إلفيس بريسلي يتربع على عرش الغناء بعد 42 عاما من رحيله

ملك موسيقى "الروك أند رول" مازال يهيمن على الثقافة الأميركية بمبيعات تخطت عتبة المليار ألبوم.
السبت 2020/01/18
مجانين إلفيس يخلدون سيرته

يرفض الكثيرون قبول حقيقة موته، ويقولون إنه ترك علامة على قبره، لإثبات أنه لا يزال على قيد الحياة؛ إنه أسطورة موسيقى “الروك أند رول” إلفيس آرون بريسلي. هو مغنٍّ وكاتب أغانٍ وممثل أميركي راحل، يعتبر أحد أهم الرموز الثقافية في القرن العشرين، وغالبا ما يشار إليه باسم “ملك الروك أند رول” أو بكلمة واحدة “الملك”.
بالتأكيد مات إلفيس، إلا أنه لا يزال أسطورة الموسيقى، رغم مرور 42 عاما على وفاته، ولا يزال يهيمن على الثقافة الأميركية، بفضل مبيعات ألبوماته وشعبيته الكبيرة المقاومة للزمن. ومع مبيعات تخطت عتبة المليار ألبوم، يُعتبر إلفيس بريسلي اليوم واحدا من أكثر الفنانين بيعا للألبومات في تاريخ الموسيقى. وهو، حسب تصنيف لمجلة فوربس، يحتل المرتبة الرابعة في ترتيب المشاهير الراحلين الذين يدرون أكبر قدر من الإيرادات.

 تصدرت الكاتبة الأميركية، جيل بروير جورجيو، عناوين الأخبار، عندما زعمت أن لديها تسجيلا صوتيا لإلفيس، يرجع إلى عام 1981، أي بعد أربع سنوات من وفاته. يقول الصوت في التسجيل “يسألني الناس دائما أين أعيش؟ وبطبيعة الحال لا أستطيع أن أبوح بذلك، ولكن يمكنني القول إنه مكان جيد للاختفاء، هي جزيرة أعرفها منذ زمن، ولطالما اعتقدت أنني سأذهب إليها يوما”.

وأضاف الصوت “على أي حال، لا بد وأنه قد مضى على وجودي هنا عام كامل. بدأت رحلتي مسافرا أجوب أنحاء العالم، وكنت مستمتعا بذلك. بذلت خلالها جهودا مضنية لإطالة لحيتي، حتى لا يتعرف عليّ أحد (…) ومن السذاجة الآن العودة عن أمر تطلّب مني كل هذا الوقت للهروب منه”.

ويقول خبير في الأصوات إنه قارن صوت إلفيس بريسلي بالصوت المسجل في الشريط، وهو متأكد من أنه للشخص نفسه؛ وهو الملك.

هناك من استند، في تكذيب وفاة إلفيس، إلى تناقضات حدثت أثناء تشريح جثته. وكان الدكتور جيري فرانسيسكو قد قدم سببا للوفاة قبل اكتمال الفحص الطبي، مدّعيا أن سبب الوفاة عدم انتظام ضربات القلب، وهي حالة لا يمكن تشخيصها إلا لدى شخص ما زال على قيد الحياة. وأضاف فيرنون بريسلي، والد إلفيس، مزيدا من الغموض على وفاة ابنه، مؤكدا أن نتائج تشريح الجثة ستبقى مغلقة لمدة 50 عاما، ولن نعرف الحقيقة قبل عام 2027.

حالة فريدة

لم يبق نجاح إلفيس محصورا في الولايات المتحدة وأوروبا، بل امتد ليشمل دول العالم. ويقول تيد هاريسون -وهو مؤلف لكتابين عن الملك- إن الناس، سواء كانوا في بكين أو في نيكاراغوا أو في استونيا أو في فيجي، يعرفونه بغض النظر عن لغتهم وثقافتهم، “صوته الفريد وأسلوبه الخاص الذي يمزج بين الكانتري والبلوز، يتخطيان العوائق الإثنية والاجتماعية”.

الأقباط يجدون في بريسلي قدوة للشباب، فقد تزوج مرة واحدة فقط. وفي ساحة التحرير، وسط بغداد، انتشرت بين الشباب المتظاهرين تسريحة النجم إلفيس. وغدت تسريحات الشعر تعبيرا آخر عن الرغبة في التحرر. وفي أفغانستان يحتفظ إلفيس بشعبيته رغم وفاته.

الاستماع إلى صوته للمرة الأولى أشبه بإطلاق سراح من السجن.. هكذا وصف بوب ديلان إلفيس بريسلي الذي اشتهر بخفة حركته في الرقص، وأصبح رمزا محببا خاصة لدى النساء بفضل جاذبيته، وقدّم إسهامات كبيرة في عالم الموسيقى. وشكّلت أغنياته مصدر وحي لأهم الفنانين في العالم، ومنهم البيتلز ورولينغ ستونز.

قدم بريسلي للعالم عددا كبيرا من الأغاني لاقى جميعها النجاح، وتناقلتها الأجيال عبر نسخ عديدة. وزار أكثر من عشرين مليون سائح داره في “غريسلاند” التي فتحت للعموم عام 1982.

ويتهافت المعجبون المتحمسون على وضع الزهور وتوجيه التحية للفنان الراحل أمام ضريحه، حيث يرقد إلى جانب والديه وجدته. ويقصد 600 ألف شخص هذا المكان سنويا، ما يحقق لمدينة ممفيس عوائد بقيمة 150 مليون دولار. وشجعت هذه الأرقام على افتتاح فندق ضخم بمساحة 160 ألف متر مربع.

الموهبة لا تكفي لصنع النجوم، لا بد من بعض الحظ، وإن لم يكن، فلا بد من صدفة تلعب دورها، حتى لا تدفن الموهبة

وتباع في متاجر المدينة تذكارات تحمل صور الملك، وتستقبل ملصقات عملاقة له الزوار عند مداخل المتاجر كما تعزف أغانيه في الحانات.

ولد إلفيس بريسلي في الثامن من يناير 1935، لأب يعمل سائق شاحنة، وأم خياطة في منزل صغير متواضع في مدينة توبيلو بولاية ميسيسيبي. وفي سنة 1948، انتقل إلى ممفيس حيث نال شهادة الثانوية العامة، قبل تسجيل أول أسطوانة له في سن التاسعة عشرة.

نجحت موسيقى هذا الشاب المتمرد، الذي أثارت خطواته الراقصة الإيحائية غضب المحافظين، في كسر حواجز التمييز العنصري، السائد آنذاك في ولايات الجنوب الأميركي. فهو بحسب الكثير من الأميركيين البيض، يستوحي موسيقى السود ويروجها بين الناس، و”هذا أخطر ما في الأمر”.

لا يزال بريسلي يشكل حالة فريدة يسعى الجميع لتجديد ذكراها بشتى السبل، وأتاحت التكنولوجيا الحديثة مؤخرا إمكانية جمْع صوته مع أصوات كبار مطربي الكانتري، مثل مارتينا ماكبرايد، وسارا إيفانز، لتقدّم ألبوما غنائيا جمع أغانيهم مع مقاطع من أغاني ألبوم “أغاني الميلاد” لبريسلي، وكان قد أصدره عام 1957، ليكون بمثابة إحياء عملي لذكرى الملك.

ما زالت ألبومات إلفيس تدر ملايين الدولارات سنويا على ورثته، إضافة إلى عوائد قصره بممفيس في ولاية تينيسي الأميركية، واستغلال اسمه وصوره في الترويج للمنتجات. وقد قامت شركة تصنع لعب الأطفال مؤخرا بترويج دمية جديدة للفنان وزوجته وهما يرتديان ملابس الزفاف. وظهرت عدة فرق غنائية تحمل اسمه.

باحث عن السعادة

من الذكرى الأربعين لوفاته
من الذكرى الأربعين لوفاته

يخفي النجاح وراءه حياة مأساوية قصيرة عاشها الفنان، كشف عنها فيلم وثائقي، حمل عنوان “إلفيس بريسلي.. الباحث”، ولا نعلم إن كان بريسلي باحثا عن السعادة أم عن النجاح الفني، أم -كما هو مرجح- عن الاثنين معا. لقد خرج إلفيس خاسرا في بحثه عن السعادة، أما النجاح المادي الذي حصده وهو حي، فقد حصد منه ورثته أضعافا مضاعفة بعد رحيله.

وكشفت زوجته السابقة بريسيلا للمرة الأولى عن عمق تورط زوجها في عالم الإدمان، وتؤكد أنه قد وضع حدا لحياته بنفسه، وأنه مات منتحرا، ولم يمت بالنوبة القلبية.

كان بريسلي قد تزوج من بريسيلا سنة 1967، ورزقا بعد عام بابنتهما الوحيدة ليزا ماري، ولكن الخلافات دبت بينهما بعد ذلك لينفصلا عام 1973، إلا أنهما بقيا صديقين مقربين. وبعد أربع سنوات -أي في عام 1977 بالتحديد- توفي إلفيس وهو في الثانية والأربعين، تاركا وراءه إرثا من الأغنيات التي لا تزال تلهم الشباب حتى اليوم.

أتاح الفيلم الوثائقي لبريسيلا فرصة للرد على اتهامات وجهت إليها، بأنها لم تساعد زوجها على الخروج من دوامة الإدمان، مؤكدة أن إلفيس كان يعرف ما يفعل، وأن محاولات المقربين منه فشلت في دفعه إلى الإقلاع عن المخدرات، “كان مصرا على المضي في هذا الطريق، وما يقوله الناس عن تقاعسنا أمر غير صحيح”.

ويعرض الفيلم وثائق مكتوبة بخط يد إلفيس، كان قد أرسلها إلى أحد أصدقائه المقربين، يقول فيها “أنا مريض ومتعب وبحاجة إلى راحة أبدية”.

كان إلفيس في ذلك الوقت يبتلع جرعات كبيرة من المسكنات، التي تعطى له بوصفات طبية. ويتحدث الفيلم عن طبيب وصف له أكثر من عشرة آلاف حبة مسكنة خلال ثمانية شهور فقط.

وتعزو بريسيلا إدمان زوجها على المخدرات إلى فترة خدمته في الجيش في ألمانيا، حيث كان الجنود هناك يتناولون مواد منبهة، تبقيهم مستيقظين إلى وقت متأخر من الليل.

وفي الفيلم نفسه يدلي أخوه، غير الشقيق، بشهادة يؤكد فيها أن فكرة الانتحار كانت في ذهن إلفيس، الذي أكد أنّه محرج لكونه لا يستطيع ترك المخدرات. ويرى أخوه أن إلفيس تناول عمدا جرعة كبيرة من المسكنات أدت إلى وفاته.

ورغم النجاح الباهر الذي حققه خلال حياته القصيرة -باع أكثر من 20 مليون أسطوانة من أغنية “اِتز ناو أور نيفر” وحدها- إلا أنه كان كئيبا وتعيسا. وتبدلت في نهاية مسيرته صورة الملك؛ أصبح يعاني من زيادة الوزن، وصار مدمنا على المسكنات ويعيش في عزلة تامة ويتحسر على أمجاد الماضي، إضافة إلى قائمة من المشاكل الصحية، منها الصداع النصفي والإمساك المزمن والتهاب المفاصل وتضخم في القلب، وفوق كل ذلك لم يكن قادرا على التعافي من تجربة الطلاق المريرة.

بعد خيارات فنية غير موفقة، تدهورت صحة الملك الذي أحيا آخر حفل موسيقي له في 25 يونيو 1977 في انديانابوليس. وفي 16 أغسطس 1977، عُثر عليه ميتا في حمام منزله. وأرجعت التقارير أسباب وفاته إلى نوبة قلبية، إلا أن فرضية الانتحار كانت وما زالت قائمة.

الموهبة وحدها لا تكفي

نجم يتخطى العوائق العرقية والثقافية
نجم يتخطى العوائق العرقية والثقافية

بدأت مسيرة إلفيس بريسلي الموسيقية عام 1954، وكان رائدا لموسيقى الروكابيلي، وهي موسيقى سريعة مزجت موسيقى الكانتري مع موسيقى البلوز. وظهر خلال مسيرته الفنية في 31 فيلما، وسجل 784 أغنية، وأدى أكثر من 1684 حفلا غنائيا.

الموهبة وحدها لا تكفي لصناعة النجوم، لا بد من بعض الحظ، وإن لم يكن فلا بد من صدفة تلعب دورها، حتى لا تدفن الموهبة تحت التراب. الحظ لم يلعب دورا في حياة إلفيس، الذي مات قبل أن يكمل مشواره، ولكن الصدفة لعبت هذا الدور، عندما وضعت في طريقه كولونيلا أميركيا متقاعدا عاشقا للموسيقى، هو توم باركر، الذي اكتشف موهبة إلفيس، وتولى إدارة مسيرته الفنية لأكثر من عقدين، ولم تنته الشراكة إلا بوفاة إلفيس.

قدّم بريسلي أول أفلامه في نوفمبر 1956، وبعد عامين من ذلك التاريخ التحق بالجيش الأميركي، خلال الحرب الباردة، حين حصل على رتبة سيرجنت، وأرسل إلى ألمانيا الغربية لمدة عامين. بعد عودته، حقق نجاحا باهرا وأصبح فاحش الثراء؛ يقال إنه كان يهدي سيارات كاديلاك لأشخاص في الشارع لا تربطه بهم معرفة سابقة.

أنتج إلفيس، في تلك الفترة، مجموعة من أنجح أعماله، قبل أن يكرّس وقته في الستينات لتصوير أفلام يكتب لها موسيقى تصويرية يعيد إنتاجها في ألبومات. وقد تعرضت معظم هذه الأفلام لانتقادات شديدة من قبل النقاد. وفي عام 1968، بعد انقطاع دام سبع سنوات عن تقديم عروض حية، عاد إلى المسرح في عرض تلفزيوني خاص نال شهرة كبيرة، أقام إثره عدة حفلات في لاس فيغاس، إضافة إلى سلسلة من الجولات المربحة.

وظهر بريسلي في عام 1973، في أول حفل يبث عالميا عبر الأقمار الصناعية، تابعه أكثر من مليار شخص في العالم، متخطيا بذلك عدد من شاهد أول هبوط على سطح القمر، وبلغت كلفته الإنتاجية 2.5 مليون دولار، وهو رقم كبير في ذلك الوقت.

عندما اختارت هوليوود مؤخرا إنتاج فيلم عن حياة الملك، كان اهتمام منتج الفيلم منصبا على اختيار من يقوم بدور راعي إلفيس بريسلي بالدرجة الأولى، ليس استخفافا بدور إلفيس الذي يدور الفيلم حوله، ولكن لأهمية الدور الذي لعبه الكولونيل، توم باركر، في حياة الملك الفنية.

لنقل إن الأمر هو رد للجميل الذي قام به الكولونيل بحق صناعة الموسيقى، وعشاقها أيضا. الفيلم الذي لم يكشف عن عنوانه بعد اختير ليقوم فيه بدور إلفيس بريسلي الفنان أوستن بتلر، أما دور الكولونيل فأسند إلى العملاق توم هانكس، ومن غيره يمكن أن يؤدي دورا مثل هذا الدور الذي يحتاح إلى الكثير من المصداقية والإقناع؟

مكاسب تجارية

وفاة بريسلي مكسب تجاري لأشخاص كثر
وفاة بريسلي مكسب تجاري لأشخاص كثر

إلى جانب احتلاله قائمة أكثر الفنانين مبيعا، حصد إلفيس ثلاث جوائز غرامي، كما حصل على الجائزة نفسها، عن إنجاز العمر، وهو في سن السادسة والثلاثين؛ كأنما لجنة التحكيم تتوقع له عمرا قصيرا.

لم ينقطع نجاح إلفيس تجاريا بعد رحيله، وقال عنه أحد صناع الموسيقى “إن الوفاة شكّلت فرصة استثمارية ذكية”. وأعطت دفعة لصناعة الموسيقى. حدث الوفاة حقق أرقام مبيعات عالية، ليس فقط لورثة الفنان، بل لعمالقة آخرين أمثال بوب مارلي، وجيمي هيندركس، وديفيد بوي، وغيرهم.

واستطاع مجمع سياحي في الدنمارك -يحمل اسم “غريسلاند راندرز”- بيع 11 ألف شطيرة، من النوع المفضل عند إلفيس، تتكون من شريحتين من الخبز المحمص، مع شرائح لحم مقدد وموز مقلي. ويمتلك دنماركي من عشاق النجم الأميركي المجمع السياحي، الواقع في شمال الدنمارك، وقد بناه على شاكلة منزل الفيس.

وقال الدنماركي، الحاصل على لقب مواطن شرفي من ولاية ممفيس، والذي زار غريسلاند أكثر من مئة مرة “أعترف بأن وفاته كانت حدثا جللا”.

وبلغت كلفة المشروع الدنماركي السياحي، الذي يزوره سنويا 150 ألف زائر ويبيع منتجات تحمل اسم إلفيس، حوالي 5 ملايين دولار، وحقق في غضون ست سنوات أرباحا للمستثمرين.

وفي لندن استطاع عاشق آخر لفن بريسلي تحقيق مكاسب من خلال الموقع الإلكتروني “إلفيس يورز” الذي يبيع تذكارات لعشاق الملك في أكثر من 50 دولة. وسوّق الموقع، على مدار سنوات، أكوابا ومجوهرات ومجلات وكتبا وملصقات وشارات وقمصانا رياضية ولوحات وقطع مغناطيس ونظارات تحمل اسم الفنان.

وعبارة “إلفيس يورز” هي طريقة يوقع بها عشاق إلفيس بريسلي خطاباتهم في شتى أرجاء العالم. ويحتوي الموقع الإلكتروني على قوائم تضم نحو 70 ألف منتج تذكاري للفنان.

وبالطريقة نفسها التي مثل فيها إلفيس الحلم الأميركي وهو طفل فقير، شكلت نهايته بداية حلم آخر. والموت الذي غيبه، لم يغيب حب الناس له… واليوم بعد 42 عاما من الرحيل، تصدر ألبومه “لو باستطاعتي أن أحلم” قائمة المبيعات البريطانية، ليصبح إلفيس بذلك صاحب الرقم القياسي عند الحديث عن عدد الألبومات التي احتلت المرتبة الأولى.

16