إقصاء الحل التربوي يفاقم أزمة تسرب الطلاب في مصر

أثبتت الإحصائيات الرسمية الصادرة عن وزارة التربية والتعليم أن عدد من تسربوا خلال العامين الماضيين فقط، تجاوز أكثر من 60 ألف طالب وطالبة في مرحلتي التعليم الأساسي، أي الابتدائي والإعدادي، ما يعني أن تسرب الطلاب من التعليم في مصر، لم يعد مجرد حالات فردية بقدر ما أضحى ظاهرة مجتمعية.
الثلاثاء 2017/01/31
هروب نحو المجهول

القاهرة- لم تفلح إجراءات وإغراءات الحكومة في إقناع المنقطعين عن التعليم بالعودة إلى المدارس، سواء بتخصيص مبالغ مالية لأسرهم أو بوضع حوافز عينية، مثل منحهم ملابس مجانية وإعفائهم من دفع المصروفات نظير التزامهم في المدارس، ما دفع وزارة التعليم إلى البحث عن حلول غير تقليدية. وترتفع نسب التسرب من التعليم بين أبناء المناطق الحدودية والطبقات الفقيرة وقاطني المناطق العشوائية، لأن الكثير من أرباب أسر هذه المناطق أميون، وينظرون إلى التعليم على أنه أمر استثنائي وليس أساسيا في الحياة، أو لا قيمة له، والعمل وتكوين الأسرة هما الأساس.

وقالت راندة حلاوة، وكيل وزارة التعليم لمكافحة التسرب من التعليم، إنه تم تشكيل لجان بحثية من خبراء في البحوث الاجتماعية والنفسية والاقتصادية لمعرفة الأسباب التي دفعت هؤلاء الطلاب إلى ترك المدارس وعدم استكمال تعليمهم، تمهيدا لوضع حلول فورية وعاجلة لهذه الظاهرة، باعتبارها أحد أهم المعوقات في تطوير التعليم وتأخر تصنيف مصر الدولي في جودة التعلم.

وأضافت حلاوة لـ”العرب” أنه سيتم الجلوس والتحاور مع كل أسرة ممن لديها طلاب متسربون من خلال لجان بحثية لمعرفة أبعاد هروب الابن من المدرسة، سواء أكان ذلك لأسباب اقتصادية فسيتم تقديم الدعم المادي، أم لأسباب نفسية فسيتم تذليل المشكلات ومعالجتها، وحتى إن كان الأمر راجعا إلى عقدة من المعلم أو المدرسة فسوف تكون هناك وقفة لمعرفة ما يحدث داخل المدرسة.

خبراء التربية رأوا أن النظام التعليمي هو السبب وراء التسرب، لا سيما وأن البيئة التعليمية غير حاضنة للطلاب

ويرى مراقبون أن أسباب التسرب التعليمي في مصر، ترجع بالأساس إلى عدم القدرة على التحصيل داخل المدرسة وانخفاض قيمة التعليم وزيادة الأعباء الأسرية وارتفاع الأسعار، علاوة على حاجة الأسر الفقيرة لأن يخرج ابنها أو ابنتها للعمل لمساعدتها ماديا، فضلا عن انتشار الزواج المبكر في غياب القانون، وزيادة كراهية البعض للمدرسة نفسها.

وأكد هؤلاء أن النسبة الأكبر من التسرب تكون في المراحل الأولى من التعليم، لا سيما وأن الوزارة لا تختار معلمي مرحلة التعليم الأساسي بعناية شديدة، ما تسبب في وجود ما يقارب من 2.5 مليون طفل لا يجيدون القراءة والكتابة في الصفين الثالث والرابع فقط، وهؤلاء وأسرهم يفقدون الأمل في التعليم وبعضهم يقررون عدم استكمال دراستهم.

وبحسب إحصائيات رسمية، فإن هناك الآلاف من الخريجين تم تعيينهم في المدارس الحكومية بطرق ملتوية، في الفترة التي أعقبت ثورة يناير 2011 وهم ليسوا أكفاء، حيث كان الوضع في البلاد لا يسمح بمراجعة الأمور بدقة، ما تسبب في أن يكون المسؤولون عن تعليم الصغار لا يمتلكون الحرفية والخبرة الكافيتين أو حتى التخصص المطلوب، وهو ما أدى إلى زيادة معدلات الأمية بين الطلاب.

وينص الدستور المصري على أن التعليم إلزامي ومجاني في مرحلتي التعليم قبل الجامعي، وتشمل مرحلة التعليم الأساسي وتتكون من حلقتين الابتدائية والإعدادية من (6 إلى 15 سنة)، ومرحلة التعليم الثانوي. وقالت مصادر بوزارة التعليم لـ”العرب” إنه يتم اللجوء إلى خيار تهديد الأسر التي وافقت على تسرب أبنائها من التعليم بأن يتم ربط الدعم المقدم من الدولة لها بتعليم أبنائها، خاصة وأن كل الفرص متاحة أمامهم للتعلم، من تعليم مجاني ودعم نقدي شهري، وحتى غير القادرين على شراء المستلزمات سوف يتم توفيرها من خلال الجمعيات الأهلية، لأنه لم تعد هناك مبررات مقنعة لسحب أبنائهم من المدارس.

لجان بحثية تم تشكيلها من خبراء في البحوث الاجتماعية لمعرفة الأسباب التي دفعت الطلاب إلى ترك المدارس

غير أن خبراء التربية، رأوا أن النظام التعليمي نفسه هو السبب وراء ظاهرة التسرب، لا سيما وأن البيئة التعليمية غير حاضنة للطلاب أو ملائمة لتلقي تعليم جيد وهي لا تحفز الأكثرية على الالتزام في المدرسة، وهناك نوع آخر أخطر من التسرب التام، وهو التسرب المؤقت بالانقطاع عن المدرسة إلى حين مجيء الامتحانات، ما يعني أن نسبة كره المدرسة في مصر تصاعد نسقها في المجتمع.

وفي المدارس الحكومية، تصل الكثافة في الفصل الواحد إلى نحو 120 طالبا وطالبة، ما يعني أن كل 4 أشخاص يجلسون في متر مربع واحد، ما يقلل من معدلات التحصيل ويصعّب مهمة المعلم بالتواصل مع هذا العدد خلال الحصة الدراسية التي تستغرق 30 دقيقة فقط. ويرى متابعون للسياسة التعليمية في مصر، أن الطريقة التي تدار بها الأزمة “قديمة وغير واقعية”، كما أن الهلالي الشربيني وزير التربية والتعليم، كان من بين مقترحاته مطلع العام الدراسي، لجذب الطلاب إلى المدرسة وعدم انقطاعهم عنها، أن يتم “توفير تغذية مدرسية يومية من المعلبات والمقرمشات”.

وقال أيمن البيلي، المتخصص في الشؤون التربوية، إن مواجهة التسرب التعليمي بعيدا عن الأساليب التربوية، لن تحل الأزمة بل تضاعفها، ما يتسبب مستقبلا في إضعاف المجتمع ويزيد من نسبة الأمية التي وصلت إلى 16 مليون شخص في مصر، لا يجيدون القراءة والكتابة. وأوضح لـ”العرب” أن التخبط في القرارات التعليمية وزيادة كثافة الفصول بدرجة مخيفة، والاهتمام بالتوسع في إنشاء المدارس المتميزة على حساب الحكومية أشعرت الطالب بالتمييز عن الآخرين ما يفقده حب التعلم والانتماء إلى المدرسة، فضلا عن أن صعوبة المناهج وكثرتها واعتمادها على الحفظ والتلقين زادت من الكراهية للتعليم برمته.

17