"إلى آخر الزمان" فيلم جزائري يبحث في فلسفة الموت

موضوع فيلم "إلى آخر الزمان" يشكل تحدّيا فنيا كبيرا بالنظر إلى الذكاء النقدي الثاوي فيه، فالموت معادل للحياة، والمقبرة رديف للوطن.
الثلاثاء 2018/05/08
المرآة تعكس دواخلنا

محمد أشويكة

أخرجت المخرجة الجزائرية ياسمين شويخ أول فيلم روائي طويل لها تحت عنوان “إلى آخر الزمان”، والذي تدور أحداثه في قلب مقبرة تسمّى “سيدي بولقبور”، ذلك المكان الذي تلتقي فيه مصالح عدة شخصيات كالقائم عليه وراعيه الديني والروحي، وهو شاب ورع في مقتبل العمر، سرعان ما سيغادر المكان صوب الحج ويترك أمر تدبيره لحفّار القبور “علي” (الجيلالي بوجمعة) البالغ من العمر سبعين عاما.

وهناك شاب آخر عاطل عن العمل يرغب في استصدار رخصة قانونية قصد تكوين شركة تخص التكفل بتنظيم مآتم الموتى وتيسير دفنهم والقيام بكل ما يتعلق بذلك من إجراءات قانونية وطقوس دينية وموائد واحتياجات.

 

يقول أبيقور “عوّد نفسك على التفكير في أن الموت لا يعني شيئا”، من هنا ربما استلهمت ياسمين شويخ ثيمة أول أفلامها الروائية الطويلة والمعنون بـ”إلى آخر الزمان”، وفيه تعالج المخرجة الجزائرية ببلاغة شاعرية ثنائية الموت والحياة

يستند الحكي الفيلمي على رصد الاستعدادات الكثيفة والاستثنائية التي تعرفها المقبرة لاستقبال الأسر والعائلات القادمة إلى المكان بمناسبة الزيارة الموسمية للتّرحم على أرواح موتاها.

وسيلتقي علي المرأة “جوهر” (جميلة عريس) ذات الستين عاما، والتي جاءت لزيارة قبر شقيقتها للمرة الأولى بعد فقدان زوجها، لنكتشف مع تطوّر السرد الفيلمي أن للسيدة جوهر رغبة عارمة في أن يكون مثواها الأخير بجوار شقيقتها.

ولذلك سينشغل بالها بالانخراط المسبق في التحضير لجنازة تليق بها، إذ ستستعين بخبرة علي لمساعدتها في تحضير القبر اللائق، وكل ما يتعلق بطقوس الوداع من دفن ومأدبة ومناحة، لكنه، وعكس حالة اليأس المسيطرة على المرأة، وفي خضم فترة الإعداد سينفتح كل واحد منهما على الآخر، وهو الأمر الذي سيفتح بينهما علاقة خاصة، ملؤها الأمل والحياة بالرغم من العوامل المحبطة كالسن والظروف الضيقة الدائرة بهما.

ويشكل هذا الموضوع تحدّيا فنيا كبيرا بالنظر إلى الذكاء النقدي الثاوي فيه، فالموت معادل للحياة، والمقبرة رديف للوطن، والصراع القائم حول اقتصاد المقبرة عِرَاك يعكس في عمقه ذاك الذي يعتمل بأمكنة ومجالات أخرى، فلا يمكن إلاّ أن نتصوّر الفيلم داخل البيئة الصادر عنها، إذ يصعب الفصل بين الواقع والخيال لأن البنية الدرامية للفيلم مبنية على نوع من الوثائقية الشاعرية البليغة. فالمقبرة مجرد مجاز لتمرير رؤية حول المجتمع ومؤسساته التي جعلت الناس يبحثون عن الحياة في الموت وعن السعادة قرب القبور.

ما معنى أن ننتظر الموت أو نستعجله، والحال أن مقاومة المرض وتجاوز الفاقة والحرمان من مضاداته الصارخة؟ ذاك ما لا تعكسه حيوات المجتمع الفيلمي، فالاقتصاد المتواضع للمقبرة هو اقتصاد ميّت مصدره الأموات، وهو محط صراع بين رجل الدين الذي يرعى تدبير الشأن الروحي في علاقته بما هو اقتصادي وإداري، ممّا يؤشر على عدم انفلات أي ممارسة غير مسموح بها.

وهناك الشاب الذي دفعه يأسه نحو التفكير في تجديد طرائق الدفن، ومأسسته وفقا للتصورات التسييرية والتدبيرية الحديثة، لا سيما وأن الأفق مسوّد ومسدود في نظره ممّا دفعه لتكثيف الضغط على الشيخ قصد منحه الموافقة التي ستسهل له عملية تأسيس شركته الخاصة لدفن الموتى: لقد تكاثروا وسيتكاثرون لا محالة.

ليس الموت مجرد فعل بيولوجي تنتهي بموجبه حياة الإنسان وبقية الكائنات الحيّة الفانية، وإنما هو حدث وجودي يترتب عنه أثر وشرخ يستدعيان التفكير في الموت عينه، بل وفي الموت الشخصي، وفي موت الآخر ممّا يحوّله إلى موضوع للتأمل والتفكير، فهو حادث غير قابل للإعادة والتكرار، ولهذا فلا يمكن إلاّ تخيله. واستنادا على تلك الرؤية، تجد الأعمال الإبداعية (الأدب والسينما مثلا) في الموت مرتعا خصبا لطرح الإشكالات الإنسانية الأكثر إلحاحا.

ياسمين شويخ اختارت أسلوبا سينمائيا يرقى بالمجاز البصري إلى مستوى البلاغة الشاعرية
ياسمين شويخ اختارت أسلوبا سينمائيا يرقى بالمجاز البصري إلى مستوى البلاغة الشاعرية

هكذا انحازت المخرجة ياسمين شويخ في فيلمها “إلى آخر الزمان” إلى مقاربة موضوعة الموت من وجهة نظر السينما بشكل واقعي، إذ تسلم الشخصيات بقهريته، وتستعد له دونما التفريط في الحياة، بل هناك من يسعى للحياة كمجال للوجود الفعلي قبل أن ينقطع عنها ويندحر صوب العالم الآخر.

واختارت المخرجة الجزائرية ياسمين شويخ أسلوبا سينمائيا يوظف الاستعارات، ويرقى بالمجاز البصري إلى مستوى البلاغة الشاعرية، فالصورة السينمائية مضيئة بشكل فني يناسب الديكورات والحالات النفسية للشخوص بالرغم من قتامة الظروف العامة ممّا يفتح باب التفـاؤل على مصـراعيه. كمـا أن الإطـارات السينمائية متنوعـة، شاسعة، وغير مضغوطة، تفسح المجال للتعبير أكثر عبر التركيب وعمق المجال وخصوبة المنظور.

وإذا كان الموت يمثل الأرضية الفلسفية للفيلم، فإن المشهد الأخير يُذكِّي قوة الخيال الخلاّق للفيلم؛ إذ يقود حفار القبور علي شاحنة متهالكة، يستعملونها للقيام بتيسير العمل في المقبرة، والتي تشبه تلك التي يستعملها العسكر، فينزل منها ذلك “المَرْفَع” الذي يتم وضع نعش الميت فيه ورفعه على الأكتاف قصد تشييعه إلى حفرته المعتمة، وبعد ذلك يصعد الرجل الشاحنة كي يقودها صوب وجهة مجهولة/معلومة.

لا يمكن أن نختلف حول رمزية المقبرة في الأساطير والأدب والفن، ولكن التجديد يكمن في الموضوع الدائر فيها كفضاء يحتضن الأحداث والوقائع الفيلمية التي تبدو في الظاهر عادية (دين، حفار القبور، وزوار..)، لكنها عميقة في طرحها، مختلفة وطموحة في سعيها نحو بلورة رؤية سينمائية تحمل معول النقد تجاه الذات والواقع.

والموت البطيء يتربّص بالعباد، وإطالة الأمد مرغوب فيها مهما كان الثمن، بل إن السعي لتحويل الجميع إلى أموات (إكلينيكيا) هو تقنية من تقنيات الرؤية الشمولية للحكم والتحكم، لذلك، هناك أيديولوجيات يتمحور مدار صراعها حول الرؤية الداعية للصبر،  والاستسلام للقدر.. وأخرى تحلم باستنزاف الحياة حتى آخر نَفَسٍ، ولو أن تجارة الموتى هي ما تتاح للبعض تجاه تسييج الاقتصاد -كليا- وإقبار الحلم بالرفاهية، والسعادة التي يمكن أن يجلبها استثمار الثروة وتقاسمها بشكل منصف وعادل.

ولا يطرح الفيلم الموت كمعطى مجرد، قهري، متعال، وشخصي، بل يناقشه من خلال تلك الظروف القهرية التي تفرضها الظروف السياسية والاقتصادية على الشخوص، فتضعهم في وضعية القصور التي تكاد تعصف بشرطهم الإنساني، وما السينما هنا إلا ذلك الكاشف عن حماقة مثل هذا الموت الذي يبرّر الموت ذاته.

16