إقطاعيات القيصر الروسي الجديدة

السبت 2015/10/03

قبل أن تبدأ روسيا عملها الاستخباري في بغداد كانت قد نسقت استخباريا مع إسرائيل. وإذا ما عرفنا أن روسيا ما كان بإمكانها أن تدخل إلى العراق من باب التنسيق المعلوماتي إلا بموافقة إيرانية، فإن ذلك يعني تبادلا غير مباشر للمعلومات الاستخبارية بين إيران وإسرائيل. وهو ما لا يعني تطبيع العلاقات بين الطرفين اللذين يكرهان بعضهما.

ولكن هل يتعلق كل هذا الجهد في التنسيق فعلا بما صارت روسيا تدعيه من رغبة في أن تكون طرفا فاعلا في الحرب على الإرهاب؟ شيء من هذا القبيل يمكنه أن يكون الجزء الصغير الظاهر من الحقيقة.

لقد سبقت روسيا نفسها حين صار تدخلها العسكري في سوريا معلنا. لم يكن الإرهاب هو من استدعى ذلك التدخل.

فسوريا، سوريا بشار الأسد بالتحديد هي بالنسبة للروس مجالهم الاستراتيجي الوحيد في المنطقة، وهي المنطلق الذي حدد مسارات تحالفهم في ما بعد مع إيران ومن خلاله مع حزب الله والعراق. فلو لم تكن سوريا ما كان للروس أن يفكروا بعملية احتواء المعسكر العربي الموالي لإيران. ذلك لأن إيران لا يمكنها أن تشكل ضمانة ثابتة بالنسبة لهم. فالمشروع الإيراني شيء، وطريقة النظر الروسية إلى المنطقة شيء آخر. لذلك فهما لن يلتقيا إلا في حدود الحفاظ على النظام السوري.

مصالح روسيا الحقيقية هي في سوريا وليست في إيران أو العراق. ومع ذلك فإن استثمار القيصر الروسي في الحرب السورية لن يخيف ولن يقلق أحدا في الغرب، ما دامت إسرائيل مطمئنة.

وقد لا يكون الحلف الجديد الذي ستكون بغداد مقره اختراعا روسيا. بمعنى أن هناك من جرّ روسيا إليه. فالغرب، وقد نفض يده تقريبا من المعارضة السورية الرسمية التي سبق له وأن اعترف بها، لم يعد مكترثا بما يمكن أن تكون عليه صورة سوريا، إن بقي الأسد أو غادر.

وبالنسبة للعراق فالولايات المتحدة التي أقامت في عاصمته أكبر سفارة لها في العالم صار يشكل عبئا ثقيلا ونوعا من التركة الكريهة. لذلك فإن التخلص منه، من غير تسليمه إلى إيران، يبدو هدية مناسبة لروسيا التي تحلم بموطئ قدم لها في الخليج العربي.

ولكن ألا تزعج إقامة حلف إيراني ــ روسي الغرب؟

حتى لو افترضنا أن الطرفيْن تحليا بالصبر، وقررا أن يمضيا قدما في المطابقة بين هدفيهما، فإن ذلك المسعى سيبوء بالفشل. صحيح أن سوريا والعراق، كونهما الطرف الأضعف في المعادلة سيدفعان ثمنا باهظا لذلك الحلف، غير أن إيران وروسيا ستتنافسان على من يكون منهما الطرف الأقوى، وهو ما سيفشل مسعاهما على المدى الطويل.

ولكن قد تكون لبوتين وجهة نظر أخرى.

فقيصر روسيا الذي تربى بين الملفات الاستخبارية لابد أن يدرك جيدا أن حاضر المنطقة السيئ شيء، وما يخطط له من مستقبل للمنطقة شيء آخر. ربما فكر في ترويض الثعالب الإيرانية إلى أن يتمكن من احتواء سوريا أولا ومن بعدها العراق، وإن كان العراق بلدا ميؤوسا منه، بسبب تمكن الخطاب الإيراني من لغة معظم سياسييه. بوتين يفكر في أفغانستان روسية أخرى. أن تستعيد روسيا موقعها في المياه الدافئة. وهو ما يدفع به إلى أن يمد يده إلى ملالي طهران.

كان التوقيت الروسي مدهشا في دقته. حين تعب الجميع من سوريا والعراق، وبدت كل السلال فارغة حضرت روسيا بقوة، كما لو أنها تملك مشروعا لإنقاذ المنطقة.

في حقيقتها فإن روسيا لا تملك سوى أن تشيع روح اليأس بين الأطراف المتحاربة، لكي تعود إليها باعتبارها الطرف الوحيد الذي في إمكانه أن يقترح أملا.

كاتب عراقي

9