إلى صديقي الطيب

الأربعاء 2014/05/21

سامح الله أخي وصديقي الدكتور بسام الطيب الذي حرمني المشاركة في “العرب” وفي غيرها خلال الأسابيع القليلة الماضية. ولعلي أعتذر له عن مخالفتي لتوجيهه هذه المرة وربما لتكرار هذه المخالفة في قادم الأيام. ويعلم الله أنه لم يدر في مخيلتي ذات يوم أن إرادتي ستصبح رهن إرادته لولا بعض من عنصرية جعلتني أتوجه إلى ابن بلدي الصديق العزيز بسام بعد أن تخلصت سريعا ممّن أعتقد أنه الأقل كفاءة، والنتيجة كانت توجيهات صارمة حازمة مغايرة لمن سبقه لم أتعود عليها ولا أعتقد أنني سأتكيّف معها، وإن كان يتابعني بدقة ليتأكد من تنفيذها.

أخاطبه هنا وهو البعيد عن أجواء السياسة، فهو يتخذ من تجربته الفرنسية مقياسا للتعامل معها ومع من يتعامل معها ممارسةً أو كتابةً أو مهنة. تجربة جعلته يعتقد بأن أكثر من 90 بالمئة من الشأن السياسي الظاهر على السطح إنما هو وهم يروّج له الساسة والإعلاميون، ولذلك لا يفتأ يتساءل كلما حدث اتصال أو لقاء عن الوهم الجديد الذي تم تقديمه للناس. لذلك أجد نفسي مرغما على مخاطبته هنا، واعتبار ما يلي رسالة أوجهها إليه أعترف فيها بأن حالة المتابعة والمراقبة الصامتة أثبتت لي على الأقل أنه محق فيما يعتقد عندما يتم تناول الحدث وتوجيهه نحو ما وصفه الصديق الدكتور خالد بن إبراهيم الرويتع، بالمعهد الدبلوماسي، في مقاله الأخير المنشور في الشرق الأوسط بـ”مواطن النت”. جاء في المقال أن عدد مستخدمي الشبكة العنكبوتية في العالم العربي قد تجاوز حاجز 125 مليون مستخدم منهم نحو 53 مليون مستخدم نشط لوسائل التواصل الاجتماعي. وهذه معلومة خطيرة تعني أن حجم العيّنة التي تتعرض لحملات التضليل كبيرة جدا، تحتاج معها لوقفة صارمة من صانع القرار ضد أولئك الذين يتعمدون التضليل وصناعة الوهم.

ولعل من الأمثلة على إيهام “مواطن النت” وتضليله معلوماتيا قيام بعض الشخصيات الأكاديمية السعودية الشهيرة بميولاتها الإخوانية وتأييدها المطلق للخليفة العثماني والأمير القطري، بوضع هاشتاغات خاصة تروج من خلالها إلى كل ما يريدون لـ”مواطن النت” أن يقتنع به، وتخاطبه هذه الهاشتاغات بما يحب أن يقرأ كما تدغدغ فيه حماسه الديني وتستخدم لذلك كافة المغالطات وأساليب الدعاية تحت شعارات زائفة تسقط عند أول مواجهة فعلية مع الحقيقة. وتتميز هذه الهاشتاغات بـ”صهينة” كل من يخالف منهج القائمين عليها كما تتهمهم بالفاشية في تناقض عجيب غريب لا يجتمع إلا فيها، فالتصهين وشهادة التوحيد لا يلتقيان كما لا تلتقي الليبرالية بالفاشية ولا تلتقي الليبرالية بالجامية. ولكنها تطيب لبعض “مواطني النت” ممّن سمح لنفسه أن يسلم عقله لغيره يوجهه أينما شاء وكيفما شاء، لتتحول، مثلا، حزبية الخليفة العثماني في دموع التماسيح التي يذرفها على قتلى “رابعة” إلى دموع مقدسة لم نشاهدها في حادثة قتلى منجم “سوما” الأتراك. أو تتحول دعواته لحرية التظاهر في مصر وفي أية دولة إلى شعارات صمود ومقاومة الخ، بينما نجد ركل مستشاره لمتظاهر من ضحايا المنجم أمرا طبيعيا بل وواجبا، وأن ما يفعله تجاه المعارضين له خير كبير. إنها تلك الهاشتاغات التي يتم من خلالها الترويج بأحقية قطر للتدخل في شؤون الغير ودعم معارضيهم، بينما لا يصح ولا يجوز ذكرها بسوء بحجة اللحمة الخليجية. أو أن تنازل أمير قطر لابنه إنما هو نوع آخر من الديمقراطيات التي يفتقدها العالم، وأنها ليست لعجز الأمير السابق عن الوفاء بتعهداته.

هذا النوع من الهاشتاغات لا يخفي الإيجابيات السعودية فقط، بل ويحاول حتى صرف الانتباه عن أحداث بعينها تهم المواطن السعودي مثل التسجيلات المسربة حول التآمر على السعودية، لنجد أن هناك من يلوم من تناولها بالنقد والتحليل بدلا من أن يتعامل معها كواقعة تستحق العمل على جمع السعوديين وتوحيدهم خلف وطنهم. إنه نوع من الهاشتاغات يحاول القائمون عليها، باختصار، إخفاء الإيجابيات السعودية، وصرف الأنظار عن الأخطار المحدقة بالوطن، وتشويه كل من يتطرق إلى مقدساتهم المتمثلة في الثالوث المتنفذ: أردوغان، قطر، الإخوان.

هل شاهد أحدنا أية إشارة إيجابية لأي نشاط سعودي؟ السعودية تتخذ موقفا من هولندا لإساءتها للإسلام، فهل ذكر القائمون على هذه الهاشتاغات ذلك أم اتخذوا كعادتهم “وضعية المزهرية” حينا و”وضعية الميت” حينا آخر. هذا ليس الموقف الوحيد للسعودية ولن يكون الأخير، ولو صدر هذا الموقف من قطر أو تركيا لحمل القوم الصور والبيارق لتمجيد الدولتين وقادتهما. أمر لا أستبعد حدوثه في أحد الشوارع الخلفية في العاصمة السعودية في ظل الصمت الحكومي العجيب على أولئك الذين تخصصوا في زراعة الوهم ونشره دون حسيب أو رقيب، بل وزاد على ذلك أن استخدموا النظام والقانون لردع كل من يحاول كشف أساليبهم الملتوية.

المؤكد أن ضحاياهم، دائما وأبدا، هم من يواجهونهم بصرف النظر عما إذا كانوا إسلاميين أو دون ذلك فهم في النهاية جزء من تيار متصهين ليبرالي فاشي أو ليبرالي جامي. ومع ذلك لا نستطيع أن ننكر أن بعض خصومهم يمنحهم فرصا ذهبية يجيدون استغلالها بشكل احترافي. على سبيل المثال وجدنا من يفجر في الخصومة ويسيء اختيار الألفاظ ويحشوا مقاله بكل قبيح من الكلام ضد قامة سامقة من الأئمة ممّن “تأخون” جهلا لا قناعة. وإن كان جهله وحماسه لا يعفيانه من النقد فإن أدب الاختلاف لا يجيز لخصومه أن يكيلوا لشخصه ذلك الكم من الشتم الوقح. والحال كذلك مع صفيق آخر تعرض لموعود الله للمؤمنين إما عن جهل أو في غير وعي أو سخرية مما أتاح لزارعي الوهم أن يصموا جميع مخالفي أوهامهم بالتصهين مستدلين بهذا التعرض الوقح الذي يستوجب العقاب.

وأيا كانت أساليب وطرق بائعي الوهم على “مواطني النت” فهناك حقائق على أرض الواقع لا يمكن أن تغيب تحت وطأة هذه الهاشتاغات ومن يدور في فلكها، ويمكننا أن نجمل هذه الحقائق في الآتي:

أن جميع مخالفي أصحاب هذه الأوهام على اختلاف مللهم ونحلهم وميولهم يتميزون بأنهم ليسوا مع المرشد ولا يقدسون حذاءه، وليسوا مع تميم و”الحَمَدَيْن” ولا مع أردوغان بل مع وطنهم ومصالحه أينما كانت، ومن يقول بغير ذلك إنما يضع نفسه في موقف المزايد برخص.

أن الحقائق على أرض الواقع تفرغ الأوهام من محتواها، فالعمل الدؤوب المستمر لأكثر من عام والخطب والفتاوى واستغلال الدين ومخاطبة العاطفة الجماهيرية والترويج للأكاذيب ونشر المظلومية الإخوانية وتوزيع الاتهامات وإنكار الوقائع والخ ذلك، سقط بمجرد أن قرر المصريون في قطر، الفندق الذي قرر أن يضم فلول الإخوان، التصويت لصالح عبدالفتاح السيسي.

أختم رسالتي لصديقي الدكتور بسام الطيب بقولي: نعم هناك من يزرع الوهم وهناك من يستقبله ويحييه ولكن الواقع دائما وأبدا صادمٌ كاشف. ولا يزال هناك أمل بأن يتحرك صانع القرار لمنع صناعة الوهم وحماية “مواطن النت”.


كاتب سعودي

8