إقصاء العناصر المتشددة من الأزهر هل يتطور إلى إصلاح لهياكله

إشكالية الأزهر مع معارضيه تظل أنه ينظر إلى المساس بأي من رجاله على أنه فقدان لمساحة من السيطرة على النواحي الدينية وانتقاص من السلطة التي يحتلها.
الجمعة 2018/09/07
الأزهر نحو مرحلة جديدة

العلاقة المتقلبة بين مؤسسة الأزهر والنظام المصري، كانت تحددها مسألة مفصلية لطالما راهن عليها النظام المصري منذ وصوله إلى السلطة في العام 2013، وهي ضرورة وأولوية إطلاق مشروع تجديد الخطاب الديني، وتنقية كتب التراث مما تحتويه من أفكار مغذية للتطرف، وهي مسألة تأخرت مؤسسة الأزهر في تدشينها، أو ترددت بناء على وجود تجاذبات داخل المؤسسة، وقد اعتبرَ إعفاء عباس شومان من منصب وكيل الأزهر رسالة صريحة من النظام المصري تعبر عن عدم رضاه عن المؤسسة، وتعلن بدء التخلص من العناصر المعطلة لمشروع التجديد الديني.

القاهرة - تحمل بعض التغيرات التي يشهدها الأزهر، على استحياء، في مصر، وآخرها التخلص من عباس شومان كوكيل لهذه المؤسسة، دلالات سياسية عدة، ترتبط بأن دوائر الحكم تريد وضع حد لتمسك الأزهر باستمرار التغريد خارج السرب، والإصرار على التشبث بمواقف متحجرة حيال بعض القضايا، على رأسها التراخي في تجديد الخطاب الديني، والتعامل مع التراث باعتباره مقدسا ولا يجب المساس به.

علمت “العرب” أن إقصاء عباس شومان من منصبه كوكيل للأزهر، واستمراره فقط في منصب أمين عام هيئة كبار علماء الأزهر، جاء بطلب رئاسي، لأن التجديد له يتطلب صدور قرار جمهوري من الرئيس عبدالفتاح السيسي، بعدما تبين أنه (أي شومان) كان سببا في الصدام الذي وقع مرارا بين الأزهر وعدد من مؤسسات الدولة، في مقدمتها وزارة الأوقاف، عندما حاولت الخروج من عباءة المؤسسة الدينية الأم، والتحرك نحو ضبط الخطاب الديني في المساجد المتناثرة، سواء بالخطبة الموحدة أو المكتوبة.

استغرقت خطوة التخلص من شومان وقتا، خوفا من تصوير المسألة في صورة صدام بين مؤسسات الدولة، وخشية إثارة المزيد من الغضب، بما يؤدي إلى خلط بعض الأوراق الدينية والمجتمعية، لذلك مضت عملية نقل شومان إلى منصب آخر أقل تأثيرا بطريقة تبدو سلسة، لأن الرجل استنفد أغراضه.

ويعكس ذلك أن الحكومة المصرية أصبحت مضطرة إلى التعاطي مع التغيير داخل الأزهر بسياسة الأمر الواقع، وأن المهلة الممنوحة للمؤسسة الدينية لتغير نفسها وخطابها وسياستها دون تدخل، قاربت على الانتهاء، ولم يعد هناك المزيد من الوقت لفرص أخرى، لأن بعض الشخصيات المتشددة تمسك بملفات حيوية ومصيرية، على غرار شومان الذي ظل يتحكم في المناهج والفتاوى الأزهرية وآلية الدعوى وضبط الخطاب الديني.

وأبدى الرئيس السيسي أكثر من مرة غضبه من طريقة إدارة الأزهر للملف الديني، وكان في كل مناسبة يلمـح إلى أن التمسك بالتراث أحد مداخل التطرف، لأن ما كان يتم العمل به في الماضي لم يعد يصلح الآن، وفهم البعض أن من ضمن مقاصده الامتعاض من وجود شخصية مثل عباس شومان الذي ظل مسؤولا عن ملف تجديد الخطاب، بلا تجديد حقيقي، سنوات طويلة، وكان يعتبر النبش في التراث محاولة للانتقاص من الإسلام وزعزعة الأسس التي بني عليها.

ويرى مراقبون أن الرفض الرئاسي الضمني لوجود شخصية مثل شومان داخل الأزهر، يعكس ضيق صدر النظام المصري من توجهات المؤسسة الدينية، وتحججها بالاستقلال في مواجهة محاولات التطوير، ويبرهن على أن دوائر الحكم قررت ممارسة المزيد من الضغوط على الإمام أحمد الطيب للاستجابة لمتطلبات العصر وتغيير خطاب الأزهر وإرغامه على مجاراة الواقع.

ويقول هؤلاء إن رضوخ الأزهر لتغيير الرجل الثاني داخل المؤسسة والاستجابة للضغوط، يوحي بأنه أدرك خطورة الدخول في صدامات جديدة مع دوائر الحكم، ربما لشعوره بأن نفوذه السياسي والديني بدأ يتراجع أمام الدور المتصاعد لوزارة الأوقاف ودار الإفتاء.

ويشير عدم التجديد لعباس شومان إلى أن النظام المصري أصبح على قناعة بوجود كوادر إخوانية داخل الأزهر، ومن الصعب حدوث أي تقدم في خطاب المؤسسة وتوجهاتها، طالما استمر هؤلاء في مناصبهم، لا سيما أن شومان اتهم مرارا بالتعاطف مع الإخوان، ويوصف أحيانا بأنه ممثل الجماعة داخل الأزهر.

إبعاد المتشددين عن التحكم في الأزهر، خطوة نحو إصلاح المؤسسة، يمكن أن تفضي إلى تجديد الخطاب الديني

وكان شومان اعتلى منبر أحد مساجد القاهرة ليخطب في الناس خلال عهد الرئيس الإخواني محمد مرسي واصفا إياه بأنه “مثل الخلفاء الراشدين في الأرض، وقراراتهم نافذة ولا يجوز الخروج عليها، ويحق له (مرسي) أن يقرر ما يشاء ويعزل خصومه مهما كانت مناصبهم، فهو من سلطاته أن يحكم بين الناس ويعتلي منصة القضاء إن أراد”.

يدرك الشيخ أحمد الطيب ورجالاته أن استمرار التمسك بالمتشددين داخل الأزهر، والدفاع عنهم ضد محاولات إقصائهم خارج المشهد، سوف تكون له تداعيات سلبية على المؤسسة الدينية، وقد يعطي الفرصة لبعض الجهات، مثل مجلس النواب، لمناقشة قوانين جرى التلويح بها، لتكون ورقة ضغط تسحب من رصيد الأزهر وتنتقص من استقلاليته.

كان الطيب استجاب قبل شهور للضغوط التي مورست على الأزهر، وأبعد محمد عمارة من هيئة كبار العلماء ومجمع البحوث، بعد نشر وثائق تثبت انتماءه لجماعة الإخوان، وهو ما يتكرر حاليا مع شومان، في مؤشر يعكس أن قادة الأزهر أصبحوا مضطرين إلى الرضوخ لعاصفة التطهير للحفاظ على ما تبقى من نفوذ للمؤسسة.

ويقول داعمون للخطوة إن إبعاد المتشددين والمتعاطفين مع الإخوان عن التحكم في مصائر الأمور داخل الأزهر، خطوة نحو إصلاح المؤسسة، يمكن أن تفضي إلى تجديد حقيقي في الخطاب الديني، وتطهير المناهج الأزهرية من التطرف والتشدد، التي طالما تمسك شومان بها، والتعامل معها كجزء من التراث.

وذهب البعض من المراقبين إلى أن التجديد الديني يحتاج إلى تطهير الأزهر من الشخصيات المتشددة، لكي تعود لغة الخطاب المتسامح لشيوخه، بعد فترة من العيش في كنف الأفكار المتشددة، باعتبار أن بعض العلماء كانوا يتمسكون بعدم تغيير هذا الواقع لأنه يضمن بقاءهم في المشهد، فضلا عن أن التسريع من وتيرة التجديد والتطوير داخل الأزهر، قد يعجل بإقصائهم.

وتظل إشكالية الأزهر مع معارضيه، أنه ينظر إلى المساس بأي من رجاله على أنه فقدان لمساحة من السيطرة على النواحي الدينية، وانتقاص من السلطة التي يحتلها، وأن إبعاد شخصية نافذة داخل المؤسسة، قد يتسبب في تفكيكها ويفتح الباب أمام المطالبة بإقصاء المزيد من علمائها المتشددين.

لكن وليد البرش، الباحث في شؤون الحركات الإسلامية، يرى أن إقصاء شومان من منصب الرجل الثاني بالأزهر، لا يحمل دلالة واضحة على أن المؤسسة الدينية أصبحت على قناعة بأن تصحيح مسارها وتنقيحها من الرموز المرتبطة بجماعات الإسلام السياسي، السبيل الأمثل لمواجهة خصومها الرافضين لفرض نفوذها على باقي المؤسسات الدينية.

13