إقصائيات

الأربعاء 2015/02/18

أعتقد أن لفظة “إقصاء” أفرغت من مدلولها الحميد، وزيغ بها عن الحق، وظلمت إلى أبعد حدّ في استعمالات الكتاب المعاصرين، فقد حرفت عن معناها السليم، الذي يدل فقط على “الإبعاد”، وفي الإبعاد عن الشرّ والأذى مكرمة، لهذا فقد وقر في اعتقادي أن “الإقصاء” فعل تنفيس وتفريج للكرب، في أحايين جمّة، لا مجرّد نفي وحرمان من الطيبات. إذ القرب مورّث للعلل لمن يعاني من أعطاب الحساسية والخجل، والزحمة تودي بأهلها إلى التهلكة حين تنقبض على صنوف خشنة من منعدمي المواهب.

والحاصل أنه ينبغي أن نشكر، في الغالب، أولائك النبلاء الذين يتكرمون بوضعنا في منجنيق افتراضي، يطوّح بنا بعيدا في السماوات السبع، فينطبق علينا المثل العربي البليغ: “نزلنا منزلا لا تقصيه الإبل”.

من هنا يجب أن تقتنع، عزيزي القارئ، أن الإقصاء ليس بجريمة ولا عقاب، هو فعل بريء تماما، كتحضير الشاي، إنما المعنى المغرض وارد من تدليس السياسيين، الذين لا طاقة لهم على البعد، إذ البعد السياسي “منفى”، والمنفى نهاية للنفوذ والسلطة؛ لهذا كانت حيلة الحكام في إنهاء جبروت كبير ذي مكانة في دائرة الاستبداد العربي، بإقصائه إلى سفارة في “أقاصي” الأرض. بينما لا وجود لمنفى ينهي نفوذ الكاتب، إذ لا تحقّق لكتابة حقيقية دونما إحساس بحالة انتفاء عن المحيط، من هنا كان الهامش المقصيّ مركزا لدويّ المواهب، ودائرة ضوء لا تحجبها ظلال.

ولنترك السياسة وتدليساتها غير السوية التي أزرت بـ”الإقصاء” إزراء شنيعا، ولنتخذ من لعبة كرة القدم الشعبية والمبهرة والمدوّخة للناس والدول ووسائط الاتصال، مرشدا وهاديا؛ أليست “الإقصائيات” قاعدة ذهبية لإبراز المهارات؟ فلا يمكن الارتهان لرأي الناس وأهوائهم، بصدد كل من هبّ ودبّ من الفرق والمنتخبات، ثمة قاعدة يجب الاحتكام لها، وهي أن يقصي الموهوب الخائب، والقويّ الضعيف، لنقف في النهاية مقتنعين أمام متوّج وحيد، غالبٍ، ثبت عن جدارة في “الإقصائيات”.

ولنطرح المسألة سوادا على بياض، كثيرا ما يصمّ آذاننا نواح شعراء ونقاد وروائيين ومسرحيين، لـ”إقصائهم” عن حدث ثقافي ما، مستحضرين دوما “الجريمة والعقاب”، ومع احترامي للنواح إياه لفوائده التطهيرية، أعتقد أن غياب “كاتب” عن ملتقى له فوائد جمّة، لعله أجلها عدم الابتذال، فالحضور الدائب مبدّد للمهابة، بينما في الاحتجاب حفظ لـ”الندرة”، التي هي شرط أساسيّ للفتنة، ولا سيما إذا كان الحضور في سوق “عكاظ” عرمرم، إذ عموما يجدر بالكاتب أن يحتاط في دخول السوق أيّ سوق، سوى “سوق رأسه” بتعبيرنا الشعبي المغربي، الذي يبجّل النفي والإقصاء الذاتي المحمود. تخيّل عزيزي الكاتب لحظات المعارض والملتقيات والمؤتمرات الأدبية كتظاهرات كروية، حينها ستتسلى، وعندما تدفن أسماء الغائبين تباعا، سيُنزل الباري تعالى الصبر من سماواته العُلى.


كاتب من المغرب

15