إكراه النساء على التنازل عن ميراثهن ترسيخ لتأنيث الفقر

نبهت جمعيات حقوقية إلى أنه أصبح شائعا التنكر لحقوق الميراث المشروعة للنساء، وبرزت تقاليد وأعراف اجتماعية بعيدة عن عدالة الشرع والقانون مستندة إلى الفكر الذكوري المتسلط والمستند إلى تفوّق الرجل وأولويته في التمتع بالسلطة والحقوق.
الثلاثاء 2018/01/23
العادات والتقاليد المسيئة تحرم المرأة من حقها في الميراث

عمان – كشفت جمعية معهد تضامن النساء الأردني “تضامن” أن الآلاف من الوقائع تكشف انتشار حرمان الإناث من حصصهن في الميراث، وإن اختلفت تلك الوقائع في ما بينها من حيث الوسائل والطرق والأساليب، ومن بين هذه الوقائع قصة أم حسين.

أم حسين في الخمسين من عمرها لديها ستة أبناء، وزوجها فقير الحال، توفي والدها وترك مئات الدونمات من الأراضي والعقارات والسيولة المالية ومع ذلك قام الأشقاء بالضغط الشديد على أخواتهم بعد ساعات قليلة من وفاة الوالد وانتزعوا منهن توقيعهن على التنازل عن حصصهن من الميراث، البعض منهن استجبن خجلاً رغم الحاجة، والبعض استجبن بالتهديد والخوف من إثارة المشاكل والقطيعة مع الأخوة.

وتمسّكت أم حسين بحقها بشدة لحاجتها الماسة لتغطية نفقات أبنائها ولعلمها اليقين بالميراث الكبير الذي تركه الوالد وقناعتها المطلقة بأن هذا حق شرعي لها لا ترغب بالتنازل عنه، تصاعدت المشاكل بين أم حسين وأشقائها لأنهم لا يرغبون بأن يأخذ الغريب (زوج الأخت) جزءا من أراضي العائلة حسب قولهم ووصل الأمر بأحدهم أنه أطلق النار على أم حسين متهماً إياها بسوء الخلق!

وأكدت “تضامن” أن ضعف التزام المكلفين بالإنفاق على النساء والأطفال نفقات تكفي معيشتهم فعلياً وخاصة الأشقاء الذين غالباً ما يتم التنازل لصالحهم، واكتفاء القضاء بالحد الأدنى في أحكام النفقة (على فرض لجوء النساء لطلب النفقة قضائياً وخاصة من الأشقاء وهو نادر الحدوث)، وزيادة نسبة النساء المُعيلات لأسرهن بسبب الطلاق أو الترمّل أو الهجر أو غير ذلك من الأسباب، وضرورة الحد من العقلية التقليدية والعصبية القبلية المتمثلة في رغبة الذكور في عدم تمكين (الغرباء!) زوج وأبناء الوريثة من التمتع بمال المورّث، ومعاناة النساء من الفقر والحاجة ضمان حدّ من القدرة المالية تعينهن وتنتشلهن منه، وضرورة الحد من انتشار القيم المادية والنزعة الفردية التي أدت إلى المزيد من التفتّت الأسري وإنكار المسؤوليات والطمع في أموال الأخوات والبنات والسعي بكل السبل إلى الاستيلاء عليها، وضرورة ضمان حقوق النساء في الملكية لتشجيعهن على الانخراط في عجلة الاقتصاد من خلال الاستثمار وتأسيس المشاريع.

وأشارت “تضامن” إلى أن حرمان النساء من حقهن في الميراث يعتبر أحد أبرز أوجه التمييز ضد المرأة، وقد أحسن المشرّع صنعاً بوضع قيود على معاملات التخارج، وهو التنازل الطوعي عن الأموال بمقابل أو دون مقابل وقد يكون شاملاً جميع الحصص الإرثية أو خاصاً ببعض الأموال.

ضمان حقوق النساء في الملكية يشجعهن على الانخراط في عجلة الاقتصاد من خلال الاستثمار وتأسيس المشاريع

وقالت إن المادة (1) تنصّ على تعليمات تنظيم وتسجيل معاملات التخارج لعام 2011، بأنه يمنع تسجيل أي تخارج عام أو خاص إلا بعد مرور ثلاثة أشهر على وفاة المورّث، مشيرة إلى أن التعليمات نصّت أيضا على أنه “وعلى الرغم مما ورد في الفقرة (أ) من هذه المادة يجوز وبموافقة قاضي القضاة تسجيل التخارج العام آو الخاص قبل مضي المدة المشار إليها في الفقرة السابقة حال وجود مسوغ شرعي أو قانوني”.

وترى “تضامن” أن هذه النصوص لا تسعف كثيراً في تحقيق النتيجة المرجوّة وهي منع إكراه النساء على التنازل عن حصصهن الإرثية، وتقترح تعديلات على هذه التعليمات تتضمن رفع المدة إلى ستة أشهر، وتقييد إمكانية تسجيل التخارج استثناء قبل انتهاء المدة بحيث يمنع إتمام معاملة التخارج قطعياً وتحت طائلة البطلان إذا تم قبل ثلاثة أشهر، والتنصيص على إلزامية إحضار حصر للتركة وإرفاقه بمعاملة التخارج، والتأكد من أن مواصفات المال المتخارج عنه وقيمته الفعلية معروفة لجميع المتخارجين مع أخذ إقرار منهم بذلك، ومنع أشكال التصرف الأخرى بالمال الموروث قبل مرور هذه المدة كالوكالات غير القابلة للعزل، وتجريم أساليب الضغط والإكراه في سبيل الحصول على التنازل وإبطال التنازل الذي يتم بالإكراه خلال مدة لا تقل عن سنة من وقوعه والحكم بالتعويض عنه خلال مدد التقادم العادي.

ومن جهة أخرى تربط “تضامن” ما بين تدنّي مستوى ملكية النساء الأردنيات لأصول الأسرة من أراض وشقق وماشية وأدوات وآلات، وبين حرمانهن من الميراث، وهو ما يؤدي إلى نتائج سلبية كبيرة وهامة على الأمن الغذائي وعلى إمكانية خروجهن من دائرة الفقر والجوع. وإن التعامل مع النساء على أنهن شريكات في عملية التنمية المستدامة لا ضحايا لها سيعود بالفائدة على الجميع وسيؤدي إلى انتعاش سريع لإنتاج الأغذية والقضاء على الفقر والجوع.

وبيّنت “تضامن” أن حرمان النساء من الميراث سواء بإجراء عمليات التنازل من قبل الآباء لأبنائهم الذكور أو بإجراء التخارج بالتودد والتخجيل أو بممارسة الضغوط العائلية والتهديد والإكراه للتنازل عن حقوقهن الإرثية، إضافة إلى جهل النساء بحقوقهن أو خوفهن من المطالبة بها، جميعها تعمل على توسيع دائرة النساء اللاتي لا يملكن المنازل والأراضي. وأضافت أن في ذلك ترسيخا لما يُعرف بـ”تأنيث الفقر” الذي يزيد من أعداد النساء الفقيرات والمهمّشات وغير القادرات على إعالة أنفسهن وأسرهن، ويفقدهن القدرة على مواجهة أعباء الحياة المادية ويوقع العديد منهن في مشاكل قانونية ويتم استغلالهن بمختلف الطرق والوسائل.

وشددت “تضامن” على ضرورة زيادة وعي النساء بحقوقهن التي كفلها لهن القانون والشرائع السماوية، وتوعية المجتمع بضرورة التخلي عن العادات والتقاليد المسيئة والتي من شأنها حرمان النساء من حقوقهن في الميراث أو حرمانهن من رواتبهن باستيلاء الأزواج عليها، وعدم إغراقهن بالديون والقروض، وإعطائهن الفرصة من أجل العمل على ضمان مستقبلهن الاقتصادي لهن ولأسرهن التي يرأسنها.

21