إقليم دارفور يدفع ثمن اختلاف مصالح الحركات المسلحة

الحركات النشطة في الجبهة الثورية تحاول ممارسة المزيد من الضغوط على السلطة للحصول على أكبر قدر من المكاسب في دارفور بما يضاعف من شعبيتها التي تعرضت للتآكل.
الأربعاء 2020/07/15
سلام مؤجل

تأجل توقيع اتفاق السلام بين الحكومة السودانية والجبهة الثورية، الذي كان مقررا بالخرطوم الثلاثاء، إلى أجل غير مسمى بسبب تصاعد أعمال العنف بإقليم دارفور، ويقول المتابعون إن انقسامات عميقة داخل الحركات المسلحة حالت دون توقيع اتفاق السلام المرتقب، إضافة إلى شكوك واتهامات تطال فلول نظام الرئيس السابق عمر حسن البشير بتعمدهم نشر الفوضى في الهامش والأطراف.

الخرطوم- تصاعدت وتيرة أعمال العنف في إقليم دارفور قبل وقت قصير من التوقيع بالأحرف الأولى على اتفاق السلام بين الجبهة الثورية التي تضم في عضويتها حركات مسلحة وتنظيمات سياسية عدة، والحكومة الانتقالية، ما دفع حكومة ولاية شمال دارفور لإعلان حالة الطوارئ، بدءا من الثلاثاء إلى أجل غير مسمى.

وحسب بيان للجبهة الثورية تحصلت “العرب” على نسخة منه  فإن “وساطة جنوب السودان قررت تأجيل التوقيع على السلام بعد أن كان من المقرر أن تشهد جوبا مراسم التوقيع مساء الثلاثاء، من دون تحديد أمد نهائي للتوقيع، وبعد أن شهدت المباحثات تعقيدات فنية بشأن خطوات الترتيبات الأمنية التي سيتم الشروع فيها الأيام المقبلة، وهي مشكلات ترتبط بما يجري حاليا في دارفور”.

ويواجه مسار دارفور في اتفاق السلام عقبات عديدة نتيجة الانقسامات التي تشهدها الحركات المسلحة في الإقليم، والمقدر عددها بأكثر من ثمانين حركة معظمها صغيرة ومنشقة من أخرى كبيرة، بجانب أن حركة جيش تحرير السودان جناح عبدالواحد محمد نور لم تشارك في المفاوضات ورفضت الاعتراف بمسار جوبا، الأمر الذي يخلق صراعات تطفو على السطح كلما خطت محادثات السلام خطوة إلى الأمام.

وشهدت وحدة “فتابرنو” التابعة لمحلية “كتم” بشمال دارفور، اعتصاما مفتوحا شارك فيه أبناء المدينة منذ أسبوع، وطالبوا بتحسين الأوضاع الأمنية وتعيين حكومة مدنية لولاية شمال دارفور، قبل أن يتعرض الاعتصام لهجوم من قبل مجهولين ارتدوا زيا مدنيا أسفر عن مصرع عشرين شخصا وإصابة العشرات، بحسب بيان صادر عن حركة العدل والمساواة، وهي أكبر الفصائل المسلحة في دارفور.

وقالت بعثة الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة في دارفور (يوناميد) إنها أرسلت فريقا لبلدة كتم في ولاية شمال دارفور بعد ورود أنباء عن حرق قسم للشرطة وسيارات على يد محتجين مجهولين، ولم تذكر البعثة المزيد من التفاصيل بشأن الأحداث التي شهدتها الولاية على مدار اليومين الماضيين.

واتهمت حكومة ولاية شمال دارفور، من وصفتهم بالمندسين المتسللين إلى الاعتصام بالسعي إلى زعزعة الأمن والاستقرار في الولاية لتحقيق أجندة خاصة واستغلال هذا الظرف في تأجيج الأوضاع الأمنية وإعادتها إلى مربع الحرب والاقتتال والتشريد، وقامت باعتقال مجموعة منهم وما زالت تلاحق آخرين.

ويعتقد مراقبون أن ما يجري في دارفور جرى التخطيط له من قبل رافضي السلام وفلول حزب المؤتمر الوطني المنحل، حيث ما زالت لديهم صلات في حكومات الولايات المختلفة، في ظل امتلاك بعض العناصر المحسوبة على النظام البائد للسلاح الذي يستخدم لتهديد المزارعين والاعتداء عليهم مباشرة أحيانا.

وأخذ العنف منحنى تصاعديا هذه المرة بعد أن حمّلت الجبهة الثورية الحكومة المسؤولية الكاملة عما وصفته بـ”المجزرة البشعة”، لتساهلها في ملاحقة الميليشيات المنفلتة وبسط هيبة الدولة، واعتبرت أن مثل هذه الأحداث “تشكل تهديدا حقيقيا على السلام”.

ملف الترتيبات الأمنية

تصاعدت وتيرة أعمال العنف في إقليم دارفور قبل وقت قصير من التوقيع على اتفاق السلام
تصاعدت وتيرة أعمال العنف في إقليم دارفور قبل وقت قصير من التوقيع على اتفاق السلام

جاء التصعيد وسط خلافات عميقة بشأن ملف الترتيبات الأمنية الذي لن يكون ضمن اتفاق السلام، حال تم التوقيع عليه الأيام المقبلة، ما يعني أن الثقة مفقودة بين المركز والهامش والأطراف، وأن الحركات المسلحة لديها قناعة بأن تحسين الأوضاع الأمنية في الولايات المختلفة يصاحبه رفض من قوى تملك وجودا عسكريا بالإقليم.

ويلقى ملف الترتيبات الأمنية ممانعة من قبل عدد كبير ممّن بيدهم السلاح في الإقليم، بجانب تأثر الإقليم بالتدخلات الخارجية، وبالتحديد من جانب قطر التي رعت اتفاقا هشا للسلام هناك في 2011، وتوظف تدخلاتها خدمة للنظام السابق ومحاولة عودته.

وقال أستاذ العلوم السياسية بجامعة بحري في الخرطوم أبوالقاسم إبراهيم آدم، إن المصالح المتعارضة للحركات المسلحة تؤدي إلى إحداث قدر من الفوضى الأمنية، خاصة وأن التوقيع على السلام يعني أن الجبهة الثورية سوف تحصل على القدر الأكبر من المكاسب في السلطة المركزية، على مستوى مجلس السيادة أو الحكومة، في حين أن باقي الحركات لديها نفس الطموح”. وأضاف لـ”العرب”، أن هناك مجموعات مسلحة يجري التعامل معها باعتبارها محسوبة على النظام البائد وجرى استبعادها من مفاوضات جوبا، وعلى رأسها مجموعة التيجاني سيسي أتيم، ومجموعة أبوجردة، وتستهدف إفشال السلطة الانتقالية في الوصول إلى اتفاق سلام حول دارفور وتتورط في الوقيعة بين أبناء الإقليم والحكومة.

وتكمُن المشكلة الأكبر في وجه مسار دارفور في عدم التوافق على ممثلي أصحاب المصلحة الذين يشملهم السلام، ومقرر أن يجري تطبيق بنوده عليهم، في ظل تجاذبات بين قيادات الحركات المنضوية تحت لواء الجبهة الثورية، وبين عدد من القبائل النافذة هناك، وقيادات معسكرات اللاجئين والنازحين، ولم تنجح خطوات مجلس السيادة في تقريب وجهات النظر بين الطرفين، وهناك قيادات شعبية تدافع عن مصالحها وترى أنها غير ممثلة في السلام ولم يجر الاستجابة لمطالبها.

وتتعامل الحكومة بقدر عال من الاهتمام مع اعتصام “نيرتتي” بوسط دارفور، وأرسلت وفدا للمعتصمين والاستجابة لمطالبهم ما شجّع مناطق أخرى لتكرار الأمر ذاته، حتى أصبح الاحتماء بالشارع يشكل هدفا لمن يعانون مشكلات صعبة في الإقليم منذ فترات طويلة، ولبعض المحسوبين على النظام البائد الذين يجدون في الاعتصام فرصة لإرباك السلطة الانتقالية.

وتقود هذه الاعتصامات إلى إشكالية أخرى ترتبط بالحركات المسلحة التي تشارك في مباحثات جوبا، وتخشى سحب البساط من تحت أقدامها لصالح المجتمعات داخل الأقاليم المختلفة، بما يخصم من أدوارها المستقبلية ويهدد المكاسب التي حصلت عليها بالتفاهمات المبدئية حول قواعد السلام، ما يجعلها مهتمة بشكل أكبر بما يجري على الأرض، وهو ما كان دافعا لإصدار حركة “العدل والمساواة” لثلاثة بيانات تؤكد فيها تضامنها مع مطالب المحتجين.

البحث عن مكاسب

تحاول الحركات النشطة في الجبهة الثورية ممارسة المزيد من الضغوط على السلطة للحصول على أكبر قدر من المكاسب في دارفور بما يضاعف من شعبيتها التي تعرضت للتآكل بعد أن أبدت تركيزا أكبر على المحاصصات السياسية على حساب قضايا الإقليم الحيوية، وتبحث عن مكاسب في ظل أوضاع جديدة متوقع أن يشهدها دارفور، مع توزيع السلطة المحلية على الحركات المسلحة في الإقليم.

وهدد مسار دارفور في مفاوضات جوبا الثلاثاء، بإيقاف العملية التفاوضية برمتها، معتبرا أن محاولات فض الاعتصام بالقوة يعوق سير عملية التفاوض الجارية، وأن قياداته ووفوده التفاوضية مرابطة في جوبا لأكثر من ثمانية أشهر بغية تحقيق سلام عادل وشامل يمكّن من عودة النازحين واللاجئين لمناطقهم وقراهم التي شُردوا منها.

يواجه مسار دارفور في اتفاق السلام عقبات عديدة نتيجة الانقسامات التي تشهدها الحركات المسلحة في الإقليم

وضم مسار دارفور، حركة العدل والمساواة، وحركة تحرير السودان – المجلس الانتقالي، وتجمع قوى تحرير السودان، وحركة جيش تحرير السودان – جناح مني أركو مناوي التي أعلنت انسحابها من الجبهة الثورية.

وأشار عضو هيئة محامي دافور نصرالدين يوسف، إلى أن الأطراف المحسوبة على النظام السابق نجحت في الوقيعة بين التنظيمات المتفاوضة وبين الحكومة، وأن نبرة التصعيد التي جاءت على لسان حركة العدل والمساواة ليس لها محل من الإعراب، لأن السلطة الانتقالية تعترف بكل المشكلات وتسعى إلى اتفاق سلام من أجل معالجتها. وأوضح لـ”العرب”، أن الحكومة الحالية تسابق الزمن للتوقيع على اتفاق السلام لقطع الطريق أمام محاولات لعرقلته، باعتبار أن “ذلك الضمانة الوحيدة لحل مشكلات الهامش، وفي القلب منها قضية دارفور، وأن السلطة الحالية لديها من الحنكة والقدرة على تفويت فرصة إفشال السلام بعد أن أضحى واقعا ملموسا”.

ومنذ نحو أسبوع، تشهد ولاية شمال دارفور اعتصامات للمطالبة بتأمين الموسم الزراعي وحمايته من هجمات المسلحين، وإقالة مسؤولين محليين. ويشهد إقليم دارفور، منذ 2003، نزاعا مسلحا بين القوات الحكومية وحركات مسلحة متمردة، أودى بحياة حوالي 300 ألف شخص، وشرد نحو 2.5 مليون آخرين، وفق الأمم المتحدة.

6