إكراه الأمية ذريعة يستعملها مثقفون قصيرو نظر للتنكيل بالثقافة

الخميس 2014/04/24
تخطيط لساي سرحان

سيكون أيّ حديث عن الإعلام الثقافي بوطننا العربي دونما استحضار لموقع الثقافة ضمن اختياراتنا الاستراتيجية نوعا من الترف المدرسي المتعالي على شرطية الحراك السوسيو-تاريخي، لا سيما حين يتناسى (هذا الحديث) الغائب الكبير في هذه المتراجحة ألا وهي الثقافة كمحرك للرؤى والتصورات والبرامج المؤسسية والفردية. فمن دون تقاليد ثقافية راسخة لن يكون هناك إعلام ثقافي يستجيب لانتظارات المرحلة.

لعل السؤال البسيط والمحرج لنا جميعا هو: أين تتجلى الثقافة -كمعرفة نسقـية- ضمن تصرفاتنا ما قبل الثقافية بالمعنى السلبي لهذا النعت؟ بمعنى هل تعكس حياتنا اليومية شيئا يمكن تسميته تجاوزا بالثقافة؟ من الممكن أن تكون لدينا معارف -أكثر من اللازم أحيانا- لكنها معارف غير فاعلة في التفكير وفي السلوك على نحو إيجابي.

وعليه فمشكلتنا، فيما نظن، هي أننا محشورون بين ما يطلق عليه الأنتروبولوجيون عبارة “إنسان الطبيعة وإنسان الثقافة”. فلا نحن حافظنا على الطبع البسيط ولا نحن اكتسبنا فضيلة الثقافة.

لا يتعلق الأمر هنا بإعادة خطاب الهزيمة بدواع تبريرية تنتصر لفكر المؤامرة. وإنما نتوخى مدخلا للمعالجة أكثر احتراسا وأقل إطلاقية؛ عبر تشخيص يحاول رصد الكائن في غياب الممكن، والواقع قبل الخيال.

يتخذ هذا المقترب غير قليل من الصدقية عندما نربطه بحاضر الممارسة الثقافية في معيشنا اليومي كأمة وكشعب وكمثقفين حالا بحال. بدءا بالوضع الاعتباري للثقافة والمثقفين الذين قال أحدهم يوما -فضلا عن المسوغات السياسية والشخصية- أنه “يخجل (نعم يخجل) من تسلم جائزة وزارة الثقافة”. وهي جائزة “مخجلة”، فعلا، بقيمتها الماسة بالكرامة بغض النظر عمن يأخذها أو يرفضها. أهو التاريخ يعيد نفسه، حيث كان عيش المثقـفـين -الأصلاء- وما يزال “أضيق من محبرة”؟ على حدّ تعبير أحدهم ذي تاريخ قديم.


يتم الكاتب

بوسعنا أن نتوغل أعمق في قلب الجرح لنتساءل عن مخصصات الدولة للثقافة الهادفة ضمن سلة موازناتها، وأي حصص تخصصها الأحزاب والنقابات والجامعات والمعاهد والجمعيات والأفراد ضمن روزنامات مواعيدها الملحّة، ألا تعتذر الجرائد الوطنية عن نشر الملاحق الثقافية عند الطوارئ نظرا لوفرة المواد؟ ألا ترجأ الثقافة في كل المجلات والجرائد -بما فيها المسماة ثقافية- إلى “الصفحات الأخيرة”؟ ألا تؤخر الأنشطة الثقافية حتى تلك التي يتبناها المثقفون إلى أواخر الأسبوع؟ ألا يشعر الكتاب الثقافي معنا -نحن المحسوبين على الثقافة- بيتم قاس في الحل والترحال؟

قد يكون إكراه الأمية مجرّد ذريعة يتحايل بها المثقـفـون على تنكيلهم بالثقافة هنا والآن. إذ يكفي أن يقرأ، عندنا، نصف المتعلمين كي تكون الثقافة بخير أو نصف خير. إذ يكفي أن يكتب عن المنتوج الثقافي الواحد، واحد من خمسين كاتبا (في كل المجالات) ليعرف الذين لا يعلمون أن كتابا لفظته المطبعة نحو صناديق المرجوعات والقمامة.

وفي ظل هذه المحنة يصرّ بعض المثقـفين على إنتاج كتب ثقافية لا يقرأها المثقـفـون أنفسهم بعلل غير ثقافية، كما يصرّ إعلاميون مثقـفون على الترويج لها في منابر أغلب قرائها لا يقرأون الصفحات الثقافية. مما يكرس انغلاق الدائرة باستمرار في غير صالح المثقـفين والثقافة على السواء. بحيث ينتفي أي مدلول لما يطلق عليه الآخرون -في المجتمعات المتقدمة- الدخول الثقافي أو الخروج حتى.

وهنا يمكن تلمّس الأعذار للمستثمرين وأصحاب المشاريع الذين من حقهم ألا يجازفوا بالخوض في أفق مشرع على الإفلاس. بيْد أن هذا لا يعفي الدولة والمؤسسات والأفراد من مسؤولية التقصير والانتظارية بغرض أن تتبدل الأحوال مع الوقت أو بمحض مصادفة. لا سيما وأن رياحا قوية ما تفتأ تهب في غير صالح ما يشكل قلاعنا المنيعة، والثقافة، بلا ريب، آخر هذه القلاع.

ثقافتنا الوطنية جديرة بأن نتقـمص قيمها في مسلكنا وتفكيرنا، وجديرة بإعلام ثقافي لا يركنها


بضاعة كاسدة


إذا كان الكتاب لا يتحقق ككتاب إلا عبر تضحيات مازوشية من قبل قلة من المبدعين والمثقـفـين -هذا إذا حصرنا مؤقتا الثقافة في النتاج الورقي المكتوب- فإن فرصة وصوله إلى بعض نقاط البيع المحدودة تضيق أكثر بسبب الضريبة القاسية التي تشهرها وكالات التوزيع الوطنية التي تمس بالوطنية والكرامة معا. وكما على المثقف صاحب المنتوج الثقافي أن يوزع بضاعته الكاسدة بوسائل بدائية ومكلفة في آن، عليه أيضا أن يشرع في نسج علاقات عامة (عادة لا تتناسب وتقوقعه)، ويبعث عبر البريد (الذي قد يكلفه أكثر من ثمن الكتاب نفسه) كتابه -بالمجان وبشكل مهين- إلى الأصدقاء والجرائد والإذاعة والتلفزة ووزارة الثقافة. عسى أن يتكرّم أحد بقراءته وبالأحرى الكتابة عنه أو التفكير في تنظيم حفل للتوقيع تكون فيه ثلاثة أرباع النسخ الموقّعة مهداة بالمجان على من لن يقرأها. هذا إذا افترضنا أن جمهور القراء قد حضر اللقاء وأن أحدا فكر -مجرّد تفكير- في قراءة الكتاب وبالأحرى في اقتنائه والكتابة عنه.

لا ننفي وجود تضامن ضمني بين الصحافة -والإعلام- عموما والمثقـفـين طالما أن الإعلاميين هم في الواقع مثقـفـون في موائد الإعلام -وتلك معضلة أخرى- إلا أن افتقار إعلامنا -رسميا ومقاولاتيا- للحس الثقافي، أو على الأصح إن عدم احترام الثقافة كتوجّه عام سوف لن يساهم في الدفع بالمبادرات الضيقة، هنا وهناك ومرّة مرّة، نحو احترافية إعلامية في مجال الدعاية الثقافية تضاهي احترافية الدعاية للمنتوجات الاستهلاكية.

ليس الغرض مما سبق غمط أصحاب الفضل في التعريف بالثقافة أفضالهم، ولا التشبث المبدئي بثقافة البؤس، وإنما محركنا في ذلك، وبالأساس، هو أن ثقافتنا الوطنية جديرة بأن نتقـمص قيمها في مسلكنا وتفكيرنا وجديرة بإعلام ثقافي لا يركنها، كلما توفرت المواد الاستهلاكية، في الصفحات الأخيرة، إن لم يتمّ الاستغناء عنها إلى أجل غير مسمى.

14