إلى أين يمكن أن يأخذنا الحب

تداولت مختلف الثقافات الإنسانية عبر العصور، فكرة بحث الإنسان الدائب عن العلاقات الاجتماعية وخوفه الدائم من العزلة، ولعل مفهوم الحب كان هو خياره ومقصده الأول للتغلب على هذا الشعور؛ قد تكون هذه العاطفة موجهة إلى حب الذات الإلهية أو قد تتمثل في حب رومانسي للشخص الآخر، وأيا كانت الخيارات المتاحة، فإلى أين يمكن أن يأخذنا هذا الحب؟
الأربعاء 2016/02/17
الحب هو الجزء المتوقد من الحياة

في كتابها الجديد، “الوجودية والحب الرومانسي”، تتطلع الكاتبة الأميركية وعضو الجمعية الفلسفية الأميركية سكاي كليري، إلى مصدر آخر غير متوقع للإجابة عن تساؤل: أين يمكن أن يأخذنا هذا الحب؟ وفي العموم، فإن الوجودية ارتبطت في الغالب بمشاعر الاكتئاب والقنوط، إلا أن المفكر الفرنسي جان بول سارتر مثلا شخص الوجودية وفق فلسفة معينة باعتبارها مصدرا للصلابة والتفاؤل، فالفلسفة الوجودية لا تعني اليأس في التعامل مع حقائق الحياة بل تعلمنا كيفية التغلب على هذا الشعور وربما نجد فيها لمسة عن الحب، وهذا بالتحديد ما ذهبت إليه كليري في مؤلفها الجديد.

ولعل الفكرة الرئيسة التي تربط بين الحب الرومانسي والوجودية، هي الصراع المستمر وغير المستقر لمحاولة اكتساب الفرد المعرفة الذاتية أثناء توحده في علاقته بالآخر، هذه العلاقة التي قد تفقده ذاته الحقيقية ربما. وتضمن كتاب كليري الكثير من التفاصيل المرحة عن حياة الحب لدى الوجوديين.

وتتبنى كليري وجهة نظر الفيلسوف شتيرنر بقوله “نحن محكوم علينا بالعزلة”، على الرغم من أن أحدهم قد يقول للآخر “لا أستطيع أن أشعر بألمك، لا أستطيع أن أشعر بفرحك، لا أستطيع أن أشعر بوجع قلبك، لا أستطيع أن أشعر بألمي الخاص وهو كل ما يمكنني أن أشاركه معك”، فإن هذا قد لا يجعل من الحب مستحيلا، لأننا وكما ترى كليري، نحب شعورنا بأننا محبوبون من قبل الآخر الذي يشاركنا شعور الحب والعطاء ويعجب بصفاتنا أيا كانت، وبالمقابل تحركنا الرغبة في الحصول على شيء مقابل مشاعرنا هذه حتى إذا كان هذا يدفعنا إلى تقديم تضحية بسيطة للآخر لإسعاده.

وفي استعراضها لفلسفة الألماني ماكس شتيرنر، تتساءل الكاتبة الأميركية عما إذا كانت وجهة نظره هذه عن الحب هي مجرد نوع من السخرية اللاذعة أم أنها تعبير عن واقعيته وربما تجربته المريرة في الحياة والحب التي عكستها كتاباته، حين كان يقول “أستطيع أن أحب بكامل مشاعري، وأن أسمح لقلبي بأن يحترق بوهج العاطفة، من دون أن يكون للشخص الذي أحبه دور في إذكاء شعلة هذه العاطفة، التي ستجدد نفسها من تلقاء نفسها”. وهي ترى أن شتيرنر يبدو سعيدا جدا حيال هذا الأمر لكنه قد يكون على حق في ذلك، فليس من السهل تجاوز الفجوة بين الذات والآخر وهي مناسبة تستحق الحزن لا الفرح، حيث يبدو أن شتيرنر قد قدم المصلحة الذاتية لتبرير أنانيته.

إذا كان لا بد من المصلحة الذاتية في الحب فهذا لا يعفينا من إظهار بعض الاهتمام بالآخرين

ترى كليري أن الأنانية في الحب مفهوم ضيق عن المصلحة الذاتية، فهي تنطوي على عدم احترام الآخرين، وعلى النقيض من ذلك، فإن المصلحة الذاتية يمكن تفسيرها على نطاق أوسع من ذلك، يمكنها أن تضع الآخرين في الاعتبار من دون المساس بالذات، فإذا كان لا بد من المصلحة الذاتية في الحب فهذا لا يعفينا من إظهار بعض الاهتمام بالآخرين، أفراحهم وأحزانهم، فهذا أيضا يصب في مصلحتنا الخاصة، فنحن لا نريد بالتأكيد أن ننتهي إلى ما آل إليه مصير شتيرنر، تقول كليري، الذي عاش حياته بأنانية مفرطة ومات مفلسا من الحب.

تضع الكاتبة في النهاية موجزا لمفهومها عن الوجودية والحب الرومانسي فتقول “يسعى المحبون إلى مدّ جسور التواصل بينهم إلا أن هذه الجسور نفسها قد تكون من الهشاشة، بحيث لا يمكنها الصمود طويلا في الأزمات، لكن على الرغم من عدم قدرتنا على الشعور بما ينتاب الآخر من فرح أو حزن إلا أننا يمكننا أن نتغلب على شعور التباعد والعزلة الذي تفرضه الظروف باستلهام قلب المحبة وتلك الرابطة الروحية التي تنشأ بين اثنين على الرغم من هذا التباعد، إنها المشاعر الصادقة والتقارب النفسي حتى غير المعلن منه، فنحن لا نريد نهاية موحشة لحياتنا تغلفها الوحدة.

من جانبه، يرى عالم النفس الألماني إريك فروم، أن الحب هو الجزء المتوقد من الحياة وهذا هو الجزء الذي نحبه بالتحديد أن ينمو أمامنا ويزهر، ولهذا يصبح من الصعب علينا أن نحب شخصا ما من دون محاولة فهمه، فالحب اهتمام، مسؤولية، صبر، رعاية واحترام وحياة مشتركة ومحاولة الإيمان بشيء لا يمكننا أن نتحقق من وجوده حتى، وعندما يتحقق هذا الحب فهذا يعني أننا استطعنا الإفلات من سجن عزلتنا.

21