إلغاء حج معبد الغريبة اليهودي يفاقم شلل السياحة التونسية

ضربة قاسية يتلقاها القطاع السياحي في تونس مع إلغاء موسم الحج إلى معبد الغريبة اليهودي وسط انقسام الآراء بشأن قدرة السياحة على استعادة عافيتها.
الجمعة 2020/04/24
لا حج إلى الغريبة هذا الموسم

تسبب انتشار فايروس كورونا عالميا في إلغاء أكبر مناسبة سياحية في تونس بعد أن أدت إجراءات منع انتشار الوباء إلى إلغاء موسم الحج إلى معبد الغريبة اليهودي، في ضربة قاسية للقطاع السياحي ستؤدي إلى شطب آلاف الوظائف وتعطيل النشاط الاقتصادي لجزيرة جربة إحدى أهم المناطق السياحية في جنوب البلاد.

تونس - أعلنت هيئة التنظيم في معبد الغريبة اليهودي في جزيرة جربة عن إلغاء موسم الحج السنوي بسبب فايروس كورونا المستجد، الأمر الذي يفاقم خسائر الاقتصاد التونسي، إضافة إلى حرمان البلاد للمرة الثانية من تظاهرة دينية تتجلى فيها قيم التسامح والتعايش الديني بين التونسيين.

وكانت المرة الأولى التي تم فيها إلغاء هذا الحج، الذي يعد من أكبر المناسبات الدينية والسياحية في تونس، عام 2011 في أعقاب إجراءات أمنية مشددة جراء موجة الاضطرابات في ما بعد ثورة يناير 2011.

وقال رئيس هيئة التنظيم بيريز الطرابلسي إن “الحج لهذا العام والذي كان مقررا في السابع من مايو المقبل، ألغي بسبب صعوبة الوضع العالمي في ظل جهود مكافحة الوباء.”

وأكد في تصريح لـ”العرب” أن “استمرار الحجر الصحي وما ترتب عنه من إغلاق الحدود بين الدول أدى إلى إلغاء الزيارة السنوية لليهود هذا العام.”

ويقول مراقبون إن إلغاء حج اليهود ستكون له تداعيات وخيمة على الاقتصاد التونسي ويعمق متاعب الحكومة التي تراهن على قطاع السياحة لإنعاشه.

وأشار الطرابلسي إلى أن هذه المناسبة لها دور كبير في النشاط السياحي وأنها “توفر حركة اقتصادية خاصة لجزيرة جربة” وأن إلغاءها سيؤدي إلى خسائر كبيرة لقطاع السياحة.

ويستقطب المعبد اليهودي الأشهر في أفريقيا في شهر مايو من كل عام آلاف الزائرين اليهود من تونس ومن أنحاء العالم، وتعدّ تلك الاحتفالات في العادة فاتحة الموسم السياحي الصيفي في جزيرة جربة وعموم تونس.

حكيم بن حمودة:  نسبة الانكماش الاقتصادي ستصل إلى حدود 4 في المئة
حكيم بن حمودة:  نسبة الانكماش الاقتصادي ستصل إلى حدود 4 في المئة

وأدى تفشي فايروس كورونا عالميا إلى شلل قطاع السياحة التونسي، الذي يسهم بنحو 10 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي ويعد مصدرا رئيسيا للعملة الأجنبية ولفرص العمل.

وجربة المعروفة كأحد أبرز المنتجعات السياحية في حوض المتوسط هي من بين أكثر المناطق المهددة بخطر انتشار الفايروس. ويجري تطويق الجزيرة ومنع الدخول والمغادرة منها منذ مطلع أبريل الجاري في مسعى لمنع تفشي الفايروس.

ويقول خبراء اقتصاد إن جزيرة جربة التي تستقبل كل عام الآلاف من الزائرين، ستتضرر اقتصاديا خاصة وأن عائدات الجزيرة تقوم أساسا على التجارة والسياحة، وسيكون الفايروس سبب عطالة أصحاب المهن الصغرى فيها.

ويحج اليهود التونسيون إلى كنيس الغريبة سنويا، ويبلغ عددهم أكثر من 1200 شخص وغالبيتهم من سكان جزيرة جربة وتونس العاصمة. وكان عددهم يناهز مئة ألف نسمة قبل استقلال تونس عام 1956.

ويشارك بالمراسم الاحتفالية آلاف من القادمين من أوروبا وأميركا الشمالية وإسرائيل، وقد ارتفع العدد في السنوات الماضية بفضل تحسن الوضع الأمني.

ويخشى محللون من أن تؤدي حالة الطوارئ الصحية، إلى تحول زوار تونس إلى وجهات أخرى حتى بعد رفع الحجر الصحي.

وأشار الخبير الاقتصادي محمد منصف شيخ روحو لـ”العرب” إلى إمكانية استفادة دول أخرى من هذا الإلغاء في حال لم تقم الحكومة التونسية بخطوات استباقية تعيد الثقة للسياح.

ودعا إلى تغيير نمط التعامل التقليدي مع السياح الأجانب لجذبهم إلى زيارة البلاد. وقال إن “على الحكومة التركيز على سلامة السائح وتوفير الحماية الكافية له وعدم الاكتفاء بخطة قصيرة المدى لمواجهة أزمة صحية تحمل أضرارا اقتصادية كبيرة.”

وازدادت الضغوط على الحكومة التونسية منذ ظهور الفايروس، وباتت أمام تحديات غير مسبوقة لتوفير الاستقرار الصحي وحماية أرواح مواطنيها وتقديم خطة ناجعة لمواجهة الوباء من إجراءات استثنائية لها تكلفة اقتصادية باهظة.

وأكد حكيم بن حمودة الخبير الاقتصادي ووزير المالية الأسبق أن أزمة كورونا ستضاعف من حجم الأزمة الاقتصادية في تونس، وتقود إلى حالة ركود.

 بيريز الطرابلسي : خسائر كبيرة ستطال قطاع السياحة نتيجة إلغاء حج الغريبة
 بيريز الطرابلسي : خسائر كبيرة ستطال قطاع السياحة نتيجة إلغاء حج الغريبة

وقدر بن حمودة في دراسة أعدها نسبة الانكماش الاقتصادي المتوقع في العام الحالي بنحو 4 في المئة وهو ما ينسجم مع توقعات صندوق النقد الدولي.

وأظهرت رسالة رسمية أرسلتها السلطات التونسية إلى صندوق النقد أن اقتصاد تونس سينكمش بأكثر من 4.3 في المئة هذا العام في أسوأ ركود منذ استقلال البلاد عام 1956 مدفوعا بانهيار قطاع السياحة الحيوي المهدد بخسارة عائدات تصل إلى أربعة مليارات دينار (1.4 مليار دولار).

وحذر بن حمودة من ارتفاع نسبة البطالة في تونس بسبب تفشي الوباء، الذي توقع أن يشطب نحو 158 ألف وظيفة في عام 2020. وأشار إلى أن إجراءات الحجر الصحي هدفها حماية المواطنين، لكنها تؤدي إلى “تداعيات اقتصادية كبيرة.”

في المقابل قلل خبراء آخرون من حجم المخاوف الاقتصادية، ورجحوا أن تكون أضرار كورونا على القطاع السياحي مؤقتة، وأن يتمكن القطاع من استعادة عافيته بمجرد انتهاء الأزمة الصحية.

وتستعد الحكومة التونسية لتخفيف إجراءات الحجر الصحي بداية من 4 مايو المقبل، بعد تزايد حالات الشفاء من الفايروس.

ويقول الخبير الاقتصادي رضا الشكندالي إن “الخسائر لن تكون كبيرة باعتبار أن سائر دول العالم ممتثلة حاليا للحجر الصحي.”

وأشار إلى أن تداعيات إلغاء الحج ليست على المستوى الاقتصادي فحسب، بل كذلك على صورة تونس الجيدة التي تبثها للعالم مع كل موسم لتؤكد تسامحها الديني ورفضها النوازع الإرهابية.

وأضاف أن “تونس في معادلة الاقتصاد والإنسان، اختارت الإنسان لأنها على وعي بأن الاقتصاد بلا إنسان لا معنى له. “

ويتساءل خبراء عمّا إذا كانت تنوي الحكومة إقرار تعويضات للقطاع السياحي حيث سبق وأن أقرت عام 2015 حزمة من الحوافز لفائدة القطاع للتخفيف من تداعيات الهجمات الإرهابية الكبيرة التي كلفت السياحة خسائر كبيرة جراء عزوف السياح عن القدوم إلى تونس خلال تلك الفترة.

وسجلت تونس طفرة في النقد الأجنبي العام الماضي حيث سجل القطاع السياحي عوائد بلغت 2 مليار دولار حسب البيانات الرسمية للمصرف المركزي ناتجة عن عودة الأمن وثقة السياح في البلاد.

وسبق أن توقع صندوق النقد أن يرتفع العجز المالي لتونس من 2.8 في المئة في 2020 إلى 4.3 في المئة مع توقع زيادة الإنفاق والاقتراض بسبب الأزمة الحالية.

وامتدت انعكاسات كورونا إلى مختلف مفاصل الاقتصاد في البلد حيث تسبّبت في ركود نشاط السفن البحرية ونشاطات التصدير والاستيراد وكبلت حركة المسافرين والسياح وأحدثت عطبا في محركات النمو إضافة إلى تراجع الاستهلاك.

10