إلهان عمر السوداء التي فازت يوم فاز الوحش الأبيض

الأحد 2016/11/13
النجم الصاعد

القاهرة - في الثامن من نوفمبر الجاري، كانت أميركا على موعد مع زلزاليْن من العيار الثقيل. الأول تمثّل في نتائج الاقتراع على الانتخابات الرئاسية التي حُسمت لصالح الجمهوري رجل الأعمال والملياردير الأميركي دونالد ترامب (70 عامًا) على حساب الديمقراطية هيلاري كلينتون (69 عامًا).

اختيار صادم ليس فقط خارج أميركا بل داخلها أيضاً. وهو ما ترجمته المظاهرات الحاشدة التي خرجت ترفع شعارات “ترامب ليس رئيسي” كنوع من الاحتجاج على هذه الشخصيّة التي أثارت الاستياء لمواقفه طيلة حملته الانتخابات سواء للنساء أو للمسلمين.

أما الزلزال الثاني فتمثل في فوز الصومالية المسلمة إلهان عمر (34 عامًا) كأوّل مُسلمة محجبة من اللاجئين، الذين أصابتهم سهام ترامب طيلة حملته الانتخابية، محملاً إياهم مسؤولية الاضطرابات التي حدثت في أميركا، بانتخابات مجلس النوّاب.

وتأكيدًا على اللطمة التي وجهت لترامب خرجت عمر بعد إعلان فوزها مباشرة وألقت كلمة شكر لجماهيرها المحتشدة، بدأتها بالقول “هذه الليلة هي ثمرة تتويج لأكثر من عام من العمل الشّاق. وإنني فخورة جدًّا لهذا الفوز؛ لأنّ منطقة بي 60 بولاية مينيسوتا تمثّل جيراني، وكل الحضور هنا في هذه القاعة، نمثّل الأمة كما يجب أن تكون، متحدون في تنوعنا”، مضيفة “أيها السكان؛ مهاجرو شرق أفريقيا، وطلاّبها، التقينا وانخرطنا في العمل السياسي. وتحدثنا فيما يهمنا من قضايا وتواصلنا على المستقبل الذي نريد أنْ نخْلقه”، لتختم “خطاب نصرها” هي الأخرى بالقول “هذه الليلة، ونحن نحتفل بهذا الفوز، فوزنا، يجب ألاّ يتوقّف عملنا، وسوف نستمر في بناء عالم أكثر ازدهارا ومنصفًا للمقاطعة، وللدولة، حيث كل واحد منا لديه فُرص للتقدّم والازدهار والمضي قُدما معًا”.

ولدت إلهان عمر في الصومال عام 1982، وقبل أن تتم عامها التاسع، اضطرت مع أهلها إلى الانتقال إلى كينيا المجاورة، بسبب اشتعال الحرب الأهلية في بلادها عام 1991. وبعد أربع سنوات من العيش في مخيمات اللجوء في كينيا، هاجرت في عام 1995 مع عائلتها إلى الولايات المتحدة.

تربت على يد والدها وجدّها، وقد غرس الاثنان في ذهنها منذ أن كانت صغيرة أهمية الديمقراطية. استقرت العائلة في البداية في أرلينغتون بولاية فيرجينيا. ثمّ انتقلت إلى مينيابوليس، لتتعلم اللغة الإنكليزية بسرعة في ثلاثة أشهر فقط.

ثم بدأت بمرافقة جدها خلال لقاءاته وهي في الرابعة عشرة من عمرها، بوصفها مترجمة له. ودرست في جامعة “نورث داكوتا”، وتخرجت بدرجة البكالوريوس في العلوم السياسية والدراسات الدولية، وهو ما أهّلها لدخول عالم السياسة بقوة.

زعيم الأقلية في مجلس النواب بول تهاسان يقول إن "فوز عمر هو بيان حول مستقبل الدولة". وبالمثل تؤيد السيناتور سكوت ديبل عمر منذ وقت مبكر وتقول "أنا أعلم أنها سوف تلتزم للعمل من أجل المساواة"

السافر والمحجبة

بهذا الفوز لعمر، المرأة المسلمة واللاجئة أيضًا، تكون أولى الوعود التي قطعها المرشح الجمهوري ترامب على نفسه، في حال وصوله إلى البيت الأبيض، قد صارت في سبيلها للتبخُّر والتحلّل، بعد أن دغدغ بها مشاعر المُصابين بالإسلاموفوبيا منذ أحداث 11 سبتمبر 2001، ويبدو أنها ستذهب جميعها أدراج الريح.

فمنذ أن بدأ السباق الانتخابي وترامب يناصب العداء السافر للمسلمين والعرب، بل وذهب أبعد من هذا أثناء جولاته الانتخابية بأن قال «إن أميركا دونالد ترامب لا مكان فيها للمسلمين» في نبرة عنصرية مقتها العالم كله، حسبما نشرت الغارديان تصريحات سابقة له.

كانت نية ترامب تتجه إلى “منع تام وكامل للمسلمين من دخول البلاد”. ومرجع هذا العداء السافر منه يعود إلى نظرته العدائية حيث المسلمون من وجهة نظره “يؤوون الإرهابيين”. لكن لا تأتي الرياح بما تشتهى السفن، فقبل أن يتم تنصيبه كرئيس فعلي يمارس مهامه في العشرين من يناير المقبل 2017 وفقًا للتقاليد الأميركية، جاء فوز عمر بعضوية الكونغرس الأميركي عن الحزب الديمقراطي، بعد فوزها بعضوية مجلس نواب ولاية مينيسوتا، يوم الثلاثاء الماضي، لتكون أوّل فتاة مسلمة محجبة تحظى بعضوية الكونغرس الأميركي الذي يهيمن عليه الجمهوريون أيضًا.

نافست عمر على مقعد مقاطعتها بولاية مينيسوتا عن الحزب الديمقراطي، وتمكّنت من الحصول على أكثر من 80 بالمئة من الأصوات، مقابل 19.4 بالمئة لمنافسها الجمهوري عبدالمالك عسكر، لتصبح بذلك أوّل مُشرِّعَة مُسْلِمَة محجبة في تاريخ الولايات المتحدة.

وكانت إلهان، قد فازت بفرصة تمثيل الحزب الديمقراطي، في أغسطس الماضي، على حساب السياسية اليهودية المخضرمة والنائبة السابقة فيليس كاهن، في الانتخابات الداخلية بالحزب.

ديمقراطية التهديد

عمر تُمثِّل أوّل تحدٍ للرئيس الجديد، وقد تكون سببًا واضحًا لتغيّر مفهومه حول المسلمين، وهو ما تحققت نتائجه سريعًا، فعقب إعلان فوزه على منافسته كلينتون، تم حذف ما صرح به ترامب عن المسلمين من موقع حملته، وهو ما أثار موجة من السخرية على مواقع التواصل الاجتماعي.

وإن كان فريق ترامب قد أوضح لوسائل الإعلام أن نص الاقتراح الذي نشر في ديسمبر 2015 إثر اعتداء سان برناردينو في كاليفورنيا، اختفى عن الموقع بسبب خلل فني.

كان ترامب قد أشار في بيان له إلى “الهجمات المروّعة التي يُشنّها أشخاص لا يؤمنون إلا بالجهاد. ولا يُكنون أيّ احترام للحياة البشرية”. مُندِّدًا بـ”الكراهية” التي يُكنّها بنظره الكثير من المسلمين للأميركيين.

لم يطرح اقتراحاته حول هذا الأمر من جديد في ما بعد، لكن اقتراحه السابق بقي مُدرجًا على موقع حملته. وكان ردّ عمر على تصريحات ترامب المعادية بعد فوزها بأن قالت “حتى وإن كان يفترض أن رسالته تشكّل تهديدًا لنا لكي لا نُشارك في التصويت، ولكي لا نعتبر أنفسنا جزءًا من النظام الأميركي، فقد كان لذلك مفعول عكسي”.

إلهان عمر تفوز بعد أن نافست على مقعد مقاطعتها بولاية مينيسوتا عن الحزب الديمقراطي، وتمكنت من الحصول على أكثر من 80 بالمئة من الأصوات، مقابل 19.4 بالمئة لمنافسها الجمهوري، لتصبح بذلك أول مشرعة مسلمة مـحجبة في تاريخ الولايات المتحدة

لم تكن عمر تعبّر عن صورة الإسلام، بحجابها الإسلامي المميز والذي يعاديه ترامب الرئيس الـ45 للولايات المتحدة الأميركية فقط، بل هي أيضًا تنتمي إلى الصوماليين المهاجرين إلى أميركا، والذين هاجمهم أيضًا ترامب. حيث لم يَسْلم الصوماليون المقيمون في ولاية مينيسوتا في الأسبوع الأخير من حملته، واعتبرهم مسؤولين عن الاضطرابات التي تشهدها الولاية.

قال ترامب وقتها موجّهًا الحديث إليهم “هنا في مينيسوتا عشتم بشكل مُباشر المشكلات الناجمة عن سوء إدارة ملف اللاجئين مع وصول عدد كبير من اللاجئين الصوماليين إلى ولايتكم من دون علمكم بذلك حتى”. وأضاف “بعضهم انضم إلى تنظيم داعش. وينشرون آراءهم المتطرفة عبر البلاد وعبر العالم بأسره”.

وقد جاءت الفرصة سانحة لعمر لتردّ على هذه الاتهامات عقب فوزها مباشرة فقالت “أعتقد أن فوزنا هو مصدر إلهام لكثير من الشباب والملوّنين والمهاجرين وللجميع. حتى وإن لم يكن النظام ملائما لنا جميعًا، يمكننا مع ذلك أن نشق طريقنا ويمكننا أن نضمن خلق الفرص لأناس مثلنا”، مستغلة الفرصة لتعلن أن فوزها دليل على أنها يمكن أن تكسر الحواجز، فقالت إنها تعتقد “أن تلك الانقسامات بدأت تذوب. والناس بدأوا يعتبرون أنفسهم جزءا من المجتمع”.

الحجاب والديمقراطية

يبدو أن فصلاً جديدًا من الصّراع يبدأ. الصراع الذي شهدته أوروبا من قبل في علاقتها بالحجاب، وهو ما حدا بالكثير من الدول الأوروبية وأبرزها فرنسا إلى حظره، صراع بدأ عام 2004 بالتضييق على الطلبة في المدارس الرسمية لمنع إظهار أيّ رموز دينية.

لكن في 2011، ذهبت الحكومة الفرنسية أبعد من ذلك، بفرض حظر كامل على غطاء الوجه، وتغريم المرأة التي ترتديه بمبلغ 150 يورو، وأيّ شخص يجبر امرأة على ارتدائه يغرّم بمبلغ يصل إلى 30 ألف يورو، ثم توالت الحملة العنصرية من قبل الكثير من الدول التي حذت حذو فرنسا مثل بلجيكا وهولندا وسويسرا وغيرها من دول اتخذت من الحجاب وسيلة للتضييق على المسلمين.

وفي إطار الحملة العالمية ضد الحجاب واجهت عمر، المحجبة هي الأخرى، ممارسة عنصرية مقيتة بسبب حجابها. فقد تعرضت للضرب من قبل 7 أو8 أشخاص في تجمع حزبي عام 2014، بسبب حجابها وبشرتها السمراء، إلا أن ذلك لم يمنحها سوى المزيد من الإصرار على الاستمرار، كما قالت بنفسها. وها هي بعد مرور عامين على هذه الحادثة تصبح نائبة في الكونغرس الأميركي بهذا الزيّ الذي ضُربت بسببه من قبل.

لم تضع تلك الممارسات الإقصائية في حسبانها فكما نقلت عنها الغارديان البريطانية، قبيل الانتخابات، أن ما يشغلها الكثير. وبتعبيرها “لديّ الكثير مما قد يشكّل عائقاً في حياتي، أنا أرتدي الحجاب، قد تكون تلك مشكلة، إلا أن شخصًا ما عليه خوض ذلك التحدي، حتى يتيح للبقية أن يطلقوا العنان لأحلامهم”.

ليست عمر المرأة المسلمة الأولى التي تدخل المجالس التشريعية الأميركية، ولكنها الأولى التي تدخل تلك المجالس بالحجاب الذي يُشكِّل رمزية كبيرة، أثارت الجدل، ولا تزال، في الغرب، وشكلت اختبارًا حقيقيًا لقيم الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان هناك.

تأكيدًا على مكانة الدور التشريعي الذي تعيه جيدًا غرّدت إلهان على تويتر قائلة “تتم صناعة التاريخ. عمر هي ممثل الدولة القادم”. فالنائبة الجديدة ناشطة في مجال السياسات والمبادرات الخاصة بالمرأة، فتشمل إلى جانب السياسة، التعليم، والحقوق المدنية والعمل الاجتماعي والتخفيف من حدة الفقر، وحقوق الإنسان، والقضايا البيئية، والرفق بالحيوان، والتمكين الاقتصادي.

تدعم عمر أجر 15 دولاراً للساعة الواحدة كحد أدنى للمساهمة في تحمّل التكاليف الدراسية، كما تطالب بتعليم مجاني للطلاب الذين ينتمون لعائلات ذات دخل أقل من 125 ألف دولار.

وتطالب أيضًا بتطبيق إعفاء للطلاب من القروض، حيث تُعطي أولوية لتمويل التعليم وتسهيل الالتحاق بالمؤسسات التربوية. وتؤكد أنها تريد أن تساعد النساء صاحبات المشاريع، ومتابعة إصلاح العدالة الجنائية وضمان الهواء النقي والمياه.

كما لا يقتصر اهتمامها على مصير اللاجئين الصوماليين، إذ أنها تبذل جهودًا أيضا من أجل أقليات أخرى مثل المهاجرين من شرق أفريقيا والليبراليين البيض والطلاب.

أوّل تحد للرئيس الجديد، تمثله ظاهرة إلهان عمر وشبيهاتها، وقد تكون سببا واضحا لتغير مفهومه حول المسلمين، وهو ما تحققت نتائجه سريعا، فعقب إعلان فوزه، تم حذف ما صرح به عن المسلمين من موقع حملته الانتخابية

برنامج ممثلة الشعب

على عكس فوز ترامب بالانتخابات الرئيسية جاء استقبال فوز عمر بعضوية مجلس النواب، فكانت ثمة فرحة غامرة بين أنصارها وداعميها، وكأنّ الفرحة بمثابة الردّ العمليّ على هذه الاتهامات التي كالها ترامب للمسلمين وللاجئين في آن واحد حيث كان السيناتور باتريشيا توريس راي، واحدًا من المسؤولين المنتخبين، وأوّل مَن دعّم إلهان حيث أشار إلى أنّ “الكثير من الناس حاولوا تفريقنا خلال هذه الانتخابات، لكنها عَمِلَتْ بلا كلل لتجلبَ لنا النصر معًا. وأنا أُرحِّبُ بها إلى مبنى الكابيتول بأذرع مفتوحة”.

زعيم الأقلية في مجلس النواب بول تهاسان قال إن “فوز عمر هو بيان حول مستقبل الدولة. إنه يقول شيئًا مهمًّا حول مستقبل مينيسوتا، وماذا يعني أن تكون مينيسوتا؟”.

وبالمثل أيّدت السيناتور سكوت ديبل إلهان منذ وقت مبكّر وقالت “أنا أعلم أنها سوف تلتزم للعمل من أجل المساواة عن طريق إغلاق الفجوة والقضاء على الفوارق العرقية”. فالكثيرون اعتبروا فوز عمر “نقطة مضيئة في هذه الدورة الانتخابية”.

في عام 2012، عملت عمر مديرة لحملة كاري دزيدزيك لعضوية مجلس شيوخ الولاية، عن الحزب الديمقراطي، ورفع نجاح الحملة من رصيدها في أوساط الحزب، وأهّلها لتولّي مهمات سياسية أخرى.

أما مواطنها اللاجئ عبدالله جيسو، وهو أحد وجهاء المجتمع من القاطنين في المنطقة، فقال “لم أتخيّل أبدًا هذا اليوم بينما كنت أعيش في الصومال. حلمنا أن نشارك في الديمقراطية التمثيلية، واليوم كمواطن أميركي، أرى أن الحلم أصبح حقيقة، إنه لشرف لي أن أصوّت لأول مشرّعة قانون صومالية أميركية مسلمة، وإنني في غاية الفخر لكونها أول مُمَثّلة جديدة لنا. إنّه حقًا ليوم عظيم”.

في عام 2014 سُمّيتْ إلهان عمر، في قاعة السيدات بحزب العمال الديمقراطي بالنجم الصّاعد، وقد حصلت أخيراً على جائزة الريادة المجتمعيّة. وهي تدير منذ سبتمبر 2015، قسم السياسات والمبادرات في مؤسسة “النساء ينظّمن النساء”، التي تقوم بالدفاع عن المتحدرات من شرق أفريقيا، ودعمهن لتولي مناصب قيادية على المستويات المجتمعية والسياسية.

8