إلى حسني مبارك: آسفين يا ريس

الأحد 2015/11/15

كان منطقيا، أن يؤيد المصريون ومحبو مصر الثورة على الرئيس المصري محمد حسني مبارك في 25 يناير 2011، وكان اتخاذ موقف مضاد، في ذلك الوقت، ليس إلا محاولة يائسة لمعاندة قوانين التاريخ والاجتماع، فقد وصل نظام مبارك إلى مرحلة من الترهل والتيبس تستوجب إعلان السقوط، لأن السقوط قد تحقق قبل سنوات من بث البيان الشهير لمبارك الذي تلاه عمر سليمان معلنا التنحي الرئاسي لصالح المجلس العسكري بقيادة المشير طنطاوي.

سقوط مبارك، تقف وراءه سلسلة من العوامل الشخصية التي تفاعلت مع الأسباب العامة، فالرجل يتحلى بقدر جارف من العناد ورد الفعل البطيء والمتأخر جدا. وفي حين يبدو في قمة الألمعية وفي حين آخر يتجلى فيه قصر النظر وضعف البصيرة. كان جزيرة معزولة في محيط الفساد الهادر. ولم يستطع أن يرسم حدودا بين ما هو عائلي وما هو رسمي. الأمر الذي جعل لأسرته دورا مريبا ومتضخما في الحياة السياسية المصرية.

ويبدو أنه كان مستريحا في سنواته الأخيرة لسيطرة الهانم زوجته (سوزان مبارك) وابنه جمال الذي أصبح حاكما فعليا لمصر منذ إقالة حكومة كمال الجنزوري الأولى سنة 1999 إلى 25 يناير 2011. والحديث عن مشروع التوريث جرت فيه مياه جياشة، ووفق كتاب (من المنصة إلى الميدان) لمحمد حسنين هيكل، فإن مبارك كان على رأس معارضي التوريث وفق تصريحه لمسؤول خليجي “حد يورّث ابنه خرابة”، لكن هذه المعارضة لم تكن ذات تأثير، فالقرار كله كان في يد الهانم وابنها، وتلك كارثة ليس بعدها كارثة، وهذا سبب كاف لاستحقاق التسرب من حاضر مصر ومستقبلها.

أما الأسباب العامة لسقوط النظام ورأسه، فربما يتحمل الرئيس مبارك القسط الأقل من حساباتها. والحقيقة أننا نؤرخ اللحظة الأولى لسقوط مبارك ونظامه بداية من يوم 23 يوليو 1952، لأننا نرى حقيقة أن الحديث عن “نظام مبارك” هو المجاز بعينه، فليس هناك إلا نظام 23 يوليو، ومبارك مجرد وارث ومورّث، تلك هي نتيجة حكم الفرد المقنع بالحزب الواحد الذي تعددت أسماؤه، من مجلس قيادة الثورة إلى الاتحاد الاشتراكي، مرورا بحزب مصر ثم الحزب الوطني، وليس نهاية بقائمة في حبّ مصر، أين فسحة المعارضة زمن عبدالناصر؟ لا تحدثني عن احتكار السلطة زمن مبارك فقد تسلمها بعد اغتيال السادات الذي تسلمها بعد وفاة عبدالناصر.

إن المنهج العام لنظام 23 يوليو ما كان لينتج غير مبارك ورجاله وسياساتهم حتى لو اختلفت شكلا ومضمونا عن السياسات الأولى لانقلاب 1952، ولو نظرنا إلى المسبّبات العامة المباشرة للثورة على مبارك لوجدناها ابنة نظام 23 يوليو، فالتغوّل الأمني ورثه مبارك من عبدالناصر والسادات، والانتخابات المزورة بدأت من بدعة استفتاء 99 بالمئة الذي سنّه عبدالناصر، ولم تكن انتخابات مجلس الشعب ذات مغزى إلا تلك التي نظّمها ممدوح سالم في زمن السادات الاستثنائي، والإعلام المقيد بدأ مع وزارة الإرشاد القومي لعبدالناصر، ومع إضعاف البرلمان وآليات الرقابة والمحاسبة وتغييب الإعلام كان طبيعيا أن يتكاثر الفساد يوما بعد يوم، ومع تغويل القطاع العام لا بد أن يصل جهاز الدولة إلى لحظة مأساوية يصبح من خلالها حملا ثقيلا على الإدارة وعلى الناس. ولا ننسى سياسة الدعم التي شجّعت التواكل وأرهقت الاقتصاد، ومع الإعلام الموجه والسياسة الموجهة والاقتصاد الموجه، اغتيلت روح المبادرة داخل المواطنين وتجرّفت النخب، ومع فشل الدولة وتهافت الإدارة تهيأت مناخات التطرف بأشواكه وتأزماته.

ومن باب الإنصاف، فإن مبارك خطا في اتجاهات معاكسة، ولو من باب الشكل، في التعامل مع تركته، فالاستفتاء الرئاسي تحوّل إلى انتخابات، والإعلام أخذ فسحة في النقد لم تنافسها إلا المرحلة الإخوانية البائسة، وخطت مصر باتجاه الاقتصاد الحر استكمالا لخطوات الرئيس السادات الأولى، مع العلم بأن النتائج المتواضعة لتحرير الاقتصاد مردها أن مؤسسة الفساد أصبحت أقوى من أيّ إصلاح، كما أن تشويه العقول الممنهج عبر التعليم الركيك دنس الثقافة العامة وأجهض المفاهيم، ولا أنسى أن نوايا الإصلاح لم تكن صادقة، بل إن غاياتها ومنطلقاتها الذاتية تجاوزت النفع العام تجاهلا وتمزيقا، ولكننا يجب أن لا ننسى أن مبارك حكم مصر من عام 1981 إلى سنة 1999 من دون غلطة واحدة وبإنجازات حمت مصر أو ما تبقى منها إلى يومنا هذا، ومهما قيل في مبارك لا يمكن التشكيك في وطنيّته.

كانت السياسة الخارجية في أفضل حالاتها رغم استياء النخب، بسبب تغير الخارطة الدولية، والحقيقة أنني غرقت في حزن شخصي ليلة سقوط مبارك لأنني رأيت كما رأى غيري يومها سقوط محور الاعتدال القائم على العروبة والإيمان بالسلام ورفض التمدد الإيراني، وما المشكلات التي يعانيها محور الاعتدال اليوم إلا لسبب غياب مصر التي نعرف.

حين ننظر إلى مصر بعد مبارك يعتصرنا الأسى، فالنماذج الجيّدة يكتب عليها الأفول لصالح غيرها، فالمشير طنطاوي تعامل مع تركة مصر بأمانة وانصرف، والرئيس عدلي منصور كان الصدفة الأفضل من ألف ميعاد، جاء الإخوان وأجهزوا على الدولة، وما يجري اليوم هو الإجهاز على المجتمع، فما كان قبل عدلي منصور هو النسخة الدينية لما يجري بعده، وما جاء بعد عدلي منصور هو النسخة العسكرية لما كان قبله، يكفي أن ترى محمد البرادعي وباسم يوسف منبوذين في المنفى وأمثال أحمد موسى ومصطفى بكري يتصدرون الشاشات والمجالس.

في عهد مبارك كنّا نرى رايات الاستبداد والتطرف والفساد، لكن راية مصر كانت الأعلى، وفي عهد الإخوان انتصرت راية مصر بفشل العمائم واللحى في مزاحمتها أو استغلالها، واليوم أصبحنا نرى كل الرايات إلا راية مصر، من نكس العلم؟! آسفين يا ريس.

صحافي سعودي

5