إقصاء البلد المنظم من مراكش السينمائي يصيب المغاربة في مقتل

الثلاثاء 2016/12/20
تجربة سينمائية رائدة أفريقيا وعربيا

مراكش (المغرب) – لا يبدو مؤشر دورات مهرجان مراكش الدولي للفيلم من دورة إلى أخرى في تصاعد دائم، بل يشبه منحنى التخطيط القلبي؛ إذ لا تشبه الدورة الأخرى من حيث جودة الخدمات وفرادة الأفلام المعروضة وقيمة الضيوف المدعوين، مما يستدعي ضرورة مراجعة جذرية له بعد أن كانت فعاليات دورة 2016 الأخيرة متواضعة للغاية.

وينجلي التواضع من خلال القيمة الفنية للأفلام المعروضة ضمن المسابقة الرسمية وفقرة “نبضة قلب”، ليظل تكريم السينما السوفيتية والروسية نقطة الضوء الوحيدة ضمن برمجة هذه الدورة التي انتصرت لتكريس المد الفرنكفوني، فإذا ما عدنا إلى الأفلام نعثر على ما يفوق عشرين فيلما فرنسيا، إما بطريقة مباشرة إما عن طريق الإنتاج المشترك وإما الدخول ضمن نطاق شبكات التوزيع الفرنسية، مما يقصي سينمات أخرى يمكن للتجربة المغربية الفتية، والمتمادية في الرسوخ أيضا، أن تستفيد منها، وخاصة تجارب أميركا اللاتينية وأستراليا وآسيا وأوروبا الشرقية، بعد أن أتخمتنا التجربة الفرنسية والأميركية والهندية بما يكفي من النجوم والموضوعات والكليشيهات والأيديولوجيات غير البريئة.

لم يصل مهرجان مراكش في دورة 2016 إلى رسم استراتيجية واضحة المَعَالِم تتجاوز الطابع الاحتفالي والبهرجة، وكذلك التعامل الدوني مع السينما المغربية سواء من حيث حضورها في المسابقة الرسمية أو في “فقرة نبضة قلب” أو في البرمجة بشكل عام، فضلا عن دعوة أكبر عدد من المهنيين (منتجين ومخرجين ونقاد…)؛ إذ من البديهي أن يكون المغرب كبلد منظم وممول حاضرا بقوة في فعاليات المهرجان، ومنظما فعليا له، وبالتالي فرض ما يخدم مصالحه، وعدم الاكتفاء بتأثيث الفضاء.

إن إقصاءه بدعوى عدم جاهزية “الكبار” أو “عدم التفضيل الإيجابي” لهو مجرد نقاش مغلوط وذريعة بائسة للتغطية على ضرب تجربته السينمائية الرائدة أفريقيا وعربيا، وتناقض صارخ مع توجهات البلاد العليا المنفتحة على محيطها المغاربي والعربي والأفريقي، ومحاولة لإقبار المكتسبات.

لقد أصبح المهرجان انطلاقا من الإحصائيات منصة للترويج لما يريده المدير الفني للمهرجان، وهذا ما يعني أن الوقت قد حان لإحداث قطيعة جذرية مع هذه الممارسات التي ستؤدي بالمهرجان إلى التراجع كواجهة فنية إنسانية للتعريف بالثقافة والحضارة المغربيتين المرفودتين، دوما، بانفتاحهما على الآخر.

وتطرح هيمنة الأفلام الفرنسية وغياب السينما المغربية مشكلة كبيرة على الجهات المعنية بتنظيم المهرجان، ومدى قدرة الطرف المغربي على جعل الفرنسيين مجرد موظفين تنفيذيين لا منظمين فعليين، كما يظهر من البرمجة واكتساح جل الوظائف في هرم الطاقم المشرف على المهرجان، فضلا عن أكبر عدد من الضيوف والسابحين في نطاق المد الفرنكفوني، والتفضيل المبالغ فيه لكل ما هو فرنسي. ولنكون واضحين أكثر، فقد حظيت السينما المغربية بتكريم الراحل عبدالله المصباحي مع الاكتفاء بعرض لقطات من منجزاته، واتْبَاعِه في نفس الوقت بتكريم الممثل الكوميدي (في المسرح والتلفزيون) عبدالرحيم التونسي الملقب بعبدالرؤوف نسبة إلى اسم الشخصية التي جسدها طيلة حياته تقريبا، عارضة فيلما تلفزيونيا لا قيمة له، في حين كان الأجدر تقديم فيلم للمكرم الأول، مع العلم أن تكريم النجمة الفرنسية إيزابيل أدجاني قد حظي بثلاث شهادات وعرض عدة أفلام أخرى.

تكريم السينما السوفيتية والروسية يعد نقطة الضوء الوحيدة ضمن برمجة دورة 2016 التي كرست المد الفرنكفوني

قد يعترض البعض بأنه لا مجال للمقارنة، ولكن هذا التمييز قد سرى على جميع مكرمي هذه الدورة من الأجانب، وهم لا يقلون قيمة وعطاء عن الممثلة الفرنسية. وقد أدى ذلك التعامل التمييزي والتهميشي والإقصائي لكل ما هو وطني إلى ارتفاع أصوات المناوئين لتلك السياسة؛ إذ طالب بعض المهنيين بتخصيص مقعد لهم داخل إدارة المهرجان للدفاع عن مصالح السينما المغربية التي لا تنفصل عن مصالحهم داخل هذه التظاهرة، ما دام تسويق مقولة “انتظار الكبار” جزءا من تخاريف الفرنسيين حول المهرجان الذي لا يكبر دون وضع أفلامنا أمام حَرَجِ العرض والنقد والتشريح والمقارنة.

بدأت إدارة المهرجان منذ عدة دورات تكرس التفرقة بين مهنيي السينما على مستوى البطاقات التي تميز على مستوى الألوان وغيرها بين مهني وآخر، مع ازدياد معاناة المهنيين المحليين غير المقربين في الحصول على دعوات الافتتاح والاختتام وولوج كافة خدمات المهرجان، وهنا نطرح السؤالين التاليين: كيف يمكن للجمهور العادي أن يستفيد من خدمات المهرجان بعد أن صعبت على المهنيين الاستفادة منها؟ ألا يمكن مساءلة المؤسسات المحلية المنخرطة في دعمه بدعوى عدم استفادة السكان منه؟

ويمكن الإشارة إلى أن عدة نقاد وباحثين مغاربة يجدون صعوبات كبيرة في الحصول على بطاقات الاعتماد لمتابعة فعاليات المهرجان، مع العلم أن بطاقة الانتماء إلى جمعية النقاد غير معترف بها من قبل المهرجان مع أنها شريكة للوزارة الوصية على القطاع!

هذا وقد لاحظنا أن المهرجان لا يقيم ندوات صحافية ولا لقاءات مفتوحة مع السينمائيين الحاضرين، مكتفيا بكل طقوس البهرجة من جلسات التصوير والمرور على السجاد الأحمر الذي أصبح مفتوحا في وجه كل من هب ودب، وفي ذلك تغطية على الحضور الضعيف للنجوم، فضلا عن حدوث بعض الارتباك وسوء التنسيق بين الساهرين على الأمن والمضيفين والمضيفات على مستوى ولوج بوابات قاعة العرض الكبرى وحفلي الافتتاح والاختتام، والتوزيع المحدود لنشرة المهرجان التي تقلصت إلى مطوية لا تتجاوز الصفحات الأربع بعد أن كانت مفتوحة على مشاهدي الأفلام، مما يجعلها غير موجودة فعلا، ولا تقوم بدورها الإعلامي والتثقيفي لعموم القراء والمتفرجين الذين يتقلصون سنة بعد أخرى؛ إذ كنا نعاين حجم الفراغ الملحوظ أثناء العروض.

كانت لحظة تكريم السينما السوفيتية والروسية في محلها، وفي ذلك درس بليغ، ربما، لم ينتبه له المنظمون وهو أن الدولة الروسية قد خصصت العام الحالي سنة للسينما الروسية، وذلك بأمر سام من رئيس الدولة، ووعيا منه بصناعة الصورة المحلية وتكسير الصورة التي ترسخها أميركا عن نفسها في العالم، وذلك بغلاف مالي ضخم يضعها في مصاف السينمات الكبرى التي تلجمها الهيمنة الأميركية عن البروز في سوق التوزيع، وهي التي عرفت مسارا حافلا بالتحف السينمائية والمقترحات الفنية التجديدية في تاريخ السينما.

ولعل بانوراما هذه السنة قد عبرت عن ذلك بجلاء كما برهن عليه فيلم التكريم “المبارز” للمخرج أليكسي ميزكيريف، وكذلك الفيلم المشارك في المسابقة الرسمية “عِلْمُ الحيوان” للمخرج إيفان تفيردوفسكي، فضلا عن حضور هذه السينما النادرة واللامعة من خلال مشاركاتها السابقة في المهرجان، وخصوصا تكريم المخرج المتميز أندري كانشلوفسكي.

16