهرها تقلل من التأثير المتوقع، حيث تخاطب كل جهة دينية جمهورها ولا تستطيع الوصول إلى أبعد من ذلك، وهو ما يعني أن أيّ تدخل سوف يؤدي إلى نتائج سلبية، فالخطاب الروحي المغلف برؤية سياسية في حالة سد النهضة يمكن أن يفضي إلى نتائج عكسية.

1