"إكثار القليل" كتاب مقالات تطرح الاسئلة وتتركها معلقة

الثلاثاء 2015/03/10
دارا عبدالله يطلق صرخة ليكون شاهدا جديدا على التراجيديا السورية

يبدأ الكاتب السوري دارا عبدالله كتابه الأخير الموسوم بـ”إكثار القليل”، والصادر عن “بيت المواطن للنشر”، بالتعاون مع مبادرة من أجل سوريا جديدة في باريس، بمقاربة مذهلة بين الطائرات التي اخترقت الأبراج في نيويورك الأميركية في الحادي عشر من سبتمبر، وقصة أبوصقار المقاتل الذي انتقم لذويه حين أكل قطعة من قلب مقاتل سوري في الجيش الحكومي، بعد جولات من القتال المتسارعة التي انتصر فيها أبوصقار في نهاية المطاف.

في مقالاته المنشورة ضمن كتاب “إكثار القليل”، الذي يقع في ما يقارب مئة وعشرين صفحة، يبحث دارا عبدالله عن الأسئلة فقط ليتركها معلّقة في ذهن القارئ المتحفّز للإجابات العمياء، نعم وحدها الإجابات عمياء والأسئلة واضحة كالشمس، عبارات مشغولة بعناية فائقة وبرغبة جامحة للكتابة، لتحليل وفك وتركيب كل شيء مرّة واحدة، يحاكم دارا العقد الاجتماعي والديني والسياسي والاقتصادي والأدبي على الأصعدة كافّة دون مواربة، بشكل مباشر يلامس الحالة الثقافية والسياسية والشعبية.

دارا ذو الوجوه المتعددة في الطرح والأسلوب يطلّ على قرائه مرة من منبر المثقّف، وتارة من الشارع وتارة أخرى من السجن وطورا من البيت، إنه السوري الذي تجلّى بكل أسباب الألم، السوري الذي امتلأ بكل أسباب الوجع، ذلك الذي بدأ يحاكم كل شيء مرّة واحدة ودفعة واحدة دون خوف.


الصدمة الموجعة


إنها الصدمة التي يتركها الكتاب بمجرّد أن يمرّ القارئ على عباراته، الصدمة التي تلقّاها دارا نفسه في شرائح المجتمع المختلفة بدءا من المثقّفين ومرورا بالجميع. الصدمة التي تترك آثارها بين كلماته لينسف كل ما كان حتى جذوره الكردية، التي يستخدم فيها “نا” الجمعية ليكون واحدا من كل منخرط ضمن بنية المجتمع السوري، إنها الرغبة في الحرية والانعتاق من كل الانتماءات الضيّقة، التي يحاكمها دارا في مقالاته الخارجة من وجع سكن فيه منذ انطلاق الثورة السورية.

كل ما يحدث على المستويات السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية في سوريا هو نتيجة وليس سببا

وهو هنا لا يبدو كمثقّف مصدوم بواقع فاجأه بما فيه من انتفاضة على كل البنية الموجودة أساسا بقدر ما بدا واثقا بالطريق الذي يمشي عليه كراغب في التغيير السلمي، تلك السلمية التي يقرّ بسقوطها وانتهائها منذ أن وطئت الدبابات أرض الشارع وغزت الوطن، ذلك هو الذي سمّاه دارا عبدالله الانتقال العصيّ للمجتمع السوري، وارتداده نحو الانتماءات الصغيرة المذهبية بوصفها الملجأ الآمن في مرحلة التحوّل الصعب، وهذا ما يقرّه بتحوّل الثورة السورية في الأدبيات السياسية إلى أزمة سورية.

والموقف الثاني؛ إنه وقف وتفرّج دون أن يشارك في القتال وقد سبّب هذا جرحا غائرا من الصعب اندماله في مرحلة بناء الدولة وطنيا، وهنا يستجلب دارا مثالا واضحا عن حزب الله في لبنان، الذي تبقى أصابع عناصره على الزناد ما لم يوافقه الهوى السياسي في البلاد.

يقدّم دارا عبدالله في كتابه الجديد قراءة عرضية للمجتمع السوري المتنوّع، حتى يفرد بابا كاملا للتساؤل عن ماهية الثورة السياسية أو الطائفية، من هنا نستطيع أن نحدّد الملامح العامة لهذا الشاب الطموح الذي انتفض رافضا لكل الفكر المعلّب مهما تقدّست أفكاره أو نصوصه، إنها الرغبة في الانعتاق والتخلّص من القيد الذي حاصره طيلة عقدين من الزمن من عمره.

الحراك السوري في عمقه إكثار للقليل وتقليل للكثير

هذه الطائرة التي استقلّها الكاتب ليشرّح بنية المجتمع السوري عرضيا، أعطته مساحات شاسعة في البحث والتفكير، فهو لا يطلق الأحكام أبدا بل يضع المشكلة كاملة بكل جوانبها، وهذا يدل على وعي واضح بين جمله والمقاربات التي يقدّمها في رحلة البحث عن هويّة واضحة لما يحدث، كي يصل إلى أنّ الثورة السورية في جوهرها هي محاولة القليل لإكثار نفسه واقعيا بتقليل الكثير.

المقطع العرضي الذي نتحدّث عنه هنا هو الذي أعطى دارا عبدالله القدرة على أن تكون الكتابة فعلا تغييريا، ليناقش من خلالها الواقع السياسي- الاجتماعي الثائر بثنائيته المتباعدة كلّيا، فيحاول في إصداره الجديد أن يقدّم كشف حساب لكل الملابسات الصغيرة، التي تقف في ذهنية المواطن السوري، ملابسات لامست الوجدان من خلال لفتات بسيطة ذكيّة عبر بها دارا وجدان القارئ، الذي يدرك أنّ الكتابة هي تصفية للقضايا الشائكة بين الذات والذات.


الوصف الدقيق


يلجأ دارا عبدالله في إصداراته إلى الملامسة المباشرة لأدق التفاصيل التي رآها خلال اعتقاله، وهذا جليّ وواضح من خلال النصوص، فهو يتحدّث عن أرضية السكن المقطّعة بخطوط طولية وعرضية، ليستجلب “آخر” مباشرة، وهو الذي يعلن رفضه أن يكون بيته من البلاط، الذي يشبه في تقطيعاته أرضية السجن، فهو -أي الآخر- يريد لبيته المستقبلي أن يكون قطعة واحدة، كي يطرد من بقايا ذاكرته كل المكان الجغرافي الذي رافقه في أقسى اللحظات، هذا الآخر ما هو إلّا دارا طالب الطب البشري الذي تمّ اعتقاله.

في مفصل آخر يرسم دارا بقلمه تلك العبارات التي وضعها سجناء سبقوه إلى ذلك المكان، فتركوا أمانيهم العالية بالخروج، أو أسهما لاتجاهات القبلة المتعدّدة، أو رسوما لوجوه أطفال تمنّوا رؤيتهم يوما، أو كلمات تدلّ على رغبة جامحة في الانتقام من السجّان، يتحدّث دارا عن شيفرات موجودة للرسائل، عن احتفالات وهمية لم تحدث، عن رجال ماتوا تحت التعذيب أو تحت الضغط بالرغبة في الحرية.

14