إقليم كردستان مستقل.. خطوة كبرى نحو تقسيم سوريا

الأربعاء 2013/09/25
هل يحقق أكراد سوريا حلمهم بإقامة إقليم فدرالي؟

دمشق – في خطوة اعتبرها العديد من قوى وشخصيات المعارضة السورية مسّا بالسيادة السورية، وقّع ائتلاف قوى الثورة والمعارضة السورية اتفاقا بالحروف الأولى مع المجلس الوطني الكردي، الذي يعتبر من أكبر تجمعات المعارضة السورية الكردية ويضم 11 حزبا سياسيا كرديا. ويقضي الاتفاق بانضمام المجلس الكردي للائتلاف مقابل منح الأكراد ضمانات قومية وسياسية خاصة لم يحصل على مثلها غيرهم من الأقليات القومية السورية.

من أبرز القضايا الخلافية التي تضمنها الاتفاق بين الائتلاف والمجلس الكردي «اعتماد نظام اللامركزية الإدارية في سوريا»، و»تعويض جميع المتضررين الأكراد»، و»الاعتراف بالحقوق القومية للشعب الكردي»، وحذف كلمة العربية من اسم الجمهورية العربية السورية.

الائتلاف نفسه واجه انقساما بين أعضائه حول هذا الاتفاق، وبسبب رفض العديد من أعضائه لأي اتفاق «يمس طبيعة النظام السياسي للدولة في مرحلة ما بعد إسقاط النظام دون استفتاء شعبي أو برلماني»، فقد اضطرّ الائتلاف إلى اعتماد قانون يلتزم فيه بأن «تخضع كافة الاتفاقات والمعاهدات والمواثيق التي تبرمها أي جهة سياسية سورية أخرى إلى مصادقة أول مجلس نيابي منتخب (بعد سقوط النظام)، وله حق إقرارها أو تعديلها أو إلغائها».

المكوّن الآشوري والسرياني والتركماني في أوساط المعارضة السورية ورغم ترحيبهم بانضمام الأكراد للائتلاف وتعاطفهم مع أكراد سوريا ورفضهم لسياسات التمييز والظلم والاضطهاد التي مارسها ضدّهم النظام طوال عقود، إلا أنهم طالبوا الائتلاف بتوقيع اتفاق معهم شبيه لما تم توقيعه مع الأكراد، أو إيقاف هذا الاتفاق المنفرد فورا، وحذّروا من أن عدم الالتزام بذلك سيعتبر تشويها لقيم الثورة.

الشمولية البعثية

فارس تمو، المنسق العام للمجلس الثوري الكردي السوري، أكّد لـ «العرب» أن الحل ليس بالحكم الذاتي وإنما بسقوط النظام، وقال «إن مشكلة الشعب السوري عامة هي بوجود نظام الأسد الذي استند في حكمه لسوريا على إنتاج وتغذية التطرف القومي والطائفي، والشمولية البعثية التي كان يحكم من خلالها سياسيا وحوّلها إلى شمولية قومية بتعريبه كافة القوميات السورية لينتهي به المطاف إلى اختزال العروبة في عائلة الأسد واختزال عموم سوريا في شخصه، وبزوال هذا النظام سيكون خلاص الشعب الكردي خاصة والشعب السوري عامة».

لم يشارك الأكراد في التظاهرات التي قامت في سوريا إلا بعد مضي شهر عليها، بسبب وعود من القيادة السورية لهم بحل مشاكلهم، وبالكاد سجّل تحرك احتجاجي على الأرض في مناطق شمال شرق سوريا حيث يتركز وجودهم، خصوصا في الحسكة والقامشلي.

ومشاركة الأكراد في التظاهرات كان هاجسا مقلقا لدى السلطات السورية، خاصة وأن أعدادهم كبيرة (يقدّر عددهم بنحو مليونين). وحاول النظام السوري منذ بداية الأحداث أن يحيّدهم، وسمح لهم لأول مرة بالاحتفال بعيدهم القومي (النوروز)، ثم أصدر الرئيس السوري مرسومين رئاسيين الأول يحل قضية نحو 50 ألف كردي محرومين من الجنسية منذ عام 1962، والثاني يسمح لهم بشراء العقارات في مناطق التواجد الحدودي الكردي دون موافقة الأمن السوري.

بعد يوم واحد فقط من عرض الرئيس الأسد منح الأكراد الجنسية، بدأت الاحتجاجات في المناطق التي يقطنها غالبية كردية، وخرج عشرات الآلاف منهم رافضين مقايضة الحرية والديمقراطية بالجنسية. وأكدت الأحزاب السورية الكردية على أنها جزء من الشعب السوري وأن القضية الكردية والمجردين من الجنسية لا يمكن فصلهما عن باقي مشاكل المجتمع السوري، سواء أكان ذلك على مستوى الحريات أو المستوى الاقتصادي.

أكراد العراق يجتمعون حول حلم الاستقلال ويختلفون حول التفاصيل
أربيل – يتبنى الناخبون في إقليم كردستان العراق وجهات نظر مختلفة حيال السياسة التي تتبعها أحزابهم، لكنهم يلتفون رغم ذلك حول حلم واحد يجمعهم بمختلف انتماءاتهم السياسية: الدولة المستقلة.

ومع ذلك، يبدي أكراد العراق وقادتهم مقاربة مختلفة حيال عدد من المسائل الرئيسية المرتبطة بهذا الهدف، وبمستقبلهم في عراق موحد، وبعلاقتهم مع الأكراد في الدول المجاورة.

ويختلف الناخبون الذين شاركوا نهاية الأسبوع الماضي في الانتخابات التشريعية الخاصة بالإقليم الذي يتمتع بحكم ذاتي، حول فكرة أساسية: التوجه فعلا نحو الاستقلال التام، في وقت تحظى محافظات الإقليم أصلا باستقلال اقتصادي متزايد عن الحكومة المركزية. ويقول رئيس الحكومة المحلية السابق برهم صالح إن «الحلم الكردي بالاستقلال موجود، ولدينا الحق بذلك، لكننا نأمل في الوقت ذاته أن ينجح العراق في أن يكون دولة ديموقراطية»، مضيفا أن «مسألة الهوية مهمة. إنها مسألة عاطفية جدا».

ويقول محسن علي (57 عاما)، وهو يجلس في مقهى في أربيل مرتديا ثيابا كردية تقليدية: «علاقتي مع الأكراد فقط، كلهم أكراد، أينما كانوا. أود رؤية العلاقات مع المركز مقطوعة. أريد أن نتحرر (…) وألا نكون مرتبطين بأي مكان آخر».

ويضيف المقاتل السابق في حزب صالح، الاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة الرئيس العراقي جلال طالباني «نحن، أكراد سوريا وأكراد تركيا وأكراد إيران وأكراد العراق، نريد أن نعيش بحرية في بلد واحد حر».

ويشكل الأكراد أقليات في العراق وتركيا وسوريا وإيران، حيث تعرضوا إلى ممارسات قمعية من قبل حكومات هذه الدول.

وأكراد العراق، ومنذ العام 1991، يديرون بشكل متزايد تفاصيل حياتهم اليومية، ويتمتعون حاليا بحكم ذاتي في الإقليم الذي يشرع قوانينه، ويملك قواته الخاصة، ويتحكم حتى بتأشيرات الدخول إليه.

ونتيجة ذلك، يبتعد أكراد العراق شيئا فشيئا عن العراقيين العرب، حيث يتحدث قلة منهم العربية، ويتابعون محطات فضائية خاصة بالأكراد، ويتمتعون بأمن واستقرار تفتقدهما بشكل كبير المناطق الأخرى من البلاد. ويقول محمد صالح المهندس، الذي تلقى تعليمه في جامعة بغداد حتى العام 1979 «كنا عبارة عن مواطني درجة ثانية. الناس هنا لا يحبون أن يكونوا عراقيين، ولا يشعرون بأنهم أفراد في هذا البلد». ويتابع «لدينا حكومة فدرالية، لكن لا علاقة بيننا وبينهم».

في موازاة ذلك، لا يشعر كثير من الأكراد بالتفاؤل حيال تحقيق الاستقلال، مشيرين إلى أن إعلان استقلال أكراد العراق قد يدق أجراس الإنذار في المنطقة، ويؤثر بشكل سلبي على العلاقات الجيدة التي تقيمها أربيل مع الدول المجاورة.

ويقول أسوس هاردي، الصحافي والمحلل المقيم في السليمانية، ثاني أكبر مدن الإقليم، إن «الجميع يؤمنون بأن استقلال كردستان حق لنا، لكنني أعتقد أنه سيكون من الصعب تخيل أننا سنحظى بدولة مستقلة في السنوات العشر المقبلة مثلا».

وفيما تعبر الغالبية العظمى من الأكراد عن رغبتها برؤية علاقات أقوى مع الأكراد في الدول المجاورة، يتحدث سياسي كردي عن إمكانية فشل محاولة جمع الأكراد تحت سقف دولة واحدة، مشيرا في ذلك إلى محاولات مماثلة للعرب خلال القرن العشرين.

ويبتسم أبو بكر علي، أحد أبرز قادة الاتحاد الإسلامي الكردستاني، وهو يتحدث عن جامعة الدول العربية قائلا «حتى لو تحقق الاستقلال، فستكون هناك أربع دول. وبعدها ستكون لنا جامعة مماثلة».

لم ينفع منح الجنسية لشريحة من الأكراد في بناء الثقة بين القيادة السورية وبين الأكراد، ولم تجد المراسيم الرئاسية نفعا في امتصاص غضب الشارع الكردي السوري، وظهرت وحدة مطالب وأهداف جمعت كل السوريين، ونادى الأكراد بنفس المطالب التي قامت على أساسها الثورة السورية من إلغاء حالة الطوارئ وإطلاق سراح السجناء السياسيين ومنع الأجهزة الأمنية من التحكم بمصائر المواطنين، وإجراء إصلاحات دستورية وسياسية جذرية في سوريا.

تقسيم سوريا


منذ الإحصاء الاستثنائي الذي جرى عام 1962، وطوال خمسة عقود، حُرم آلاف الأكراد من الجنسية بسبب خلل مقصود في الإحصاء، وظلت شريحة كردية كبيرة تسمى (أجانب الحسكة) دون هوية سورية وتفتقر إلى حقوق المواطنة الأساسية كالحصول على هوية أو جواز سفر أوالتوظيف أوامتلاك الأراضي أوالانتخاب وغيرها، وبالمقابل كان يُطلب منهم تأدية الخدمة العسكرية. ورفض النظام السوري منح الأكراد حقوقهم الثقافية ومنعهم من التعلم بلغتهم، حتى إن بعض المراسيم الرسمية منعت عليهم الغناء باللغة الكردية، وطالت قائمة الممنوعات، وبسبب هذه المعاناة حلم بعض الأكراد باستعادة الهوية القومية عبر الحكم الذاتي أو الانفصال.

وشهدت المنطقة ذات الغالبية الكردية في شمال شرق سوريا الشهر الماضي حالة من التوتر العسكري والأمني بعد أن أعلن مجلس غرب كردستان وحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي في سوريا عن مشروع للإدارة الذاتية للمناطق الكردية في سوريا وفق دستور لها، وقد لاقى هذا المشروع انتقادات من كافة قوى المعارضة السورية، العربية والكردية، ورأت أنه يهدد مستقبل الحياة المشتركة كما يهدد بتقسيم سوريا.

ميداس آزيزي، الناطق باسم اللقاء الوطني الديمقراطي الكردي في سوريا، أحد أبرز القوى السياسية الكردية، قال لـ (العرب) «المشروع الكردي المطروح سابق لأوانه، ولم يأخذ بعين الاعتبار مخاوف شركائنا في الوطن، وليس أمام الأكراد السوريين خيار سوى الحوار مع إخوانهم السوريين لحل القضية الكردية، نحن أحوج ما نكون إلى عقد اجتماعي جديد لما بعد رحيل النظام الديكتاتوري وتأسيس المجتمع السوري على أسس وقواعد جديدة».

تطلعات انفصالية

تؤكد المعارضة السورية على اختلاف توجهاتها على ضرورة حل المشكلة الكردية في سوريا وأن لا يتعارض ذلك مع حقيقة كون سوريا جزءا من الوطن العربي، وتشدد على ضرورة منح الأكراد حقوقهم الثقافية كاملة، وتأمين المساواة بينهم وبين كافة أطياف الشعب السوري دون تمييز، لكنها ترفض أي تطلعات قومية أو انفصالية لهم، أو منحهم حكما ذاتيا في المستقبل كما هو الحال في العراق، لأن شروط تواجدهم في سوريا لا تسمح بمثل هذه الفيدرالية.

وخلال الثورة تريّثت المعارضة السورية في تحقيق مطالب الأكراد، خاصة تلك المتعلقة بالحكم الذاتي أو المحاصصة السياسية، ورفضت بالمطلق مبدأ الانفصال أو الحكم الذاتي في بلد تقول المعارضة السورية إنها تريده دولة مواطنة ومساواة، وأعربت أوساط المعارضة عن خشيتها من أن يكون الموقف الكردي ابتزازا للمعارضة ومحاولة للصيد في الماء العكر لتحقيق أكبر مكاسب ممكنة للأكراد حتى لو كانت على حساب وحدة المصير.

من المتعذر حل قضية أكراد سوريا دون الأخذ بعين الاعتبار أن الأكراد موزعون على أربع دول إقليمية، وهي إيران (8 ملايين) وتركيا (15 مليونا) والعراق (5 ملايين) وسوريا (مليونان)، وهذه بالطبع أرقام تقديرية، وأي انفصال لأي مجموعة كردية في أي بلد منها، يتعذر إلا بقرار دولي أو إقليمي بإقامة دولة كردية، وهذا يكاد يكون مستحيلا حاليا. ثم إن الأكراد السوريين موزعون على سوريا بكاملها وغير مجمعين في منطقة واحدة، ويقول الأكراد إن عددهم يتجاوز 3 ملايين موزعة عشوائيا، وقسم كبير منهم لا يتكلم الكردية ولا يعرف عن الثقافة الكردية وعن الأكراد شيئا، وهذا ما يعقد مسألة الحكم الذاتي. وأخيرا، ترفض تركيا التي يسكنها خمسة عشر مليون كردي إعطاءهم حكما ذاتيا، وتخشى أي حركة تعطي للأكراد السوريين بعضا من حقوقهم، لئلا يكونوا مثالا لأكراد تركيا يمكن الاحتذاء به.

7