"إكرام الميت دفنه" شعار معطل زمن كورونا

بسبب انتشار فايروس كورونا أصبح توديع المحتضر يتم عبر سكايب وتلقي التعازي بفيسبوك.
السبت 2020/04/11
مراسم الدفن العادية باتت غير قانونية

أزمة انتشار فايروس كورونا تزيد من الوجع بسبب حالات الوفاة، حيث لا يمكن أن تقام المراسم الجنائزية التقليدية بسبب قيود الحجر، فلا يحظى أهالي الموتى بوداع أحبائهم الأخير، ويمر الحداد في عزلة.

بغداد - كيف نريد أن نموت؟ ليس بهذا الشكل بأي حال من الأحوال، لم يكن يخطر ببال أحد يوما أن تبقى جثث الموتى تتحسّس لها حفنة من التراب حتى تُوارَى؟ لم يجل بخاطر أحد أن الناس سيتجردون يوما من إنسانيتهم أو ما تبقى منها ويستميتون في حرمان الميّت من حقّه الطبيعي في أن يرقد جسده بسلام في قبر.

وداع المحتضرين

مات الكثيرون من المصابين بفايروس كورونا وهم معزولون في المستشفيات دون أن يسمح لأقاربهم وأصدقائهم برؤيتهم. فقد منعت الزيارات لأن مخاطر العدوى كبيرة جدا.

وبينما تقول السلطات إن العدوى بالفايروس لا تنتقل من المتوفين إلى الأحياء، يمكن للفايروس أن يظل فعالا على ملابس الموتى لعدة ساعات. ويعني هذا أنه يجب عزل جثث الموتى فور وفاتهم.

وتطلب العديد من الأسر أن تلقي نظرة أخيرة على موتاها، لكن ذلك أمر ممنوع، فأولئك المقربون من الموتى يكونون في أغلب الأحوال خاضعين للعزل.

واضطرت بعض العائلات إلى وداع أحبائها المحتضرين عبر تطبيق سكايب إذ وُجهت تعليمات للأطباء بالحد من الزوار في عنابر العناية المركزة بأفضل ما يمكنهم، في ظل توجيهات رسمية جديدة، تتضمن استخدام الأقارب “لأجهزة الهاتف ومكالمات الفيديو”، بدلا من رؤية أحبائهم يفارقون الحياة أمام أعينهم.

وقالت طبيبة كانت شاهدة على وداع مصابة بفايروس كورونا لحفيدتها إنها لم تشهد في حياتها لحظات أكثر حزنا. وروت “بذلت قصارى جهدي لمساعدة الجدة.. أخرجت الهاتف واتصلت بحفيدتها عبر الفيديو قالتا ‘وداعا’ وذلك قبل وفاة الجدة بعد المكالمة مباشرة لأن حالة الجدة ساءت كثيرا، لم يسعفها الوقت لتودع ابنتها”.

وقال أطباء “نرى المرضى يموتون بمفردهم ونستمع إليهم وهم يتوسلون لتوديع أبنائهم وأحفادهم”.

والرحيل الصامت بلا وداع هو مشهد متكرر زمن كورونا، حيث إسماعيل عبدالوهاب أصغر ضحية للفايروس في بريطانيا، كان له المصير ذاته ودُفن دون حضور عائلته، وقال محمد من عائلة المتوفى “فتى يبلغ من العمر 13 عاما دون والدته أو أي أقرباء، على فراش الموت في اللحظات الأخيرة، من الصعب جدا استيعاب وفهم مدى الشعور بالوحدة والحزن الذي كان يعانيه الطفل في تلك اللحظة”.

من جانب آخر، باتت مراسم الدفن والجنازة غير قانونية في جميع أنحاء العالم في الوقت الحالي، كجزء من القيود ضد التجمعات التي فرضت في محاولة لوقف انتشار أسوأ كارثة وبائية. وتغير شكل الجنازات تماما، حيث أصبح عدد الأشخاص المسموح لهم بالتواجد 10 أشخاص فقط كحد أقصى، ويمنع الاحتضان والقبلات أو الاتصال الوثيق بين مشيعي الجنازة، كما تفرض مسافة مترين بين الأشخاص المتواجدين، ويمنع حمل التوابيت تماما.

وفي تونس، أجرت بلدية العاصمة، الثلاثاء، “عملية بيضاء” (تدريب) لدفن موتى بسبب فايروس كورونا.

وقالت سعاد عبدالرحيم، رئيسة البلدية، إن هذه “العملية موجهة إلى أعوان (عناصر) حفظ الصحة في مختلف البلديات”. وأضافت أن “فيديو العملية سيوجه لمختلف البلديات في تونس، لأنه لم يقع تكوين (يتم تدريب) أعوان حفظ الصحة في البلديات بخصوص رفع جثث مرضى كورونا ودفنهم”. وتابعت أن “عملية الدفن هي عملية عادية، فإذا وضعت الجثة في القبر لن يكون هناك أي تخوف من الناحية الصحية”.

تعديل الشعائر

قال الدكتور عمر النيفر، مدير حفظ الصحة وحماية المحيط في بلدية تونس، “منطقيا وعلميا وطبيا ليس هناك خطر في إتمام عملية الدفن وفق الإجراءات الوقائية للأعوان ولزائري المقبرة”.

واستطرد “مطلوب أن تكون عائلة الميت بعيدة عن الجثة لأسباب نفسية وصحية، وتتم تغطية القبر”. وأوضح النيفر أن “الميت مهما كانت ديانته سيتم دفنه حسب تقاليد تلك الديانة”.

وأصبح البعض يستخدم البث الحي عبر الإنترنت في المراسم للسماح للمزيد من الناس بالحداد على المتوفى. اقتُرح هذا الحل البديل للحد من تجمع الناس والسماح لأفراد الأسرة الذين لا يستطيعون الحضور بأن يكونوا جزءا من الجنازة.

ولدى المسلمين، يعتبر الموت حشدا للمجتمع بأكمله، حيث يعدّ حضور الجنازات فرض كفاية يجب أن يقوم بعدد كاف من الناس. ولكن بينما يحصد فايروس كورونا المزيد من الأرواح كل يوم، أصدر علماء وأئمة المسلمين إرشادات جديدة حول كيفية إقامة الجنازات للمسلمين الذين قضوا نحبهم جراء المرض.

توفي والد محمد الظلفي البالغ من العمر 67 سنة في 21 مارس بعد صراع قصير مع فايروس كورونا. لكن، مرت تسعة أيام قبل أن ينقل إلى مثواه الأخير في مدينة النجف الشيعية المقدسة جنوب العراق.

وقال إن الأسرة رفضت اقتراحات الحكومة بشأن دفنه مع سبعة ضحايا آخرين مرتين. اندلعت مواجهة بين العائلات والفريق التابع لوزارة الصحة. وبقيت جثة والده في مشرحة المستشفى لعدة أيام.

أضاف الرجل البالغ من العمر 26 سنة “كنا نعاني لأننا عرفنا أن والدي توفي، لكننا لم نستطع دفنه”.

في جميع أنحاء الشرق الأوسط وأجزاء من جنوب آسيا، واجهت العائلات قيودا على دفن موتاها وسط الوباء. وتصادم الدين والعادات التي تتطلب دفنا سريعا في المنطقة ذات الأغلبية المسلمة مع مخاوف العدوى، وحالات الإغلاق التي تفرضها الحكومة.

مع تجاوز عدد الموتى 4500 شخص في المنطقة، أصبح اتباع التقاليد مستحيلا، بعدما كان الأقارب يشرفون على غسل الموتى قبل لفهم في الأكفان ودفنهم بأسرع وقت ممكن مع تواجد حشود كبيرة من المشيعين.

في مصر، حيث كانت الجنازات مناسبة تجمع العائلات معا لأداء صلاة الجنازة، وضعت قيود صارمة حدا لهذه الممارسات. وتجتمع الوجوه المغطاة بالأقنعة لتوديع الموتى في أكفان كتب عليها عبارة “خطر!”.

كما لم تعد العادات الدينية معتمدة في إيران وباكستان وإسرائيل ذات الأغلبية اليهودية، حيث يعد الدفن السريع وحشود المشيعين الكبيرة من التقاليد أيضا.

وحسب ممثل منظمة الصحة العالمية في العراق، الدكتور أدهم رشاد إسماعيل، وُضعت إرشادات مماثلة لتلك التي صدرت خلال وباء إيبولا حيث حدّت أعداد المشيعين وأرسلت الفرق الطبية المدربة لتشرف على الدفن.

في الشرق الأوسط، يعني هذا تعديل الشعائر الدينية أو إلغاءها.

مرارة مضاعفة
مرارة مضاعفة

في إيران، تُظهر المبادئ التوجيهية التي وضعتها وزارة الصحة مدى قلق الحكومة من الفايروس. وسجلت البلاد أعلى عدد من الضحايا في المنطقة.

وبمجرد تطهيرها، تُلفّ الجثة في كيس بلاستيكي قبل نقلها إلى موقع الدفن. ويرتدي حاملو النعش بدلات واقية. ثم تدفن في قبر مغطى بالخرسانة. وعرض التلفزيون الحكومي الإيراني صورا لرجال دين يرتدون بدلات واقية، خاصة أثناء أداء طقوس الدفن الإسلامية.

قال أحد المتطوعين في إحدى الجنازات المتلفزة، التي وصفت الممارسات التي انتشرت على نطاق واسع، إنهم يحاولون أن يتأكدوا من غسل الموتى ولفهم بالكفن.

وفي مصر، يشرف العاملون الصحيون على طقوس الغسل، ويجب على الحاضرين ارتداء بدلات واقية والحفاظ على مسافة متر واحد من الجثة.

وأقيمت جنازة عطية إبراهيم، وهو أول ضحية في البلاد، وسط إجراءات أمنية مشددة. وقال رمضان محمد، وهو سائق في محافظة الدقهلية بدلتا النيل، إن الحضور اقتصر على أفراد الأسرة.

وأضاف “لم تُقم صلاة الجنازة. كانت الشرطة في كل مكان، تراقب وتحث الناس على عدم التجمع”.

وفي العراق، بقيت بعض الجثث في المستشفيات عدة أسابيع. حددت بغداد وغيرها من المحافظات العراقية الأخرى مخططات لدفن الموتى بعيدا عن المدن. لكن العائلات رفضت. ويرغب معظم العراقيين في دفن موتاهم في مقابر بالقرب من الأماكن المقدسة حيث يمكنهم العودة لزيارتهم.

رفضت بعض العائلات قواعد الحكومة. وفي إحدى الحالات، افتك الأقارب جثتين من فريق طبي من بغداد قبل دفنهما، وذلك حسب تقرير للشرطة في 28 مارس. ونجحت السلطات في استرداد الجثتين.

الدفن حلم

كثيرون من المصابين بفايروس كورونا ماتوا وهم معزولون في المستشفيات دون أن يسمح لأقاربهم وأصدقائهم برؤيتهم

تحول دفن الميت الذي ودع الحياة نتيجة الإصابة بفايروس كورونا، إلى حلم في بعض المناطق.

وسعد مالك أحد هؤلاء الذين يعيشون هذه المحنة. لقد بات الحصول على قبر بالنسبة له ليواري جثمان والده، الذي توفي قبل أسبوع جراء الوباء، حلما بسبب رفض المدافن الرسمية والسكان استقبال ضحايا الوباء، لاعتقادهم بأنهم مصدر للعدوى، فباتت الجثث مكدسة في ثلاجات الموتى.

غادر مالك وقريبه سالم الشمري الحجر الصحي قبل أيام، لأنهما خالطا الشخص المتوفي. ومذ ذاك الحين، تبوء محاولاتهما بالفشل لتأمين حفرة لدفن والد مالك الذي أعيدت جثته إلى ثلاجة أحد مستشفيات بغداد.

يقول مالك بنبرة ملؤها الحزن على فقد أبيه “لم نقم مأتما لأبي، ولا نستطيع دفن جثته، رغم مرور أكثر من أسبوع على وفاته”. ويضيف “هل يعقل أن هذا العراق الكبير ليست فيه عدة أمتار لدفن مجموعة صغيرة من الجثث؟”.

ويأتي الرفض الكبير من العشائر العراقية صاحبة الكلمة الفصل في بلد تغلب فيه العادات والتقاليد سلطة القانون. فقد منعت إحدى كبرى العشائر في شمال شرق بغداد مثلا، فريقا تابعا لوزارة الصحة كان ينقل أربع جثث دفنها في مقابر خصصتها الدولة لضحايا كورونا. وعندما حاول الفريق نفسه دفن الجثث في منطقة النهروان في جنوب شرق بغداد، خرج العشرات من السكان بتظاهرة، ما دفع الفريق إلى إعادة الجثث إلى ثلاجات المستشفى.

ويلفت الشمري إلى أن “سيارات المسلحين الذين ادعوا أنهم ينتمون إلى عشيرة، هددونا وقالوا لنا ‘نحرق سيارتكم إن دفنتم هنا‘ رغم وجود سيارات الشرطة برفقتنا”.

يقول أحد السكان الذين رفضوا الدفن في مقبرة قريبة منهم “شعرنا بالذعر على أطفالنا وأسرنا (…) لذا قررنا منع أي دفن في مناطقنا”.

ورغم تأكيدات وزير الصحة جعفر علاوي أن الأمور ستسير على ما يرام، إلا أن هناك اعتراضات قائمة أجبرت الوزير على مناشدة المرجعيات الدينية التدخل في تسهيل عملية الدفن.

وطالت المشكلة الوفيات في محافظات عدة، بينها مدينة النجف المقدسة لدى الشيعة، حيث مقبرة السلام، التي تعد من بين الأكبر في العالم.

مع تجاوز عدد الموتى 4500 شخص في منطقة الشرق الأوسط، أصبح اتباع التقاليد في الجنازات أمرا مستحيلا
مع تجاوز عدد الموتى 4500 شخص في منطقة الشرق الأوسط، أصبح اتباع التقاليد في الجنازات أمرا مستحيلا

وبحسب عائلات لمتوفين، فإن السلطات فشلت أيضا في الحصول على أذونات للدفن في مدينة كربلاء، بسبب رفض سلطاتها المحلية، خصوصا وأنها تعتبر قبلة للملايين من الزائرين الشيعة.

يقول أحد الأطباء الذي طلب عدم كشف هويته، إن السلطات فاتحت سلطة النجف لاستقبال جثة متوفى بفايروس كورونا، لكنها قوبلت بالرفض، فباتت الوزارة عاجزة عن إيجاد حلول.

ينقل الطبيب عن زوج إحدى النساء اللواتي توفين جراء المرض قوله بعد يأسه “سلموني الجثة وأنا سأدفنها في بيتي”.

ويواجه العراق الفايروس اليوم، بعدد قليل من الأطباء والمستشفيات التي أنهكتها الحروب المتتالية.

يقول المتحدث باسم وزارة الصحة سيف البدر إن منع الدفن “قضية لا تنسجم مع الأعراف الدينية والإنسانية”.

ووسط هذه المعضلة، يقول الشمري بحسرة “لم يعد يفجعنا الموت، بل بات حلمنا دفن موتانا”.

20