إلى أي مدى الأوضاع الاقتصادية سيئة

السبت 2016/03/19

للحقيقة أجد أن تطوير الفهم الاقتصادي، بالتوازي مع الفهم السياسي، من أساسيات الوعي والمعرفة الكلية بالحياة، بما يتيح لكل فرد أن يرتفع إلى مستوى الأحداث ومواكبتها بصورة فاحصة تدرك المتغيرات ويكتسب معها أفقا معرفيا يتخذ وفقه قراراته ويحدد خياراته ومواقفه.

وذلك أمر لا يحتاج سوى إعادة اكتشاف للذات، فبداخل كل منا حس اقتصادي أو سياسي أو ثقافي وغيره، وتتفاوت درجة الاهتمام والتعاطي بحسب الميول والاتجاهات، غير أن تسارع الأحداث في المسارين السياسي والاقتصادي يفرض نزعة للتحليل والمتابعة والاستقراء بما يجعلنا أكثر حرصا على معرفة ما يدور.

اطلعت على تقرير حديث لبنك الإمارات عن الثروات الخليجية، يستعرض توقعات الخبراء للأوضاع الاقتصادية في المنطقة، ومن نتائجه أن 36 بالمئة من ذوي الملاءة المالية المرتفعة يرون أن اقتصاد المنطقة يزداد سوءا، أي بزيادة قدرها أربعة أضعاف مقارنة مع 9 بالمئة عام 2015، لكن 83 بالمئة ينظرون بتفاؤل حيال السنوات الخمس المقبلة، و76 بالمئة منهم أشاروا إلى أنهم يفضلون الاحتفاظ بأصولهم بالقرب من بلدانهم.

وبغض النظر عن الرؤية المتعمقة في المفاهيم، فإننا بصدد الخطوط العامة للنتائج حول ازدياد السوء الاقتصادي، والتفاؤل حيال السنوات الخمس المقبلة، والاحتفاظ بالأموال في متناول اليد.

في نفس التقرير إشارة إلى أن الوضع الاقتصادي الحالي يشهد تحسنا (مقارنة مع 31 بالمئة في عام 2015)، بينما ذكر آخرون أن الوضع الاقتصادي يتجه نحو الأسوأ، وبالنسبة إلى اقتصاد دول مجلس التعاون الخليجي، ذكر 17 بالمئة فقط من المشاركين إن الوضع يشهد تحسّنا مقارنة مع 55 بالمئة في عام 2015، ولكننا سنبقى مع المتفائلين بأن الأوضاع الاقتصادية ليست بالدرجة المخيفة التي تجعل مواطنا بسيطا ومحدود الفهم الاقتصادي مروعا وغير مستعد لتقبّل صدمات اقتصادية، فمثل هذه التوقعات تقوم، في الأساس، على قدرة أصحاب الثروات على مضاعفة مكاسبهم، وإن لم تكن مناسبة لطموحاتهم أو غير المعتاد في تجاوز الهوامش الربحية العالية فإنهم يرون ذلك سيئا، وللأسف فإنهم المؤثرون في السوق المباشرة التي تتعامل مع المستهلكين، ولكن الأهمية تأتي في إطار الاقتصاديات الكلية وقدرتها على المحافظة على النمو.

من منظور اقتصادي عام فإن الاقتصاد العالمي بأكمله يمر بأزمة وركود من واقع تراجع أسعار النفط، وذلك يتطلب حذرا استهلاكيا من المواطنين، وهنا يأتي دور الحد الأدنى من الوعي الاقتصادي وتحفيز المعرفة الكامنة بأوجه الصرف والإنفاق وترشيد الميزانيات وضبطها، فإذا كان أصحاب الملاءة حذرين في التدفق الاستثماري، فلماذا ينفق مواطن بسيط مدخراته في فترة راكدة؟

إذن الوعي الاقتصادي مطلوب وكذلك السياسي الذي يؤثر سلبا في الاقتصاد الكلي، وقراءة المشهد برؤية ذاتية مهمة في التعامل مع التطورات، لذلك لا نتشاءم كثيرا ولكننا في نفس الوقت لا نتفاءل بأن تظل الأوضاع والمجريات الحياتية على حالها دون تغيير فيما العالم من حولنا يتغير، ومن المهم أن نتكيف مع الإجراءات التي تتم لأنها تنطوي بالتأكيد على معالجات اقتصادية قد تكون قاسية على المواطن، ولكن استيعابها في إطار فهم عام بالتطورات يجعل معدلات الحذر جزءا من إجراءاتنا كمواطنين في التفاعل الصحيح مع تلك التطورات، لذلك من الأهمية الارتفاع بالوعي الاقتصادي الذاتي وإلى جانبه السياسي فكل ذلك مرتبط ببعضه ونسيج واحد في الوعي والعقل الذي يقرر الخيارات ويحدد البدائل السليمة.

كاتبة سعودية

9