إلى أين يسير اليمن؟

الخميس 2015/04/16

استوحيت عنوان هذا المقال والإجابة عليه من كتاب صدر في عام 2007 للمفكر الفرنسي إدغار موارن “إلى أين يسير العالم؟”، ومقال صدر له في عام 2003 بعنوان “نحو الهاوية” يرصد فيهما تغير أحوال كوكب الأرض وضياع البوصلة بين البحث عن طوق نجاة للإنسانية والسقوط في جب المخاطر التي تهدده في كل آن وحين.

وهكذا كان حال اليمن يسير نحو الهاوية حتى جاءته “عاصفة الحزم” لتخرجه من هيمنة خارجية استبدادية كانت محتومة عليه، ومصير بائس ويائس ينتظره، فضلا عن مستقبل مظلم مليء بفوضى عبثية ستجعل منه بؤرة نزاعات وصراعات طائفية تعصف به.

لقد برزت ملامح هذه الصورة السوداويّة لمستقبل اليمن من خلال المواقف والخطابات السياسية التي كانت تعمل على صناعة “حزب الله” آخر في اليمن، ظاهره المناداة بتفعيل مخرجات الحوار الوطني وباطنه محاولة للسيطرة على مفاصل الدولة ومقدّراتها لتصبح جماعة “أنصار الله”، “شرطي اليمن” القادم، والذراع التي تستخدمها إيران في إثارة القلاقل وعدم الاستقرار في اليمن ومنطقة الخليج والمملكة العربية السعودية على وجه الخصوص، بحكم أنّ هذه الأخيرة هي التي دائما ما تقف أمام المشروع الإيراني الفارسي التّوسعي الذي يقوم في جوهره على الرغبة في الهيمنة السياسية وزرع الفتن الطائفية في العالم العربي ومحيطه.

ولقد ظهرت فكرة السديم السياسي هاته جلية للعيان من خلال الجنون الحوثي، عندما انكشفت ردة الفعل السياسية الإيرانية تجاه سقوط صنعاء في يد “عصابة” عبدالملك الحوثي، ولم يستطع فيها أصحابها إخفاء أطماع طهران وأحقادها تجاه العرب والمسلمين، حيث أكّدت قناة “من و تو” الإيرانية -التي تبث من لندن– “أنّ سيطرة الحوثيين على قصر الرئاسة تعني انتصارا لطهران، لأنهم مقربون من الإدارة الإيرانية”، مشيرة إلى “أنّ المسؤولين في إيران كرّموا أكثر من مرة جماعة أنصار الله، وأثنوا على الدور الذى يقومون به في اليمن”، معتبرة “أنّ تواجدهم يمثل شوكة في حلق السعودية وفي خاصرة الجزيرة العربية عموما”.

وفي الوقت نفسه، هللت هذه الهمجية الإيرانية، وهي ترى سقوط رابع عاصمة عربية تقع في شراكها كمطية يسعى من خلالها الإيرانيون إلى تقويض المجتمعات العربية والسيطرة عليها، ما دام أن ذراعهم الحوثية في اليمن تكرس هذه الأجواء وتساعدهم في تحقيق مساعيهم التي لا تحمل سوى الشرور بمختلف أشكالها إلى المنطقة، حيث أنّ إيران لم تجلب للمناطق التي أصبح لها نفوذ فيها، غير الويلات والاقتتال والصراع الطائفي والتناحر المذهبي.

وفي هذا الإطار، يطرح سؤال مفاده؛ ماذا قدّمت إيران لليمن؟ هل بنت المستشفيات والمدارس والجامعات؟ بالطبع لا، فدول الخليج وفي مقدمتها السعودية، هي التي تكفلت بذلك، شأن مستشفى صعدة الذي تمّ تشييده في سبعينات القرن الماضي في تلك المنطقة التي كانت مقطوعة الصّلة بزمانها خالية من كلّ مدارس أو مشاريع تنموية، فضلا عن كونها تستضيف أكثر من مليون يمني على أراضيها.

إن قدر المملكة السعودية بحكم مكانها ومكانتها، وبحكم التاريخ، أن تكون دوما راعية وحاضنة، داعمة ومساندة لكل قضايا العرب والمسلمين. ومن ثم، كانت “عاصفة الحزم” استجابة لنداء الحكومة الشرعية ونجدة أهل اليمن، حتى لا يقعوا ضحية للأخطبوط الصفوي الذي يعمل على العبث بالسيادة اليمنية وإرساء حالة من عدم الاستقرار، خططت لها طهران في أوكارها وعمل الحوثيون على تنفيذها بمساندة من الرئيس السابق صالح الذي ارتمى في أحضان إيران طمعا في تحقيق مكاسب سياسية وحفاظا على ما استولى عليه من الخزانة اليمنية وانتقاما من الشعب اليمني الذي خلعه. وتؤكد هذا العداء لليمن وشعبه مواقف الابن أحمد علي عبدالله صالح الذي وجه قواته لتدمير عدن ومحاربة كل من يدعم الشرعية.

أمّا المرابيون والمترددون الذين وقفوا أمام التدخل العربي في اليمن، وخابت مواقفهم بفضل الإجماع الذي تحقق، فماذا يريدون لليمن؟ هل يردونه عراقا ثانيا، أم أنّهم يريدون حاله كحال دمشق، حيث يقصف الشعب المستضعف بالبراميل المتفجّرة وبالأسلحة الممنوعة دوليا. أم تراهم يقبلون بأن يصبح الحوثيون مثل “حزب الله” في لبنان، وأن يشكلوا “دويلة” داخل دولة، تدين بالولاء لغير وطنها؟

ومن جهة، يقول أمين عام “حزب الله” في خطبة يرى أنها “عصماء”، ماذا قدمت السعودية للبنان غير التدخل في شؤونه الداخلية؟ ومن جهة أخرى، يعرف كل منصف حقيقة ما قدّمته المملكة للبنان؛ من بنى بيروت؟ ومن دعم مشاريع لبنان الاقتصادية وبنيتها التحتية؟ ومن ظل يدعم ميزانية الدولة؟ ومن جهز جيش لبنان؟

بالمقابل ولدى الحديث عن التدخل في الشأن الداخلي اللبناني؛ فمن أوجد “حزب الله” ودعمه بالمال والسلاح لتصفية المشروع الوطني اللبناني؟ ومن يحارب في سوريا بدعم إيراني لحماية بشار الأسد؟

لا يملك المرء أن يكون مثل “زرقاء اليمامة”، حتى يرى بأم عينه حقيقة كل القوى التي تدعمها إيران وتهدف إلى بثّ الفتنة وعدم الاستقرار أينما حلّت وارتحلت في الوطن العربي، فإيران ليس لها نفوذ ولا يمكن أن يكون لها نفوذ إلا من خلال قوى الشرّ، هذه، التي تدعي الفضيلة اعتباطا.

وفي خضم لمّ الشمل العربي، ليس هناك من طريق غير العمل العربي المشترك الذي تحدده وحدة المصير وميثاق جامعة الدول العربية واستجابة لحق الجار إذا استجار، وهو ما فعلته القوات العربية في ذي قار، حيث تدخّلت دول التحالف العربي لكي تطلق “عاصفة الحزم” لإنقاذ اليمن حتى لا تحل به الكارثة فتخنقه عمائم ولاية الفقيه، مثلما حصل في عدّة عواصم أخرى.

إنّ استقرار اليمن وتحقيقه لمتطلباته التنموية، يضمن استقرار العالم العربي عموما، فهو امتداده الطبيعي تاريخا وجغرافيا، ومن ثمّة فإنّ الرياح التي تأتي من وراء البحار، هي استيهام محض وسراب وهمي أعمت به طهران الحوثيين لتمرير مشاريعها التوسعية في المنطقة.

أستاذ جامعي، جامعة الملك سعود

6