إلى أين أنت ذاهبة يا باكستان؟

إسلام آباد تستكشف طرقا جديدة لرسم مسار أكثر استقلالية وانفتاحا.
الاثنين 2021/06/21
في انتظار فتح الأبواب

تظهر العديد من المؤشرات أن باكستان تسعى بكل الوسائل الدبلوماسية المتاحة أمامها للتماهي مع المتغيرات الإقليمية والدولية التي تدور من حولها، من خلال إعادة التموضع سياسيا واقتصاديا وعسكريا. فإسلام آباد تحاول استكشاف طرق بعيدة عن فلك بكين بعقد شراكات تجارية واستثمارية مع الرياض، وفي نفس الوقت تجس نبض واشنطن قبل الدخول في تعاون معها تحت يافطة مكافحة الإرهاب.

واشنطن - تكتسب باكستان زخماً في النظام العالمي الجديد، إذ تشير التحركات السياسية الأخيرة إلى أن الدولة المكتظة بالسكان والمسلحة نوويا تتحول من مجرد كونها تركز على الدين فقط إلى دولة تقيم علاقة أكثر توازناً مع الصين والولايات المتحدة.

لكن لا يجب أن تكون هذه النظرة متبادلة بين الطرفين، ومن المرجح أن تثير الدولة، التي يعتمد نظامها التعليمي بشكل جزئي على العلوم الشرعية وحفظ القرآن بدلاً من ترسيخ سياسة متوازنة ومنفتحة في التعليم، الدهشة في واشنطن وبكين.

ولطالما اعتبرت باكستان علاقاتها مع الصين بمثابة صداقة وشراكة استراتيجية، لكنها كانت تستكشف مؤخرًا طرقًا لرسم مسار أكثر استقلالية تتمثل في توثيق العلاقات التجارية والاستثمارية مع السعودية، وإقامة شراكة عسكرية مع الولايات المتحدة.

مفترق حاسم

علاقات وثيقة
علاقات وثيقة

تعززت العلاقات بين إسلام آباد وبكين من خلال استثمار صيني يصل إلى 60 مليار دولار في الممر الاقتصادي الصيني -الباكستاني، وهو حجر الزاوية في البنية التحتية والنقل ضمن مبادرة الحزام والطريق، التي تحركها الطاقة. وكان قد أطلقها الرئيس الصيني شي جين بينغ في 2013.

وبسبب ديون باكستان المثقلة التي تدين بها للصين نتيجة الحزام والطريق الذي ساهم بشكل كبير في إمدادات الكهرباء والبنية التحتية للمواصلات، سيتعين على إسلام آباد أن تخطو بحذر بينما تستكشف هوامش قدرتها على المناورة.

ومع ذلك، لا بد من الإشارة إلى أن الممر الاقتصادي الصيني -الباكستاني قد لا يفي بوعده بتعزيز مكانة البلاد بشكل كبير كمحور رئيسي للنقل البحري والبري في الحزام والطريق.

واتفقت باكستان مؤخرًا مع السعودية على الابتعاد عن تشييد مصفاة ومجمع بتروكيماويات بقيمة 10 مليارات دولار في ميناء غوادر، الذي كان يُنظر إليه منذ فترة طويلة على أنه جوهرة تاج الحزام والطريق. وتنظر الدولتان إلى مدينة كراتشي الساحلية كبديل.

وكان ميناء غوادر محملاً بالمشكلات منذ سنوات. وقد تأخر استكماله مرارًا وسط تصاعد الاستياء بين السكان البلوش العرقيين في مقاطعة بلوشستان الباكستانية، وهي إحدى المناطق الأقل نموًا في البلاد. وتوقف العمل في بناء سياج حول الميناء أواخر العام الماضي عندما احتج السكان المحليون.

احتمالات عودة ظهور باكستان كأرض خصبة للمتشددين المسلحين تثير اهتماما لافتا لدى الصينيين والأميركيين

ومن شأن بناء المصفاة في كراتشي أن يضعف آمال الصينيين في ظهور غوادر كمركز تنافسي على قمة بحر العرب. وقد أصبحت الشكوك التي تشوب مستقبل غوادر هي أحد الأسباب التي تجعل طاجيكستان غير الساحلية، وكذلك أفغانستان، تنظر إلى الموانئ الإيرانية كبدائل.

واتفقت السعودية وباكستان على بناء المصفاة في غوادر في عام 2019 خلال زيارة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان. وقد أشارت دراسة جدوى ممولة من السعودية منذ ذلك الحين إلى أن غوادر تفتقر إلى خط الأنابيب والبنية التحتية للنقل لتبرير المصفاة. وسيتم قطع المصفاة عن كراتشي مركز إمدادات النفط في باكستان.

وفي سياق مماثل، تناقش باكستان إمكانية إنشاء قاعدة عسكرية في البلاد يمكن للقوات الأميركية من خلالها دعم الحكومة في كابول بمجرد مغادرة الأميركيين أفغانستان في سبتمبر المقبل بموجب اتفاق مع طالبان.

ويبدو أن واشنطن وإسلام آباد لم تعقدا بعد اتفاقاً بشأن الشروط التي من شأنها أن تحكم الوجود العسكري الأميركي في باكستان، لكن حقيقة أن باكستان مستعدة لقبول الفكرة لن تمر مرور الكرام في بكين.

خطر التشدد

قوة عسكرية لها وزنها
قوة عسكرية لها وزنها

تقع باكستان على حدود مقاطعة شينجيانغ المضطربة في الصين، وهي موطن أقلية الإيغور المسلمة، حيث يواجه هؤلاء محاولة صينية وحشية لسحق هويتهم الدينية والعرقية.

وتخشى الصين من أن باكستان، وهي واحدة من الدول القليلة التي شهدت احتجاجات ضد حملة القمع في الأيام الأولى، يمكن أن يستخدمها المسلمون الأتراك، بمن فيهم المقاتلون الذين فروا من سوريا، كنقطة انطلاق لشن هجمات على أهداف صينية في الدولة الواقعة بجنوب آسيا أو في شينجيانغ نفسها.

ومن المرجح أن تكتسب فكرة عودة ظهور باكستان كأرض خصبة للمسلحين زخمًا في بكين وواشنطن، حيث تنفذ باكستان إصلاحًا تعليميًا من شأنه إضفاء الطابع الإسلامي على المناهج في جميع المجالات من المدارس الابتدائية إلى الجامعات. ويقول المنتقدون إن الدين سيشكل ما يصل إلى 30 في المئة من المنهج الدراسي.

وتتناقض أسلمة التعليم الباكستاني المتجذرة في المفاهيم الدينية المحافظة بشكل صارخ مع تحركات دول مثل السعودية والإمارات للتخلص من التركيز على التعليم الديني والتأكد من أنه أكثر تعددية. وقد نصبت الدولتان الخليجيتان نفسيهما على أنهما من أنصار الأشكال المعتدلة للإسلام التي تسلط الضوء على التسامح الديني بينما تدعم الحكم الاستبدادي.

وأكد محمد بشير خان عضو البرلمان عن حزب رئيس الوزراء عمران خان الحاكم “باكستان دولة إسلامية أيديولوجية ونحن بحاجة إلى تعليم ديني. أشعر أنه حتى الآن لم يتم أسلمة مناهجنا الدراسية بالكامل، ونحن بحاجة إلى المزيد من أسلمة المناهج، وتعليم المزيد من المحتوى الديني للتدريب الأخلاقي والأيديولوجي لمواطنينا”.

خطط بناء قاعدة عسكرية أميركية في باكستان قد تقبلها إسلام آباد لحماية نفسها لكن ستكون سبب إزعاج لبكين

وبشكل ضمني، كان خان، البرلماني، يقترح أن تسعى باكستان للحصول على دور قيادي محافظ في العالم الإسلامي حيث تتنافس القوى المختلفة، بما في ذلك السعودية والإمارات وتركيا وإيران وإندونيسيا على فرض القوة الناعمة الدينية في ما يرقى إلى معركة من أجل روح الإسلام.

ويعزز الإصلاح التعليمي جهود رئيس الوزراء خان ليكون المتحدث باسم القضايا الإسلامية. واتهم رئيس الوزراء الباكستاني الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بنشر الإسلاموفوبيا وطالب فيسبوك بحظر التعبيرات والمنشورات المعادية لمشاعر المسلمين.

ويحذر المنتقدون من أن المنهج الدراسي لن ينتج عنه مجتمع متسامح وتعددي. وتقول الخبيرة التربوية روبينا سايغول إنه “عندما تنحاز الدولة إلى طائفة واحدة أو مع تفسير فردي للدين، فإنها تفتح الأبواب أمام صراع طائفي يمكن أن يتحول إلى عنف. هناك تشدق بشأن أفكار التنوع والاندماج والتبادلية”.

وتضيف “لكن، في الواقع، فإن مشروع المنهج الوطني الفردي المتحيز للجنس والطائفة والقائم على أساس طبقي، سوف يزيد من حدة الاختلافات الاجتماعية، ويقوّض ديانات وطوائف الأقليات، وينتهك مبادئ الفيدرالية”.

وقد حذر السناتور السابق فرحات الله بابار كذلك من أن “المنهج الوطني الفردي يفتح الباب أمام معلمي الحوزة (الدينيين) للدخول إلى المؤسسات التعليمية السائدة”. وأضاف “من المعروف أن غالبية تعليم طلاب الحوزة يرتكز على الطائفية. تخيل عواقب دخول معلمي اللاهوت المدربين والمتعلمين في التربية الطائفية إلى المؤسسات التعليمية الحالية”.

7