"إكسيت".. كلمة تهدد 25 عاما من أوروبا "النموذجية"

يحتفل الاتحاد الأوروبي اليوم بمرور خمسة وعشرين عاما على قمة ماستريخت التي أرست أساسات منطقة اليورو، لكن حلت المخاوف حول مستقبل هذه الوحدة محل الزهو الذي كان يملأ الأجواء الأوروبية في الاحتفالات السابقة، فالأجواء السائدة اليوم تذكّر بما كانت عليه أوروبا قبل يوم السابع من فبراير 1992.
الثلاثاء 2017/02/07
العلم الوطني يتقدم على العلم الأوروبي

ماستريخت (هولندا) – يرفرف العلم الأزرق ذو النجوم الصفراء على سوق مدينة ماستريخت الكبيرة، تلك المدينة التي تقع جنوب هولندا وتحتفل اليوم 7 فبراير، بمرور 25 عاما على تأسيس الاتحاد الأوروبي. لكن، وعلى خلاف احتفالات السنوات السابقة، تأتي ذكرى اليوبيل الفضي لتوقيع المعاهدة التي أعطت قبلة الحياة لحلم الوحدة الأوروبية وسط قلق متصاعد من انفراط عقدها.

بعد عقدين ونصف العقد، تبيّن أن محاولات التغطية على الاختلافات من أجل الاستمرار والتبجّح بالنموذج الاتحادي الأوروبي، لم تكن سوى تجمّل لإخفاء حالة الضعف التي تعاني منها الوحدة الأوروبية في الداخل. نجح الاتحاد بمؤسساته ودوله القوية طيلة السنوات الماضية في أن يخفي تلك الاختلافات. لكن لم يعد ذلك من الممكن اليوم في ظل تغيرات الأوضاع الداخلية والإقليمية والعالمية.

بريطانيا انسحبت من عضوية الاتحاد الأوروبي، تقدّم اليمين المتطرف في فرنسا وألمانيا يهدد بفقدان الاتحاد عموده الفقري، نزعة التشكيك في الاتحاد الأوربي تتصاعد، وموضوع الهجرة واللاجئين يكشف عن انقسامات وخلافات تدعم هذه النزعة، نسبة البطالة ترتفع، وتداعيات أزمة 2009 الاقتصادية، وما سبقها، لا تزال متواصلة، وقائمة الأزمات التي تشكل ملامح الاتحاد الأوروبي اليوم طويلة، فيما يسعى زعماؤه إلى التقليل منها ومن تأثيرها.

حذّر رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر دول الاتحاد الأوروبي الراغبة في التفرد بمصيرها من احتمال تفكك هذا الاتحاد، محاولا بمناسبة مرور 25 عاما على قمة ماستريخت، أن يظهر الاتحاد الأوروبي في صورته القديمة، باعتباره كتلة صلبة وقوية، بقوله “مخطئ تماما من يظن أنه آن أوان تفكيك الاتحاد الأوروبي وتمزيقه وآن أوان تقسيمنا” مؤكدا أنه “من دون الاتحاد الأوروبي لا وزن لأي دولة عضو في العالم”.

لا شكّ في صحة ما صرّح به يونكر بخصوص قوة الاتحاد الأوروبي ككتلة اقتصادية وسياسية عالمية، لكن الحفاظ على تماسكها يحتاج وفق الخبراء والمتابعين إلى إصلاحات كبرى وجذرية، وقبل كل شيء الاعتراف بالنقائص والسلبيات التي كانت في الماضي مخبأة تحت مظلات عديدة منها المنظومة العالمية التي كانت متناسبة مع موضع الاتحاد الأوروبي. لكن اليوم تغيرت هذه المنظومة الأوروبية والعالمية.

جان كلود يونكر: مخطئ تماما من يظن أنه آن أوان تفكيك الاتحاد الأوروبي وتمزيقه

سنة المشككين في الوحدة

يخشى أنصار الوحدة أن تكون سنة 2017 سنة نجاح المشكّكين في الاتحاد الأوروبي، وسط متابعة قلقة لما ستسفر عنه سياسات الرئيس الأميركي والانتخابات في فرنسا وألمانيا، ودول أوروبية أخرى، بعضها يشهد انتخابات وبعضها الآخر يشهد عمليات استفتاء انفصالية، على وقع صعود النزعات الشعبوية وتقلص الرغبة في مسايرة شعار “العالم قرية” مقابل الاتجاه نحو الانغلاق، فيما لم تعد القيم الإنسانية المشتركة حافزا لدعم التكتلات والمؤسسات التي قامت على هذه الشعارات، مثل الاتحاد الأوروبي.

المرشحة اليمينية للرئاسة الفرنسية مارين لوبن، قالت في مستهل حملتها الانتخابية السبت الماضي من مدينة ليون الفرنسية، إن “الانتخابات الرئاسية تشهد برنامجين متعارضين؛ خيار العولمة الذي يدعمه كل خصومي… الذين يريدون إلغاء كل الحدود، والخيار الوطني الذي أمثله“.

وتدعو لوبن إلى الـ”فريكسيت”.. ووعدت بأنها إذا فازت ستسعى على الفور إلى إصلاح شامل للاتحاد الأوروبي يفضي إلى تقليصه إلى كيان تعاوني بين الدول دون عملة موحدة وحدود مفتوحة. وفي حال رفض شركاء فرنسا في الاتحاد ذلك ستدعو لوبن إلى استفتاء للخروج من التكتل.

أزمة ثقة تغذي التيارات الشعبوية في أوروبا
باريس - أظهرت دراسة أجراها معهد إيبسوس غلوبال أدفايزر أن أغلب الأوروبيين يرون أن بلدانهم تشهد تراجعا ما يثير لديهم ريبة حيال الأحزاب السياسية والمؤسسات الدولية ويغذي تصاعد النزعات الشعبوية.

ففي إيطاليا، يرى 73 بالمئة من المستطلعة آراؤهم أن بلدهم في تراجع، فيما تبلغ هذه النسبة 69 بالمئة في إسبانيا، و67 بالمئة في فرنسا، و57 بالمئة في بريطانيا و47 بالمئة في ألمانيا. ويبدي أغلب الفرنسيين (61 بالمئة) والإيطاليين (60 بالمئة) والإسبان (56 بالمئة) قناعة بأن نوعية حياة جيلهم في تراجع عن مستوى حياة جيل آبائهم، ويشاطرهم الرأي 44 بالمئة من الألمان و43 بالمئة من البريطانيين.

ونتيجة لذلك، لا يثق الأوروبيون أو أنهم قلّما يثقون في حكوماتهم، وهو ما أعرب عنه 89 بالمئة من الإسبان و80 بالمئة من الإيطاليين و77 بالمئة من الفرنسيين و70 بالمئة من الألمان و66 بالمئة من البريطانيين. وأبدى الإسبان أكبر قدر من الريبة حيال المؤسسات الدولية (77 بالمئة)، غير أن الريبة شديدة أيضا في فرنسا (65 بالمئة) وإيطاليا (64 بالمئة) وألمانيا وبريطانيا (59 بالمئة).

في انتخابات سابقة شاركت فيها لوبن، وقبلها والدها جان ماري لوبن، مؤسس الجبهة الوطنية الذي يحمل نفس الأفكار القومية المتشددة، لم تتجاوز المرشحة الفرنسية اليمينية المرتبة الثالثة، لكن اليوم يرى المتابعون أن فرصة فوز لوبن في انتخابات 2017 أكبر بكثير، وقد تحقق تقدما خطيرا.

وفي تصريح يعكس قلق النخبة السياسية التقليدية في أوروبا، من مثل هذه التوجهات، قال رئيس الحكومة الإسبانية ماريانو راخوي إن فوز مرشحة اليمين المتشدد مارين لوبن بالرئاسة في فرنسا، شأنه شأن فوز حزب البديل لألمانيا، سيعتبر “كارثة تؤدي إلى تدمير أوروبا”.

وقالت صوفي فان هوناكر، وهي خبيرة في الشؤون الأوروبية في جامعة ماستريخت، إن رسم الطريق نحو اتحاد أوروبي أقوى يمثّل في الواقع مهمة صعبة في “أوروبا الأكثر اتساعا، ولكن الأكثر انقساما”. وأضافت في تصريح لوكالة فرانس براس “يجب على القادة السياسيين تحمل مسؤولياتهم، ولكن ليس من المؤكد أنهم سيفعلون ذلك”.

ازدادت الأحزاب القومية المتشددة، التي تسعى إلى السير على نهج “البركسيت”، تطرّفا إثر انتخاب دونالد ترامب رئيسا للولايات المتحدة، الحليف الرئيسي لأوروبا، التي ظلت منذ الحرب الباردة ترى العالم من منظوره، وتسير وفق سياساته.

لا يؤمن الرئيس الأميركي بسياسة الحدود المفتوحة واتفاقيات التجارة الحرة، بل ويعتبر الاتحاد الأوروبي “خطرا”؛ وهو يمنح بذلك دعما مباشرا لزعيمة الجبهة الوطنية ومرشحة الرئاسة الفرنسة مارين لوبن والنائب خيرت فيلدرز وأنصارهما من المدافعين عن فكرة الخروج.

وقد رأى رئيس الاتحاد الأوروبي دونالد تاسك أن إدارة ترامب تشكل تهديدا، مشيرا إلى أن تصريحات الرئيس الأميركي تبعث على القلق وتنذر بمستقبل مجهول. وقال تاسك، في رسالة وجهها إلى زعماء دول الاتحاد الأوروبي، باستثناء المملكة المتحدة، إن “إدارة ترامب، إلى جانب الصين وروسيا والإسلام الراديكالي والإرهاب، جزء من تهديد خارجي”.

وأضاف أن “تلك التحديات العالمية وتصريحات الإدارة الأميركية الجديدة المثيرة للقلق تجعل مستقبلنا جميعا مجهولا ولا يمكن التنبؤ به”، ولفت إلى أن “التغير الطارئ في واشنطن يجعل الاتحاد الأوروبي في وضع حرج”.

مرد نبرة القلق التي عكستها رسالة تاسك ليس فقط تصريحات الرئيس الأميركي بل أفعاله أيضا، والتي تجسدت في اقتراح اسم تيد مالوك ليكون السفير الأميركي المحتمل لدى الاتحاد الأوروبي. ويعرف عن مالوك أنه من المبشرين بتفكك الاتحاد الأوروبي. ويعتبر أن اليورو “تجربة فاشلة” وأن “انفصال بريطانيا عن العائلة الأوروبية ليس سوى البداية لانفصالات أخرى”.

وأدلى مالوك بهذه التصريحات خلال حوار مع مجلة دير شبيغل الألمانية قال فيه أيضا “إذا تطلعتم إلى أوروبا بإمكانكم تقريبا وضع حرفين تختارونهما أمام كلمة إكسيت”، في إشارة إلى احتمال خروج دول أخرى، كما فعلت بريطانيا فأطلقت على خروجها كلمة بريكسيت وإذا خرجت فرنسا تكون كلمة “فريكسيت” أو اليونان “غريكسيت”.

لكن من أخطر ما قاله مالوك مقارنته بين الاتحاد الأوروبي، الذي مرت على تأسيسه 25 سنة، والاتحاد السوفييتي، الذي مضت على انهياره 25 سنة. وجاء في تصريح الدبلوماسي الأميركي “كنت أعمل في السابق بمنصب دبلوماسي، وساعدت على سقوط الاتحاد السوفييتي، وبترشيحي هذا ربما يكون هناك اتحاد آخر يحتاج إلى الترويض”.

وردا على ذلك طالب قادة الأحزاب السياسية الكبرى في البرلمان الأوروبي بعدم منح الاعتماد لمالوك لمنصب سفير الولايات المتحدة لدى بروكسل. وبعث قادة الأحزاب السياسية الرئيسية في البرلمان الأوروبي رسالة خطية إلى الاتحاد الأوروبي، يعربون فيها عن رفضهم القاطع لتعيين السفير المحتمل للرئيس الأميركي الجديد دونالد ترامب، وفقا لصحيفة إندبندنت البريطانية.

حلم الوحدة مهدد

يعود الاتحاد الأوروبي اليوم إلى الوضع الذي كان عليه قبل 25 سنة؛ ففي التاسع من ديسمبر 1991، اتفق رؤساء دول وحكومات 12 دولة أوروبية، على رأسها الفرنسي فرنسوا ميتران والألماني هيلموت كول، على تحويل المجموعة الأوروبية إلى اتحاد. لكن لم تكن كل الشعوب الأوروبية قابلة لهذه الفكرة.

بالكاد وافق الشعب الفرنسي على معاهدة ماستريخت ورفضها أيضا الدنماركيون الذين وافقوا عليها بعد ذلك بعدما حصلت كوبنهاغن على بنود إعفاء. ولم يبدأ تطبيقها إلا في نوفمبر 1993.

وخلال قمة ماستريخت، عبرت البلدان الاثنا عشر عن طموحات جديدة جذريا، وتخطت كثيرا المشروع الأصلي للمجموعة الاقتصادية الأوروبية في 1957 الذي كان يقضي بإنشاء سوق مشتركة لترسيخ المصالحة بعد الحرب بين فرنسا وألمانيا.

وفي هذه المدينة الهولندية، القريبة من بلجيكا وألمانيا، أنشأوا اتحادا سيعتمد عملة موحدة وسياسة هجرة أيضا ودفاع وشرطة مشتركة. لكنهم اضطروا إلى الاعتراف للمرة الأولى بأن ليس لديهم جميعا المفهوم نفسه لمستقبلهم، بدءا بالمملكة المتحدة التي سرعان ما حصلت على «وضع خاص» وتستعد بعد 25 عاما لتكون بداية النهاية للوحدة النموذجية. اليوم، يحيي الأوروبيون ذكرى مرور ربع قرن على توثيق معاهد حلم توحيد أوروبا وهم يقفون أمام خيارين: إما أن تتم إعادة جذوة الوحدة وإما أنها سوف تخمد إلى الأبد.

6