إلى متى سيصمد اتفاق موسكو الهش حول سوريا؟

في اتفاق موسكو ما يسمح لروسيا بنقضه وهو ما يتعلق بمحاربة الإرهاب حيث تقول موسكو إنها قلقة بشأن تواجد المسلحين الجهاديين.
الأحد 2020/03/15
من سيوقع بالآخر في سوريا؟

ككل الاتفاقات السابقة بين موسكو وأنقرة حول سوريا، يبدو اتفاق موسكو الأخير هشّاً. ورغم الأجواء المشحونة بين الرئيسين قبيل عقده، ورغبة كل منهما في استعراض قوّته على الآخر، إلا أن الجانبين لا يرغبان في خرقه حالياً.

تم توقيع الاتفاق في 5 مارس، والتزم الطرفان إلى حد كبير بوقف إطلاق النار، وفُتِح الطريق الدولي دمشق – حلب، تحت إشراف روسيا؛ لكنّ شيطان الخلافات يكمن في تفاصيل فتح الطريق الدولي الثاني اللاذقية – حلب، والذي يقع جزء كبير منه تحت سيطرة فصائل المعارضة، وتسيير دوريات متزامنة، تركية على شماله، وروسية على جنوبه؛ وهذا يجب أن يتحقق خلال مهلة تنتهي الأحد.

تعقد اجتماعات متواصلة لخبراء عسكريين وأمنيين أتراك وروس في أنقرة، للتباحث حول آليات تطبيق بنود الاتفاق؛ ما أنجز هو فتح معابر للنازحين كي يتمكنوا من العودة، فيما يجري التفاوض على مُطالبة تركية بتأمين عودة آمنة لهم، مختلفة عما حصل في مناطق المصالحات في الغوطة الشرقية ودرعا، حيث تعرضوا للانتهاكات من قبل النظام؛ وهناك سعي لأن تشمل العودة حدود مناطق اتفاق سوتشي 2018، والتي سيطر عليها النظام مؤخراً، في ريف إدلب الجنوبي وريف حماه الشمالي وريف حلب الغربي.

ويلفّ الغموض مصير نقاط المراقبة التركية، المحاصرة من قبل النظام، وترفض أنقرة الانسحاب منها.

وترفض أنقرة أيضاً انسحاب فصائل المعارضة من جانبي الطريق أم – 4، أي أن تكون المنطقة خالية من السلاح، حتى لا تعزل جنوب الطريق عن شماله، ويسهل على النظام قضمه؛ وهي مناطق لا تزال تحت سيطرة المعارضة وعجز النظام عن اختراقها.

وكانت المراحل الأخيرة من اتفاق سوتشي 2018 تتضمن فتح الطريق مع دورٍ لفصائل المعارضة التابعة لتركيا فيه.

النظام بدأ بإزالة السواتر الترابية على الطريق في مناطق سيطرته في اللاذقية حتى منطقة حور عين، فيما لم يتوصل الطرفان إلى تأمين دخول ورشاته وجهازه الفني إلى الجزء الواقع تحت سيطرة المعارضة، خاصة أن الطريق يمر في مناطق جبلية وعرة، ويحتاج إلى صيانة وتعزيل القنوات المطرية.

يسعى النظام وروسيا للسيطرة على المدن الرئيسية الواقعة في الـ6 كيلومترات المخصصة لتسيير الدوريات الروسية جنوب الطريق، وخاصة أريحا وجسر الشغور، إضافة إلى قرى أورم الجوز ومحمبل، ما يعني رغبته في تسهيل السيطرة على مناطق سهل الغاب الشمالي الغربي جنوب الطريق.

الخلاف الأكبر حول منطقة الكبانة في ريف اللاذقية الشمالي الشرقي، والتي خسر فيها النظام الكثير من مقاتليه دون أن يتمكن من تحقيق تقدم فيها، كونها منطقة جبلية مرتفعة في جبل الأكراد، وفيها تلال إستراتيجية تشرف على جسر الشغور وسهل الغاب وبداما والناجية والجانودية وصولاً إلى جبل الزاوية، والسيطرة عليها تعني رصد كامل المنطقة ناريًّا، ما يسهّل السيطرة عليها.

ترى موسكو الاتفاق مؤقتاً، وتريد من تفاصيله أن تسهّل عليها السيطرة لاحقاً على بقية المناطق، فهي تريد كل سوريا، ومثلها النظام، الذي يصرح بقبول الاتفاق، لكن إعلامه يقول إنه استراحة لمواصلة عمليات التهجير واستعادة السيطرة على مناطق المعارضة المتبقية، والتفرغ لترتيب وضع شرق الفرات.

وفي بنود الاتفاق ما يسمح لموسكو بنقضه، وهو ما يتعلق بمواصلة محاربة الإرهاب؛ تقول موسكو إنها قلقة بشأن تواجد مسلحي الحزب الإسلامي التركستاني وأجناد القوقاز إضافة إلى جبهة النصرة، وبالتالي من الممكن أن تصعّد مجدداً، بحجة محاربة الإرهاب، للضغط على تركيا حول التفاصيل المختلف عليها في بقية بنود الاتفاق.

وفي الوقت نفسه، تحتفظ أنقرة برصيد قدرتها على التصعيد أيضاً، وعبر دخول جيشها المعركة، وهي ما زالت تحشد في مناطق سيطرتها استعداداً لخرق روسي متوقع.

الأجواء بين الطرفين مشحونة للغاية، رغم تصريحات التطمين التي يطلقانها حول الالتزام بالاتفاق.

فالإعلام الروسي يصعّد من لهجته تجاه أنقرة مؤخراً، خاصة بعد زيارة أردوغان للعاصمة الأوكرانية كييف، وإعلانِه رفضَه ضمَّ روسيا لشبه جزيرة القرم، وعن رغبته في تطوير العلاقات السياسية والاقتصادية، ورفع حجم التبادل التجاري بين البلدين من 4.8 مليار دولار عام 2019 إلى 10 مليارات دولار.

هناك دعوات أوكرانية إلى استخدام طائرات البيرقدار التركية، التي أبلت بلاء حسناً في اصطياد تجمعات مقاتلي النظام في إدلب دون أن تتمكّن منها الدفاعات الجوية التابعة للنظام وروسيا، وإلى التعاون مع أنقرة على تطوير هذه الطائرات.

وأردوغان يستفزّ بوتين بدخوله ملفات أوكرانيا وليبيا، فهمّه في سوريا بات حماية أمنه القومي من الخطر الكردي، فهو مستَفَزٌّ بدوره من تقارب قوات سوريا الديمقراطية مع النظام السوري، برعاية مصرية، ودعم سعودي إماراتي، ويريد خلق بلبلة بين هذه الأطراف، بعرضٍ قدّمه لبوتين، حول استغلال النفط السوري شرق الفرات، بدلاً من تركه بيد الوحدات الكردية؛ وهو عرض غير منطقي، حيث تسيطر الولايات المتحدة والوحدات الكردية التي تحميها على حقول النفط والغاز، أما روسيا فترغب في أن تعود تلك الموارد إلى سيطرة الدولة السورية، لتتمكن من جني عوائد بيعها عبر الاستثمارات المختلفة التي عقدتها مع حكومة النظام.

وتضاف إلى أوراق أردوغان تلك ورقة تهديد أوروبا باللاجئين، والتي قام بخطوتها الأولى، وهذا مترافق مع لقاءات مستمرة مع مسؤولي دول في حلف الناتو، ومنهم الأميركيون، لتشكيل ضغوط على موسكو في سوريا، والتي قد تقبل بعودة النازحين إلى مناطقهم في إدلب ومنع النظام من الانتقام منهم، لقطع طريق التقارب التركي مع أوروبا.

يسعى كل من بوتين وأردوغان لاستعادة أمجاد إمبراطوريات سابقة. ولكن السلطان أردوغان مأزوم، لذلك يسعى إلى امتلاك أوراق ضغط على موسكو سواء في ليبيا أو في أوكرانيا، أو يسعى إلى التقارب مع دول الناتو، أو إلى امتلاك ورقة اللاجئين، وهي لعب بالنار، لأنها أوراق خطرة تؤجج الصراعات والمعاناة الإنسانية، ولأنها تستفزّ القيصر بوتين، الذي تعمّد توجيه رسالة مهينة للسلطان، قبيل لقاء موسكو، بجعله ينتظر أمام بابه لدقيقتين، مع بثها على التلفزيون الروسي وبعداد زمني للثواني.

3