إلبس نعلي قبل أن تحكم عليّ

الخميس 2014/06/05

دأبت، منذ أن بلغت سن النّضج المعروف بإدراكه الخيرَ والشرّ، على اتّباع سنّة حميدة، كلّما دعاني الأمر إلى الحكم على الغير وتقييم تصرّفاته. سنّة اتّبعتها وواظبت على إتباعها، أساسها حكمة كنت أعبّر عن مفهومها، أو ألخصها في جملة لم تنَل قط رضائي، لأنّها لم تكن كما وددت أن تكون، لكنّني استعملتها وهي:” قبل أن تحكم على غيرك، دُرْ حول مكتبه، وخذ مكان من ستحكم على صنيعه”.

وقد عثرت قبل أيّام، على تعبير آخر، يوصي بتطبيق نفس الحكمة، وهو أكثر من جملتي اختصارا وبلاغة إذ يقول:”قبل أن تحكم عليّ إلبس نعلي”. أعجبتني العبارة فقرّرت استعمالها مستقبلا، دون تسديد ما يجب من حقوق التأليف لواضعها المجهول فلينله الثناء والثواب.

أيّا كانت اللّغة وأيّا كان التعبير، فالعبرة والفائدة في الحكمة نفسها وفي ومفهومها ووجوب تطبيقها، عند الإقدام على إبداء رأي أو إصدار حكم على الغير، لما أتاه من تصرّفات، أو ما فاه به من تصريحات. فهذه الحكمة قريبة أو خاضعة لمفهوم الآية الكريمة، التي جاءت بأمر الله عزّ وجل حيث قال: “وإن حكمتم بين النّاس فاحكموا بالعدل”.

جريا على عادتي هذه، سأسمح لنفسي بالحكم على السّواد الأعظم من مواطنيّ بالوطن الصّغير والكبير، إخواني العرب الذين قاسوا ويقاسون من الظلم ألوانا ومن التّضليل أشكالا، ومن انحراف الكثيرين أصنافا، يجترّون جلوسا وعود الواعدين وكذب المنتهزين، وتحليل المعلّقين المرتشين، فيزدادون ركودا وركونا والمساوئ تدوسهم وهم يضحكون. سأحكم عليهم وعلى تصرّفاتهم، دون الحاجة لوضع رجلي في نعلهم، علما بأنني أحدهم، لي ما لهم من عيوب ومحاسن، ولو أن العيوب أكثر وأخطر، وهي التي لها أثقل وزن في عرقلة تطورنا وتقدمنا، وهي التي أوقعتنا في ما نحن فيه، ولو أننا لا نعترف بذلك ولا نريد الاعتراف، فنرمي الغير بالتّهمة ونحمله ذنب ما يجري.

إنّ اتهام الغير بما يحل بنا من مصائب، وإلقاء تبعة كل الخطايا وأسبابها، نلقيها كلّية على الغير ونحمله مسؤوليات كل ما يعترينا من هموم ومصائب، دون أن نلتفت، إلى أنفسنا ونحاسبها عما نقع فيه من محن ومشاق. نتصرف التصرف الأناني كما لو كنا منزهين وأبرياء مما نحن فيه، وغارقين في التأخر والابتعاد عن كل تعقل وحسن سلوك.

لست أعني برأيي هذا الدفاع عن الغير من المقصودين باتهاماتنا، فهم كثر مترصدون، تدخّلوا ويتدخّلون في شؤوننا، سرّا وعلانية، مباشرة وغير مباشرة، لكن هم ليسوا ملومين، لأنّهم لمصالحهم يعملون، ولسعادة أوطانهم ومواطنيهم يسعون. فأين يكمن الضُرر إذن؟

فينا نحن، رغم نكراننا وتطاولنا. نحن المذنبون لأنّ العامل الخارجي لا يستطيع تنفيذ ما يدبّره إن لم يجد بيننا من يساعده ويعمل له ما يريده. فبعد أن ولّى الاستعمار المباشر، جاء ما يسمّى بالاستعمار الجديد، الذي ينفذ مخطّطاته ويبلغ مرامه بأيدي أبناء الوطن المقصود بالتدخّل في شؤونه.

تكفي نظرة خاطفة على أكثر من نصف قرن على استقلال بلداننا وتخلصها من الحضور الأجنبي، كي نلاحظ أن كل الحكام الطغاة الذين داسوا على المبادئ والمفاهيم، وطبقوا كل ما أريد منهم، كلّهم أبناؤنا، نفذوا إن طوعا أو طمعا، ما طلب منهم أو اقترح عليهم فخدموا الغير وأفادوه. لكن لنأخذ مثالا حيا ممّا نعيشه حاليا وما تشتكي من ويلاته مجتمعاتنا، أعني إخواننا “المتأسلمين” هداهم الله إلى سواء السبيل.

لا أحد يجهل أنهم- كإخوان مسلمين أو أي فرع من فروعهم كالجهاديين والسّلفيّين وأنصارالشّريعة- يأتمرون بأوامر قيادات خارجية، تعتبر نفسها فوق الأقطار والأوطان، دون أن يعلم أحد علم اليقين، لحساب من هم يعملون. غير أن المؤكد، هو أن العناصر العاملة والمنفذة في كل قطر، هي من أبناء ذلك القطر، ولولاهم لما استطاعت تلك القيادات تنفيذ شيء من مخطّطاتها.

هل بعد هذا يصح ويليق بالعاقل النبيه إلقاء التّبعة على الغير؟ هل من العدل إلقاء التّهمة على الآخر والبراءة علينا؟ إنّ العدل يوجب ويفرض إلقاء التهمة والتبعة على من هو منّا، أي داخل مجتمعنا، قبِل ونفّذ تعليمات أو أوامر أو اقتراحات الغير المتحرك من الخارج، لأسباب ودوافع وغايات ومصالح هي دون شك لا تعنينا وليست في صالحنا. ثمّ يأتي بعد ذلك توجيه التهمة أو العتاب أو اللّوم إلى الغير، الآخر الذي لا نعرف هويّته معرفة يقينيّة، فنكيل لهذا البلد أو ذاك ما نشاء من الشتائم دون برهان أو دليل.

لقد حان الوقت، لأن نغيّر طباعنا وعقليّاتنا، التي كانت ثمرة عقود من التحريف والتزييف. نغيّر الثقافة التي تغلغلت في نفوسنا تحت مؤثرات أنظمة ظالمة عمّ فيها الفساد، نغيّر مفاهيمنا فنجعل تصرّفاتنا لا تخضع إلا لما يخدم وطننا وشعبنا، انطلاقا من إيماننا بالله، وبقداسة العمل الصّالح، دون الخضوع للغير ولا العمل بأوامره، نغيّر ما بأنفسنا حتّى نسلم من كلّ ضلال لأنّ الله لا يغيّر ما بقوم حتّى يغيّروا ما بأنفسهم..


كاتب تونسي ودبلوماسي سابق

8