إقصاء "شيوخ الفضائيات" يحرر المرأة المصرية من سجن الفتاوى

تسعى مصر إلى إعادة الاعتبار للمرأة المصرية عبر سن جملة من القوانين لصالحها على رأسها إقصاء رجال الدين المتشددين وأصحاب الفتاوى المتطرفة الذين نصّبوا أنفسهم قضاة يصدرون الأحكام على النساء ويحددون مصائرهن.
الأحد 2017/12/03
الصوت النسوي يرفض الرضوخ

القاهرة - يمثل الاتجاه نحو إقصاء رجال الدين المتشددين وشيوخ الجماعة السلفية من الظهور في وسائل الإعلام بادرة نحو إعادة الاعتبار للمرأة والسير نحو التمكين الواقعي لها، ليس لأنها ستحل مكانهم بل لأنها تتخلص ممن تسببوا في تعكير صفو حياتها وجعلوا منها كائنا “درجة ثانية” طوال الوقت، وهم الذين اعتادوا إظهار العداء للمرأة ورسخوا ذكورية المجتمع.

وعرفت المرأة المصرية انتكاسة منذ تصدر دعاة ورجال دين وعدد من المتشددين فكريا المشهد الدعوي عبر بعض وسائل الإعلام كضيوف أو كمقدمي برامج أوكلت إليهم مهمة تقديم برامج دينية، لأن نظرتهم للمرأة اقتصرت على أنها خلقت لإمتاع الرجل وعليها فقط أن تطيع أوامره.

ويدرك المتابع عن قرب لآراء الكثير ممن يطلقوا عليهم “دعاة الفضائيات” أنهم الفئة الأخطر على حياة المرأة، بسبب كثافة الفتاوى العنصرية التي تصدر عنهم بين حين وآخر وأغلبها يسير في اتجاه إكرام الرجل وتقدسيه، والحط من مكانة النساء وتحريم كل ما يتعلق بتحرّرهن وانطلاقهن نحو تحسين حياتهن على كل الأصعدة الأسرية والاجتماعية والوظيفية وحتى التعليمية.

واتخذت الهيئات المعنية بتنظيم الإعلام والفتوى في مصر قبل أيام جملة من القرارات في هذا الصدد تمخض عنها إقصاء بعض الشيوخ وعلماء الدين عن الظهور في الفضائيات أو التحدث لأيّ وسيلة إعلامية، ومن يخلّ بالقرار يعرّض نفسه للعقوبة.

وتبيّن من القائمة التي تم إرسالها من الأزهر ووزارة الأوقاف ودار الإفتاء المصرية إلى وسائل الإعلام وتضم المستبعدين والمختارين بدلا منهم، أنه تم إبعاد شيوخ ودعاة ورجال دين أزهريين عن المشهد، سجلاّتهم مليئة بآراء وفتاوى عنصرية تجاه قضايا المرأة وبعضها كان يمثل تحريضا مباشرا عليها.

ترحاب وتوجس

استقبلت المنظمات النسائية في مصر هذا القرار بمزيد من الترحاب والتأييد لما له من انعكاسات إيجابية على مستقبل المرأة المصرية على اعتبار أن البعض من هذه الفئة من المجتمع طالما اعتبر المرأة مخلوقا بلا حقوق لأنها مجرد خادمة في بيت زوجها، مثل ما كان متبعا في العصور القديمة.

مشكلة الخطاب الديني الموجه عن المرأة في كثير من المجتمعات العربية تكمن في أنه يخضع لأهواء أصحابه وطبيعة نظرتهم للنساء بشكل عام

وترى هذه المنظمات أن علماء الدين المتشددين كانوا سببا رئيسيا في الأزمات التي واجهت المرأة طوال السنوات الماضية بعدما تركّزت فتاواهم وآراؤهم الدينية على أن المرأة سبب كل الكوارث بالمجتمع لأن “جسدها فتنة” و”صورتها عورة” و”تحرّرها مصيبة”، وبالتالي فإن منع هؤلاء من الظهور للناس يوفر فرصة حقيقة لأن تحصل المرأة على كامل حقوقها ومكانتها الاجتماعية التي تليق بها.

ويبرهن أصحاب هذا الرأي على ذلك بأن بعض الفتاوى والتصريحات المنسوبة لعلماء دين كانت وما زالت تستخدم ذريعة من جانب مؤسسات وأفراد لممارسة المزيد من القيود والتضييق على المرأة والحطّ من شأنها ومكانتها ودورها المجتمعي، ويمثل إسكات هذه الفئة انطلاقة جديدة للمرأة كي تستعيد دورها وتنطلق نحو تحقيق مرادها على المستوى الشخصي والأسري والاجتماعي بعيدا عن التأذّي من فئة كانت تمثّل لها عقبة نحو الانطلاق والتحرر.

وتكمن مشكلة الخطاب الديني الموجّه عن المرأة في كثير من المجتمعات العربية أنه يخضع لأهواء أصحابه وطبيعة نظرتهم للنساء بشكل عام، لأن هناك من يفتي بإباحة نظر الرجل إلى المرأة بشهوة إذا خرجت للعمل، حتى يدفعها ذلك إلى ترك الوظيفة والجلوس في المنزل بذريعة أن الدين حدد جملة من الشروط لمسألة خروج المرأة من منزلها ليس من بينها الالتحاق بأي عمل.

واللافت أن هناك من أباح في مصر التحرش بالفتاة التي ترتدي البنطال “الجينز” الذي يضم ثقوبا واسعة من الأمام والخلف، واعتبر أن ذلك يثير الفتنة ومن الواجب التحرش بها لمنعها من ارتدائه إضافة إلى غير ذلك من الأمور.

وتعكس هذه المواقف الشاذة أن أصحابها يرفضون فكرة عمل المرأة بغض النظر عن أن هذا يتسق مع الدين من عدمه، وهم يرفضون المبدأ من الأساس الأمر الذي يشكل خطورة على استقرار بعض الأسر عندما تخضع الفتاوى والتصريحات المتعلقة بالمرأة إلى الأهواء الشخصية لأصحابها.

ويتعاظم الخطر على المرأة في مثل هذه الحالات عندما يكون في أسرتها أو المجتمع الذي تعيش فيه من يؤمن بآراء هذه النوعية من الدعاة، بغض النظر عن مدى اقتناع هؤلاء وتقبل عقلياتهم لفتاوى أصحاب هذا الرأي الديني من عدمه، إذ يعتبرونها مُسلّما بها ويجب تطبيقها، ما يجعل حياة المرأة ومستقبلها الأسري وطموحاتها في الحياة متوقفة تقريبا على مزاج أصحاب الفتاوى.

رهينة الفتاوى

تدرك الكثير من النساء العاملات في مجال حقوق المرأة أنه مهما توافرت الجهود والنوايا والخطط الرسمية وغير الرسمية في أيّ بلد عربي أو إسلامي لتغيير واقع المرأة إلى الأفضل، دون وضع حدّ لرجال الدين المتشددين الذين عكفوا على الحط من شأن النساء وحصروا دورها الأسري والاجتماعي في نطاق شديد الضيق، فلن تنل المرأة حقها وستظل النظرة إليها عنصرية.

التحرش يطارد المرأة حتى في الغرافيت

ولذلك أخذت الحكومة المصرية على عاتقها إصدار جملة من القوانين خلال الفترة الماضية تتعلق بالقضاء على العنف ضد المرأة وتغليظ عقوبة ختان الإناث، في الوقت الذي ما زالت هناك بعض الآراء التي تبيح للزوج أو الأب ضرب الزوجة والابنة إذا خرجت عن طوعه، كما أن هناك من أفتى بضرورة ختان الأنثى بذريعة الطهارة والعفة والحيلولة دون أن تكون فتاة منحرفة.

ويعتبر الإبقاء على أمثال هؤلاء برغم تحريضهم على المرأة في السرّ والعلن حجرا ثقيلا في طريق تغيير واقعها المرير، ولا يمكن بأيّ حال أن تتمّ معالجة قضايا مثل وقف العنف والتوسع في تمكين النساء في المجتمع ومنحهن كامل حقوقهن التي كفلها لهن الدستور في ظل بقاء هؤلاء يحددون مصير المرأة باسم الدين.

وترى سعاد نور، وهي ناشطة حقوقية في مجال المرأة، أن النساء في كثير من المجتمعات العربية أصبحن “مجرد رهينة” لفتاوى شيوخ الفضائيات وسط صمت مريب من جانب حكومات هذه الدول، فهم من يحددون متى تخرج من منزلها وبأيّ وظيفة تعمل ومتى وكيف تتزوج، بل إن الفئة الأعظم منهم تقتصر نظرتها للمرأة على أنها مجرد “خادمة” في بيت زوجها.

وأضافت لـ”العرب” أن استمرار الخطاب الديني المتطرف الذي يحتقر النساء ويسمهُنّ بأنهن بلا عقل ويعتبرهن مصدر الشر والفتنة تأصيل للمجتمع الذكوري وتحريض مباشر على التعرض لهن بالأذى، على اعتبار أنهن السبب في كل المصائب التي تحدث لهن، مثل التحرش والاغتصاب وإباحة إهانتهن في أماكن العمل والميادين بدعوى عدم الالتزام بالتقاليد وغيرها.

وبرهنت على ذلك بالقول “سمعت أحد الأزواج يطلب من شيخ أزهري على إحدى الفضائيات أن يفتيه في مسألة عدم انصياع زوجته لأوامره، فأجابه الشيخ “عنّفها أولا، فإن لم تستجب عاقبها بالضرب البسيط، وإن لم تتراجع عاقبها بعنف”.

وأشارت إلى أن تنصيب علماء الدين والشيوخ ليكونوا هم القضاة الذين يصدرون العقوبات ويحددون مصير وحياة وسلوكيات المرأة “جريمة إنسانية” لم تحدث حتى في عصر الجاهلية.

وشددت نور على أنه لا بديل لحصول المرأة على جميع حقوقها الأسرية والاجتماعية إلا بإبعاد الشيوخ ورجال الدين المتشددين عن تقرير مصيرها، لأن هذه الفئات معروف عنها مدى تأصيلها للذكورية ورفض العمل تحت مظلة نسائية، وبالتالي فهم يستهدفونها كي لا تخرج من الخندق الذي يريدون أن تنشأ وتستمر فيه طوال حياتها.

وتتمثل أزمة بعض المجتمعات العربية في أن نسبة كبيرة من السكان لا تجيد القراءة والكتابة ويسهل التأثير فيها، وهو ما يساعد على تقبل هؤلاء للخطاب العنصري ضد المرأة، في ظل غياب الوعي والفهم والتحليل، على أنه مسألة دينية يجب تقديسها ولا يجوز انتقادها أو مناقشتها.

تجديد الخطاب الديني المتعلق بالمرأة لا بد وأن يبدأ من المناهج العامة والأزهرية تحديدا لأنها أصبحت تقدّم صورة مهزوزة ومغلوطة عن النساء عموما

وتساعد المناهج التعليمية، وفي مقدمتها الموجودة بالمؤسسات الأزهرية، على ترسيخ ثقافة الحطّ من شأن المرأة، لأن الكثير من العلماء الذين يدلون بآرائهم ويفتون في قضايا النساء أخذوا هذا الكلام من هذه المناهج التي تتمسّك بالتراث وتأبى أن تتعامل بواقع القرن الحادي والعشرين، ومبرر الأزهر في ذلك أن التراث جزء من الدين الإسلامي لا يجوز تعديله أو تطويره.

ويرى معنيون بحقوق المرأة أن القضاء على خطاب الكراهية بحقّ النساء والتوقّف عن اعتبارهنّ عالة وبلا دور محوري في الحياة عموما والمجتمع بشكل خاص مسألة تبدو صعبة لكن مع توافر الإرادة السياسية لدى الحكومات والمؤسسات الدينية والجرأة في وضع حلول جذرية لهذه الإشكالية يمكن للمرأة أن تنال المزيد من حقوقها.

وقال هؤلاء إن سعي مصر وبعض الدول العربية إلى الحرص على تجديد الخطاب الديني لمواجهة التطرف والتشدد لا بد أن يوازيه خطاب ديني معتدل لمواجهة الفكر الأصولي المتحجر الذي اعتاد استغلال المنابر والفضائيات للحط من قيمة المرأة وقصف كل المطالبين بإنصافها.

صورة مغلوطة

اعتبرت سعاد منصور، أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس بالقاهرة، أن تجديد الخطاب الديني المتعلق بالمرأة لا بد وأن يبدأ من المناهج العامة والأزهرية تحديدا لأنها أصبحت تقدّم صورة مهزوزة ومغلوطة عن النساء عموما، مثل حصر دورها في خدمة أسرتها وطاعة زوجها دون إلزام أسرتها والمجتمع بتكريمها والإعلاء من شأنها ومساواتها في الحقوق والواجبات مع الرجال وهذه عنصرية فجّة يستثمرها بعض رجال الدين في تصنيفهم لها.

وقالت لـ”العرب” إن ترك الساحة لبعض دعاة الدين المتشددين لكي يحددوا للمرأة ماذا تفعل وما لا تفعل وعقوبة الإقدام على فعل لا يجوز هو تحريض من نوع آخر على العنف، كما أن السماح بظهورهم رغم هذه السقطات الخطيرة يفتح المجال أمام تقديسهم أكثر من الدين نفسه رغم ما يشيعونه من أفكار عنصرية تزيد من تخلف المجتمعات التي يعيشون فيها.

وأوضحت أن استمرار اعتماد بعض المجتمعات على الآراء الدينية في المسائل التي تخص المرأة يعكس تقديس الرأي الديني عن الحقوق والحريات ويبرهن على غياب نضج المؤسسات الحكومية نفسها، فلا يمكن أن يكون علماء دين بعقلية العصور الوسطى يدلون بآرائهم من خلال كتب تراث عمرها مئات السنين.

كاتبة مصرية

20