إلغاء التعليم عن بعد في السعودية معركة مستمرة لتحسين مخرجاته

تباينت ردود الفعل في الشارع السعودي حول القرار الذي اتخذه عدد من الجامعات والقاضي بوقف برنامج التعليم عن بعد. وبينما اعتبر البعض القرار إجهاضا لأحلام العديد من السعوديين الطامحين إلى إكمال تعليمهم الجامعي الذي لم يتمكنوا من الالتحاق به لأسباب متعددة، يصف المدافعون عن القرار هذه التوجهات الحكومية بأنها تصب في اتجاه تجويد التعليم الجامعي ما سينعكس إيجابيا على متطلبات سوق العمل.
الثلاثاء 2017/07/11
الرهان على التعليم الجامعي المنتظم

الرياض – أعلنت جامعات سعودية بشكل رسمي إيقاف برامج الانتساب والتعليم عن بعد للعام الدراسي الجديد. ووفقا لوسائل إعلام سعودية، فقد كشفت حسابات تابعة لعدد من الجامعات السعودية عبر صفحاتها الرسمية على مواقع التواصل الاجتماعي عن اتخاذ هذا القرار الذي فاجأ الملتحقين بهذه البرامج أو الراغبين في الالتحاق بها.

ونشرت عمادة القبول والتسجيل بجامعة نجران في حسابها على تويتر “‏وفقاً لقرار الوزارة والتزامًا بالأمر السامي سيتم إيقاف القبول على برامج الانتساب للعام الدراسي 39-38 مع بقاء الملتحقين مسبقا في هذه البرامج”، فيما قالت جامعة جازان “لا يوجد قبول في التعليم عن بعد أو الانتساب للسنة الحالية”. وقالت جامعة الملك عبدالعزيز على نفس المنوال، عبر موقعها الرسمي “القبول لبرامج البكالوريوس للانتساب والتعليم عن بعد غير متاح هذا العام”.

وبحسب مصادر إعلامية سعودية فقد أوقفت 15 جامعة من أصل 24 القبول بنظامي التعليم عن بعد والانتساب والتعليم الموازي في مرحلة البكالوريوس. وهو ما ترافق مع صدور تعميم وزاري نص على ضرورة إيقاف القبول بأنواع التعليم الأخرى المطبقة في الجامعات السعودية، بخلاف التعليم المنتظم.

وأكدت المصادر استمرار 9 جامعات في تخريج دفعات من الطلاب الدارسين بالنظامين الموقوفين، في محاولة لتطبيق القرار بصورة متدرجة لا تلحق الضرر بالملتحقين قبل صدور القرار.

وتشير بعض الإحصائيات الخاصة بالتعليم الجامعي في السعودية إلى وجود أعداد عالية من الطلاب السعوديين المتخرجين وفقا لنظام الانتساب والتعليم عن بعد والذين تصل نسبهم إلى حوالي 20 بالمئة من إجمالي الطلاب الخريجين من مؤسسات التعليم العالي، 60 بالمئة منهم من الذكور و40 بالمئة من الإناث.

وبرر وزير التعليم السعودي أحمد العيسى إيقاف برامج الانتساب والتعليم عن بعد (الموازي) في الجامعات بأنه يهدف إلى تعزيز وتحقيق الجودة في الجامعات.

وزير التعليم السعودي أحمد العيسى يوضح بأن قرار إيقاف برامج الانتساب والتعليم عن بعد (الموازي) في الجامعات يهدف إلى تعزيز وتحقيق الجودة

وقال العيسي في تصريحات صحافية لوسائل الإعلام السعودية بهذا الشأن إن صدور هذا القرار جاء “في سبيل تعزيز الجودة ورفع مستوى التعليم في البرامج المنتظمة في الجامعات. نحتاج إلى تركيز الأقسام وأعضاء هيئة التدريس على البرامج الأساسية وعدم الاندفاع في برامج الانتساب والتعليم عن بعد وهذا يأتي بالتنسيق مع الجامعات”.

وأصدرت وزارة التعليم السعودية في مايو الماضي توجيها يهدف إلى تهيئة الأجواء لتطبيق هذا القرار، المثير للجدل في أوساط المجتمع السعودي، حيث وجهت الوزارة الجامعات بحصر المستحقات المالية المترتبة على تشغيل برامج التعليم الموازي للرفع بها إلى المقام السامي، وإعادة الرسوم الدراسية التي تقاضتها من الطلاب وصدرت فيها أحكام قضائية.

وتضمن التوجيه التوصية بإيقاف برامج التعليم الموازي والتعليم عن بعد والانتساب في الجامعات بشكل نهائي، تماشيا مع توصيات اللجنة المؤقتة باستمرار برامج الدراسات العليا برسوم مادية.

ويأتي هذا التوجيه بعد إيقاف تسديد رسوم برنامج التعليم الموازي في العام الماضي، وعدم قدرة الجامعات على تشغيل هذه البرامج من بنود ميزانياتها الخاصة، الأمر الذي تطلب من بعض مؤسسات التعليم العالي الحصول على الرسوم بشكل مباشر من الطلاب الذين رفعوا دعاوى قضائية على هذه الجامعات تضمنت إلزام الجامعات بإرجاع الرسوم لطلابها الدارسين في برامج التعليم الموازي.

وشهدت مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام السعودية جدلا متصاعدا حول قرار وقف برامج التعليم عن بعد في مؤسسات التعليم العالي، وأطلق مغردون سعوديون وسما على موقع “تويتر” تحت عنوان “#ايقاف_الانتساب_والتعليم_عن_بعد»، عكس حدة انقسام الشارع حول هذا القرار.

وفي مقال صحافي اعتبر الباحث عبدالوهاب بن عبدالله الخميس أن القرار جاء متأخرا، مشيرا إلى أبرز إيجابياته بالقول إنه “لا شك في إيجابية هذا القرار على جودة مخرجات التعليم -وإن صدر متأخرا بعض الشيء- لكن أن تصل متأخرا خير من ألا تصل. فمخرجات التعليم الموازي والتعليم عن بعد والانتساب تسببت في زيادة الفجوة بين مخرجات الجامعات والمهارات اللازمة لسوق العمل”.

مخرجات التعليم عن بعد والانتساب تسببت في زيادة الفجوة بين مخرجات الجامعات والمهارات اللازمة لسوق العمل

ولعل تصريحات عضوي مجلس الشورى، زينب أبوطالب، نائبة رئيس لجنة الشؤون التعليمية والبحث العلمي، ومفلح القحطاني رئيس جمعية حقوق الإنسان، بخلاف مئات المقالات والتحقيقات، تصب في إطار أن ضعف مخرجات بعض البرامج الجامعية يسهم في زيادة البطالة. ولعل برامج التعليم الموازي والتعليم عن بعد والانتساب من أهم محاضن ازدياد البطالة بين خريجي الجامعات.

وكانت تقارير صحافية قد أكدت توجه القطاع الحكومي منذ وقت مبكر للتضييق على خريجي التعليم عن بعد من خلال إصدار مناشير من قبل بعض الوزارات والمؤسسات الحكومية تصب في الحد من توظيف خريجي نظامي الانتساب والتعليم عن بعد، بما في ذلك وزارة التعليم ذاتها التي أوقفت منذ حوالي 4 سنوات توظيف الخريجين بنظامي الانتساب والتعليم عن بعد.

وانتقلت هذه العدوى إلى وزارات أخرى من بينها وزارة الصحة التي أقدمت على القرار ذاته قبل عام، وهو الأمر الذي قلص من خيارات خريجي طلاب الانتساب وحصرها إلى حد كبير في بعض الوظائف الإدارية المتاحة، ووظائف القطاع الخاص.

وظل قرار إيقاف العمل بالنظام الموازي ونظام التعليم عن بعد في الجامعات السعودية هاجسا لدى القيادات التعليمية المتتالية، لأنه كان يقابل بموجة عارمة من الانتقادات والرفض، الأمر الذي حال دون تنفيذه على أرض الواقع.

وأقدم وزير التعليم السعودي السابق عزام الدخيل على إصدار قرار بإلغاء “التعليم الموازي” في الجامعات، في يونيو 2015، باعتبار تأثيره السلبي في جودة التعليم العالي. وبررت الوزارة آنذاك قرارها بوجود ملاحظات على هذا النوع من التعليم والتي من شأنها التأثير في جودة المخرجات التعليمية.

وتسعى الحكومة السعودية لإحداث قفزة كبيرة في مجال التعليم من خلال إجراء مراجعة شاملة لكل القوانين المنظمة للعملية التعليمية، بما يتلاءم مع السقف العالي من الطموحات التي حددتها رؤية المملكة 2030 التي أولت الجانب التعليمي اهتماما خاصا وربطته بمتطلبات سوق العمل وخطة النهضة الاقتصادية الشاملة، والعمل على سد الفجوة بين مخرجات التعليم العالي ومتطلبات سوق العمل، ورفع قدرات مؤسسات التعليم الجامعي في البلاد، بحيث ترتقي خمس جامعات وطنية على الأقل إلى مصاف أفضل 200 جامعة عالمية بحلول 2030.

17