إكرام أنطاكي لاجئة سورية تجدد "روح قرطبة" مع ابن رشد وابن ميمون

الأحد 2015/11/08
وجدت في العمل السياسي مناخا مناسبا جدا لشخصيتها المتمردة والمثقفة

مدريد - اللغة النابتة مثل الصبار بشوك أكثر شراسة وأقل رقة، بين الكلمة التي يجب أن لا نأخذها كلها، وبين الحرية التي يجب ألا تُستعمل، عاشت إكرام أنطاكي بين وطنها الجديد وبين منفى الذاكرة، منفى الروح التي لا تستجيب للأوامر، منفى النفس إلى نفسها إلى أبعد وأقرب نقطة فيها، منفاها إلى دمشق عشقها، إكرام الشاعرة التي بقيت حتى رحلت تبحث في السحاب عن سر الغيوم، والباحثة التي بقيت حتى ماتت تعيش ثم تعيش، وتبحث في البحث نفسه عن روحه وعن نقيضه وعن اكتماله وعن نقصانه الذي لا ينتهي.

حفيدة البطريرك اليسارية

في العام 1948 ولدت في دمشق روح وعرة متمردة، حملت اسم إكرام أنطاكي، لجد كان بطريركاً لأنطاكيا وسائر المشرق، ولأب وأمّ شغوفين بالكتب الروسية، ولدت بين الكتب الكثيرة والمتنوعة والتي كان الكلام الذي فيها يناديها إليه منذ اللحظة الأولى.

درست أنطاكي في مدرسة دار السلام العريقة في دمشق، وبقيت تقول فيما بعد إنها لا فضل لها على ثقافتها، إذ أنها وعت لتجد نفسها في بيئة قادرة على وضعها في مدرسة خاصة وعلى تعليمها الفرنسية مع العربية، ما جعل لروحها نافذتين بدلا من واحدة، الأمر الذي جعل معرفتها الفلسفية عميقة ومتجذرة، بعد ذلك درست الأدب الفرنسي في جامعة دمشق وتخرّجت منها بتفوق لافت وبوعي سياسي تمثل بانتساب إكرام للحزب الشيوعي السوري، إذ أنها وكالعديد من شبان تلك المرحلة من تاريخ سوريا كانت ترى في الفكر الماركسي الحل الوحيد لتحقيق العدالة ولمحاربة الاستبداد السياسي والفكري من قبل الدكتاتوريات ومن قبل الرأسمالية ورجال الدين.

علم الأعراق والأجناس

وجدت في العمل السياسي مناخا مناسبا جدا لشخصيتها المتمردة والمثقفة، وتحولت إلى ناشطة تدافع بشكل مستميت عن أفكارها وتقاتل كل أشكال التقليدية والانهزام وهذا ما جعلها محاربة من قبل البعث الحاكم في السلطة، فاستجارت أنطاكي بالمعرفة كي تنقذها، فسافرت إلى فرنسا لتكمل فيها دراسة الماجستير في علم الأعراق والأجناس الذي استهواها وأخذها بعيدا، ثم لتحصل على درجة الدكتوراه من جامعة السوربون عن دراستها سكان جبل العرب في سوريا (الطائفة الدرزية)، كنموذج فريد في المجتمع السوري الذي بقيت إكرام تفخر دائما بتنوعه العرقي والمذهبي، وتعتبر هذا التنوع من أهم مصادر غناه المعرفي الناتج عن عمق حضاراته وقِدَمِها.

قدّمت في فرنسا دراسات عن علم السلالات والأسلاف وعن الإنسان وطقوسه وهذه الدراسات لم تزل محفوظة في متحف الإنسان في باريس، كما أن إكرام تابعت في باريس نشاطها السياسي وانتمت إلى الحزب الشيوعي هناك محاولة تعمير تجربتها الإنسانية والفكرية، عادت بعد ذلك إلى سوريا حاملة شهادة الدكتوراه وروحا شغوفة بالبحث والمعرفة وأحلاما كبيرة بالعمل في دمشق ووهبها كل ما تمتلك.

في هذه الفترة في دمشق أصدرت إكرام مجموعتها الشعرية اليتيمة ونتاجها الفكري والأدبي الوحيد الذي كتب باللغة العربية “مغامرات حنا المعافى حتى موته” لتدهش بها كل من قرأها إذ أنها جاءت مثل إكرام تماما صادمة وغريبة، طازجة وحادة، متقدمة جدا عما كان يكتب في تك الفترة متأثرة بالآداب العالمية وخاصة الفرنسية، متميزة بطريقة تعاملها مع الكلمة هذا الكائن الذي عشقت إكرام حركته وتغيره، قلقه وحيرته:

أهم مراحلها المعرفية تتمثل في بداية كتابتها باللغة الأسبانية، وهذا ما أدهش الكتاب الأسبان لتمكن إكرام أنطاكي من الأسبانية وللغتها الأدبية المذهلة، فقد حصلت على جائزة الدولة "ماجدة دوناتو" عن كتابها باللغة الأسبانية "ثقافة العرب" وهو كتاب هام جدا ترجم إلى عدد من لغات العالم لأنه قدم رؤية إكرام الكاملة والفلسفية للثقافة العربية دون انحياز

“هل نخادع؟

نسمع كل الكلمات

ليس بضروري الأفضل

أن تجد كيف تتم الحركة

الكلمة التي تتدحرج من حولنا

الكلمة؟

يجب أن تأخذ منها

وتبقى”.

كما أن المجموعة تركت قارئها في زلزال من الأفكار والمواجهات والقهر والأسئلة والكثير من الغموض:

“عندما أرادت الصراحة الكبرى التعبير عن نفسها

رأى الرجل الحالم من خلال شقوق قناعه

أن الحرية ربما كانت أكبر تحت ثوب تنكّرها”.

إكرام أنطاكي التي تمتلك كل هذه الأجنحة كسرت الدكتاتورية التي استولت على السلطة في سوريا وعلى كل أحلامها، حين فهمت تماما أن تلك الدكتاتورية لن تسمح لأحد بالتحليق، وأنها ستكون قاتلة لكل شيء، فلكي تستمر فإنها ستعمّر في قلوب الناس ذعرا لم يجرّبوه من خلال أجهزتها الأمنية الكثيرة، وبأن هذا الرعب سوف يقتل تدريجيا أيّ تنامٍ للفكر وأيّ بحث عن المعرفة وأنه سوف يستولي على كل الأفكار التقدمية، وعلى كل مفاصل الحياة السياسية وسيحوّل الناس إلى مجرد كائنات خائفة من أيّ كلمة تقولها تمضي حياتها في الهروب أو بالابتعاد عن كل نقاش أو حوار وبالركض وراء لقمة حياتها الصعبة.

السلطة بدورها، عملت على تنمية الفكر الديني كردّ فعل على الدكتاتورية ورعبها وعلى قتل الناس واعتقالهم باسم العلمانية، كل هذا جعل إكرام المتمردة كالذئبة التي لا تحبس في قفص، تقرر العودة إلى فرنسا ومنها إلى أبعد نقطة في الأرض، هاربة من كل قيودها، متحدية نفسها مرة أخرى. وكما تقول حميدة نعنع فقد وضعت إكرام الفرجار على خريطة العالم ووضعت أحد طرفيه على دمشق وكأنها تغرزه في قلبها ثم وسعت الزاوية إلى آخرها ليصل الطرف الثاني إلى المكسيك، وهكذا قالت لصديقتها: سأهرب من كل الدكتاتوريات إلى أبعد نقطة في الأرض، هكذا وصلت إلى بلد لم تكن تعرف عنه أيّ شيء، لم تقرأ أبدا عن تاريخه ولم تكن أبدا تعرف لغته، وصلت لتعيش هناك التجربة الأهم والأغنى في حياتها، تجربة الغربة الكاملة، تجربة الأمومة وتجربة الفقر الذي لم تكن تعرفه أبدا، لكنها أيضا عاشت تجربة الحرية الحقيقية وبناء الذات الصعب وهذا ما جعل إكرام تتعلم الكثير عن الحياة وما جعلها تفني باقي العمر في البحث عن المزيد والأوسع والأشمل لهذه المعرفة.

الكتّاب الأسبان اندهشوا من تمكن أنطاكي من الأسبانية وللغتها الأدبية المذهلة

إكرام والهندي الأحمر

درست إكرام اللغة الأسبانية بجدية وتعلمتها بسرعة قياسية، وتعرفت هناك على شاب ناشط أيضا في حقوق الإنسان تعود أصوله للهنود الحمر، أحبته وعاشت معه تجربة النضال السياسي في بلاده، وأنجبت مروان ابنها الوحيد ودليلها الأهم لمعرفة نفسها.

مرت المرأة المهاجرة بمرحلة صعبة قبل أن تصبح أستاذة محاضرة في الجامعات المكسيكية للأدب والحضارة العربية، ولتبدأ بأهم مراحلها في الكتابة باللغة الأسبانية، وهذا ما أدهش الكتّاب الأسبان لتمكنها من الأسبانية وللغتها الأدبية المذهلة، وقد حصلت على جائزة الدولة ماجدة دوناتو عن كتابها باللغة الأسبانية “ثقافة العرب”، وهو كتاب هام جدا وقد ترجم عن الأسبانية لعدد من لغات العالم إذ أنه قدّم رؤية إكرام الكاملة والفلسفية للثقافة العربية دون انحياز، كما كتبت عنه الكاتبة الأسبانية إيريدا وقدّمت بعده كتابها الثاني باللغة الأسبانية “الثقافة الثالثة” ونالت عليه جائزة كتاب السنة.

أعادت إكرام أنطاكي دراسة الفلسفة في جامعة مكسيكو، وحصلت منها على شهادة دكتوراه فيها، وكتبت بعدها روايتها الأهم “روح قرطبة” والتي تميزت بروح فلسفية عالية، وهي حوار تخيلته إكرام الباحثة والشاعرة بين كل من ابن رشد وابن ميمون الفيلسوفين الأندلسيين اللذين عاشا في نفس المرحلة ولم يلتقيا، وقد استطاعت إكرام تقديم حوار فكري عميق بينهما، وقالت ما تريد أن تقوله عن حضارة العالم الحديثة وعن هشاشتها واستمرت إكرام تداري وجع منفاها عن دمشق روحها بالكتابة عن الحضارة التي سكنتها والتي خرجت منها لكل العالم لتقدم إكرام أكثر من 29 مؤلفا بلغات العالم الحية ولتصبح سفيرة الحضارة العربية وسفيرة كل واحد فينا إلى العالم.

قدمت تلك المرأة صورة مختلفة للمرأة القادمة من الشرق، لتكون محرّكاً ثقافياً وفكرياً جاداً وهائلاً لا يتوقف عن الإنتاج، وداومت على الكتابة في الصحافة المكسيكية بشكل دوري، وبالإضافة إلى عملها كمستشارة سياسية وثقافية للرئيس المكسيكي، قامت إكرام أنطاكي بتقديم برنامج تلفزيوني سمّته “وليمة أفلاطون” وقدمت فيه أراء في الفلسفة والحضارات والشعر والتاريخ والعلوم وأصبح من أكثر البرامج مشاهدة في المكسيك لتصبح الوجه العربي الأشهر في القارة اللاتينية.

9