إلغاء مجانية التعليم بالمغرب: رغبة بلا مكاسب ولا آفاق

الثلاثاء 2016/11/29
مجانية التعليم حق

هل انتهينا من كتابة آخر حرف في تقرير ينهي أزمة التعليم بالمغرب؟ هل باتت كل مشاكل المدرسة المغربية من الماضي البائد؟ لربما أصبح التلميذ في البوادي والنجوع النائية يتهيأ للذهاب الى مدرسته في السابعة صباحا ويصل في السابعة والنصف دون عراقيل جغرافية ومادية، ليجد في انتظاره أستاذه في كامل أناقته ولياقته البدنية والنفسية والفكرية.

ثم هل الاكتظاظ داخل الفصول الدراسية أمسى نكتة يضحك عليها تلاميذ الحاضرعلى من سبقوهم وغادروا قبل أن يستكملوا فصولهم الدراسية؟

إذا أردنا أن نستمر في طرح هذه الأسئلة إلى ما لا نهاية فالمجال يتسع، مع ما تعانيه المنظومة التعليمية من أعطاب بنيوية لم ينفع معها علاج رغم كثرة البرامج الاستعجالية والحلول، جعل رشيد بلمختار وزير التربية الوطنية والتكوين المهني، يعلق على هذا الواقع قائلا “إن مؤشرات وتقارير عالمية تجعلنا نفهم ونعترف كم نحن فاشلون”. إذن من حقنا أن نتساءل عن الوصفة السحرية التي قادت سنغافورة إلى تصدر مؤشر جودة التعليم العالمي الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس لعام 2015- 2016 في سبتمبر الماضي، وتتحول خلال نصف قرن من أمة أمية إلى دولة بمستويات متطورة اقتصاديا واجتماعيا وتنمويا وصناعيا، فيما نحن نقبع في الدرجات السفلى من هذا المؤشر؟

الإجهاز على المدرسة العمومية بالارتهان إلى شروط المؤسسات الدولية المجحفة لإصلاح المنظومة التربوية، خطره مضاعف وتكلفته أكبر

إنها خطة بسيطة وفعالة تتلخص في إعطاء الأولوية القصوى للتعليم بتشجيع المعلم وتمكينه من كل الوسائل المادية واللوجيستية للرفع من جودة العملية التعليمية وتطوير المسالك الدراسية والتعليمية حسب الحاجة وبحرية واستقلالية أكبر، خطة أنتجت مبادرة «تعليم أقل، تعلُّم أكثر» لإفساح المجال للابتكار والخلق من قبل الطلبة والتلاميذ والمعلمين على حد السواء.

أما الداعي لهذا الحديث فهو القرار الذي صدر في 22 نوفمبر الجاري، عن الجمعية العامة للمجلس الأعلى للتربية والتكوين بالمصادقة على مشروع رأي يقضي بإلغاء مجانية التعليم بالمستويين الثانوي والعالي، مشروع ابتدأت ملامحه بالظهور مع فرض رسوم باهظة على الموظفين الراغبين في متابعة دراستهم بجامعة الرباط، وصلت إلى 20000 درهم للماستر والماستر المتخصص. فهل إنفاق الأسر أكثر على التعليم سيعلي من قيمته؟ أشك في ذلك، فهناك وسائل أكثر عملية وفعالية لتخفيف الضغط على ميزانية إنفاق الدولة على التعليم، فترشيد وحكامة مصروفات الجماعات المحلية والعمالات والتشدد في استخلاص الضرائب من المتهربين منها يمكن أن تكون حلولا عملية للرفع من قيمة التعليم والتكوين.

القراءة المبسطة لواقع التعليم بالبلد تنتج حلولا مبسطة وساذجة، وتثير حنقا أكثر على هذا الواقع الذي يخلق أجيالا مبسترة ومهجنة. لماذا؟ لأننا نفتقد إلى الآليات الحقيقية بجعل المدرسة مشتلا للطاقات البشرية التي تعطي وتبذل بتشجيعها على الإنتاج وتلك التي تستقبل الفكرة والجملة والدرس بنهم فتتخرج من تلك المدرسة دون أعطاب ولا عقد ولا نقص في المعرفة وأدواتها.

تعميم التعليم كان أحد مبادئ استراتيجية إصلاح التعليم وتجويده بالمغرب ويبدو أن هذا المبدأ سيخبو ولن يبقى له أثر مع محاولات بعض الجهات النفخ في إعدام مجانية التعليم، مع العلم أنه في سبعينات القرن الماضي وبعدها لم يكن أحد يتجرأ على المس بهذا المبدأ بل كان طلبة الباكالوريا يحصلون على منحة تعم فائدتها حتى أسرهم. لا يمكن إنكار ما تلعبه اللوبيات المستفيدة من خيار إلغاء مجانية التعليم من ضغط إعلامي واقتصادي واجتماعي وسياسي لتمرير خطابها وإنجاح مبتغاها باستهداف المدرسة العمومية بكل حمولتها الهوياتية والثقافية والنفسية والتضييق على ما تبقى من أدوار الدولة بتدخلها في حماية مواطنيها.

من المفيد التذكير بواقع تناقص أعداد المدارس العمومية بالمغرب مع ارتفاع في عدد التلاميذ داخل الفصل إلى خمسين طالبا بأنه مقلق جدا، وأن تزايد الأطفال الذين يتسربون من مقاعد المدرسة كل سنة يطرح عدة تساؤلات حول المستفيد من هذه الوضعية. كل هذا والحكومة صامتة ولا تحرك ساكنا لمواجهة هذه المعضلة خصوصا مع انتشار سرطاني مفزع للمدارس الخاصة كبديل للعمومية.

القراءة المبسطة لواقع التعليم بالبلد تنتج حلولا مبسطة وساذجة، وتثير حنقا أكثر على هذا الواقع الذي يخلق أجيالا مبسترة ومهجنة

أنا ابن المدرسة العمومية فيها تربيت وتابعت دراساتي رغم كل معضلاتها ومشاكلها التي تفاقمت على مر السنوات، لكنني أتعاطف بصدق مع مجانية التعليم وأرفض المس بهذا المكتسب. إذن ضروري التعامل جديا مع موقع المغرب في المرتبة الـ101 من بين 140 دولة شملها مؤشر جودة التعليم، والبحث عن حلول تصب في تطوير وتجويد المنظومة التعليمية بمشـاركة كل المتدخلين بدل الهروب إلى الأمام.

الإجهاز على المدرسة العمومية بالارتهان إلى شروط المؤسسات الدولية المجحفة لإصلاح المنظومة التربوية، خطره مضاعف وتكلفته أكبر واللعب بهذه الشعلة ستحرق الكل بلهيبها. ومن هنا نقول إن تفكيك المدرسة العمومية بمثابة تفكيك لهوية البلد وتهديد مستقبل أجيال قادمة. أن تتقدم حكومة بن كيران بمشروع إلغاء مجانية التعليم الثانوي والعالي ويفتي المجلس الأعلى للتربية والتعليم بصحة هذا المشروع، فهذا صادم فعلا ويطرح أكثر من علامة استفهام من غرض هؤلاء الذين يقترحون مثل هذه الحلول والرهان على فرضيات ثبتت مع الوقت لاواقعيتها لإصلاح التعليم وإجابته على أسئلة الواقع.

فهؤلاء يقترحون تفصيلات للحل بمعزل عن احتياجات المجتمع وتطلعاته لتعليم بجودة عالية متكئ على مبدأ تكافؤ الفرص والعدالة. فهم يقولون إن الفئات الهشة غير ملزمة بالأداء، لكن كيف يمكن تحديد الحدود بين من يستطيع ومن لا يحتمل الدفع، ما هي المعايير وكيف يمكن أن تكون هناك نزاهة في التمييز؟ أشك في أن يكون هناك حل لهذه الجزئية المهمة مع التحايل الممكن في حالات الإثبات، خصوصا وأن هناك من الميسورين من يزاحم الفقراء على المنحة في الجامعات المغربية.

كاتب مغربي

17