إلغاء الدعم الحكومي ضرورة قصوى لتحقيق التنمية المستدامة

الاثنين 2015/09/21

لم يسبق لدول الخليج أن تأملت بجدية كبيرة ضرورة إلغاء الدعم الحكومي لأسعار الوقود، قبل الخطوة الإماراتية الجريئة بتحرير أسعار وقود السيارات بالكامل، وربطها بأسعار السوق، مع إضافة جميع تكاليف الإنتاج والتوزيع، والتي طبقها بنجاح منذ بداية الشهر الماضي.

الدعم الحكومي لا يمثل فقط عبئا ثقيلا على موازنات جميع دول العالم، التي تقدم ذلك الدعم، بل هو أيضا سبب رئيسي لكثير من الترهل في بينة الاقتصاد واختلال المنافسة، وهو يجر خلفه الكثير من التداعيات السلبية غير المباشرة.

ويذهب معظم الدعم الحكومي للأسعار في صيغته التقليدية، إلى الأغنياء والمصانع والشركات، لأن الفقراء لا يستهلكون سوى القليل، ولأنهم لا يملكون السيارات الكبيرة وأجهزة الترفيه الفارهة.

كما أنه يرفع مستويات التبذير والافراط في الاستهلاك، والتي تؤكدها معدلات الاستهلاك المرتفعة في دول الخليج، والتي تعادل ضعف المعدل العالمي تقريبا.

وتؤكد الكثير من التقارير المحلية أن بعض سكان الخليج لا يوقف محرك السيارة حين يكون خارجها أحيانا ولساعات طويلة، بل تشير أيضا إلى أن البعض لا يطفئ أجهزة التبريد في البيت حين يكون في إجازة سياحية لأيام أو أسابيع، لكي يجد البيت باردا حين يعود.

ودفع نجاح تجربة الإمارات دول الخليج العربية لأول مرة إلى دراسة توحيد أسعار المشتقات النفطية، الأمر الذي يعد خطوة أولى نحو تحرير الأسعار في جميع دول المجلس.

وكانت دول الخليج متوجسة من رفع الدعم عن أسعار الوقود، بسبب حساسية القضية على الصعيد الاجتماعي، لكن تجربة الامارات شجعتها على دراسة اتخاذ إجراءات مماثلة، والتي تعد ضرورية لزيادة القدرة التنافسية للاقتصاد.

وقد لا تحتاج معظم الدول مثل إلى إلغاء الدعم نهائيا، حيث تتيح الوسائل الحديثة مثل البطاقات الذكية توجيه الدعم إلى مستحقيه فقط بدل أن يذهب معظمه إلى غير مستحقيه.

وحررت الإمارات أسعار الوقود وفق الأسعار العالمية، لتصبح أول بلد في المنطقة يتخذ تلك الخطوة، التي أثنت عليها المؤسسات العالمية وخاصة صندوق النقد الدولي، الذي قال إنها ستوفر مبالغ كبيرة للموازنة الإماراتية تصل إلى 3 مليارات دولار سنويا.

وقالت وكالة موديز الأميركية للتصنيف الائتماني إن قرار الإمارات سيخفف من أثر تذبذب أسعار النفط على الموازنة العامة للدولة، وسيكون له تأثير إيجابي على التصنيف الائتماني للإمارات.

كما أن لها نتائج كبيرة على تقليل الأضرار البيئية، حيث سترفع معدلات استخدام وسائل النقل العامة، وزيادة الاقبال على السيارات الصديقة للبيئة، وتخفيف الاختناقات المرورية، التي تبدد الكثير من الوقت والمال.

وتعد مناقشة اجتماع وزراء النفط في الدول الخليجية لدراسة تتناول إمكانية توحيد أسعار المشتقات النفطية خطوة نوعية كبيرة على طريق زيادة القدرة التنافسة لاقتصاداتها.

والسؤال الكبير الذي يشغل أسواق النفط العالمية هو: هل من المحتمل أن تحذو اقتصادات خليجية أخرى غنية الآن حذو الإمارات وبصفة خاصة السعودية الأكبر حجما بكثير، حيث يزيد الاستهلاك المحلي للنفط 5 مرات عن مثيله في الإمارات ويبلع سعر البنزين نحو 15 سنتا فقط للتر.

ولا يوجد ما يشير حتى الآن إلى أن السعودية ستتخذ خطوة مماثلة، ورغم دعوة مسؤولين كبار، من بينهم محافظ البنك المركزي لإصلاح دعم الطاقة لكن جزءا كبيرا من المواطنين السعوديين من ذوي الدخل المنخفض على عكس مواطني الإمارات. وربما يجعل ذلك رفع أسعار الوقود أكثر صعوبة من الناحية السياسية.

ورغم ذلك ربما تتشجع بعض الدول الخليجية الأصغر حجما للمضي قدما في هذا الطريق. حيث تتزايد الإشارات على أن الكويت والبحرين وسلطنة عمان، ستقوم في الأشهر المقبلة بخطوات كبيرة لتقليص الدعم الحكومي وترشيد الاستهلاك، أو على الأقل توجيه الدعم الى مستحقيه.

وقالت وكالة فيتش للتصنيف الإئتماني مؤخرا إن “إلغاء دعم وقود النقل في الإمارات ربما يضع سابقة إيجابية أمام اقتصادات أخرى في المنطقة ومن بينها تلك التي تعاني ماليتها العامة من مزيد من الضغوط.”

11