إلى متى نبقى أسرى معادلة إما التكفير وإما التغريب

يشكل موضوع التكامل العربي: مجلس التعاون ودولة الإمارات العربية المتحدة نموذجا، محور المؤتمر السنوي لمؤسسة الفكر العربي، الذي تحتضن أعماله، يومي 12 و13 ديسمبر 2016، العاصمة الإماراتية أبوظبي، في اختيار قال متابعون إنه يجسد ميدانيا بشكل كبير محاور المؤتمر وأفكاره، سواء من ناحية الحديث عن تجربة التكامل والوحدة أو من ناحية الحديث عن التنمية الثقافية باعتبارها رافدا أساسيا من روافد التنمية، حيث تحرص دول الخليج العربي على التنمية الثقافية والفكرية في المجتمع، لتحقيق التقدم الاقتصادي والاجتماعي والتنمية المستدامة.
الثلاثاء 2016/12/13
الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان: التنمية الثقافية الناجحة هي جزء أساسي في تنمية المجتمع

أبوظبي – “إلى متى نبقى أسرى معادلة عقيمة إما التكفير وإما التغريب؟”، سؤال جوهري لخص به الأمير خالد الفيصل الوضع الراهن في المجتمعات العربية، خلال كلمته في افتتاح مؤتمر فكر 15، الذي تحتضن أعماله العاصمة الإماراتية أبوظبي.

ويسلط المؤتمر السنوي لمؤسسة الفكر العربي، في نسخته الخامسة عشرة الضوء على العلاقة الرئيسية بين التنمية السياسية والاقتصادية والثقافية، فالتحديات التي تعيش على وقعها المجتمعات العربية اليوم تتجاوز الحروب والخلافات التقليدية، بل باتت تتداخل فيها الهوية والتاريخ والسياسة والاقتصاد والثقافة والدين.

واختار المؤتمر أن يطرق هذا الباب من خلال زاوية جديدة، هي الزاوية الخليجية والتنمية الثقافية وتجربة التكامل والوحدة؛ فدول الخليج العربي لم تعد تلك الدول النفطية الغنية، التي يصرف أبناؤها أموالهم في العواصم الأوروبية، وينفق حكامها الكثير من عوائد النفط على شراء السلاح من الولايات المتحدة، التي تروج لبضاعتها تحت حجة خطر الإرهاب.

عندما طرق الإرهاب حدود دول الخليج العربي لم تستنفر الولايات المتحدة سلاحها وجنودها، بل الدول الخليجية والعربية، التي لبت نداء السعودية خلال عاصفة الحزم في اليمن، وحتى عندما قررت المشاركة في التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة الإسلامية، لم يكن تبعية لواشنطن، بل تلبية لنداء الواجب الذي يستدعي الدفاع عن العراق وسوريا ومحاربة التطرف والتشدد الذي يشوه صورة الإسلام والمسلمين.

من هنا جاء موضوع التكامل العربي: مجلس التعاون ودولة الإمارات العربية المتحدة ليكون ثيمة فكر 15، والذي اختار الاحتفاء بالذكرى الـ35 لإنشاء مجلس التعاون لدول الخليج العربية، وهو عمر بلغ معه مجلس التعاون لدول الخليج العربية نضجا يسمح له بمواجهة التحديات الإقليمية الراهنة وكسبها.

التكامل خيار

من الرباط إلى أبوظبي مرورا بالقاهرة، يعلو صوت فكر مناديا بالتكامل كخيار بقاء ونهج قوة وطريق لبناء المستقبل في ضوء ما تشهده المنطقة العربيّة من أحداث وتعانيه دولها من صراعات وانقسامات وتشرذم، وفي ضوء ما تواجهه أيضا من تحدّيات مصيريّة تهدّد وحدتها وهوّيتها ووجودها.

عبداللطيف بن راشد الزياني: في غمرة ما يعصف بعالمنا العربي ما أحوجنا لتفعيل دور جامعة الدول العربية

وقال هنري العويط، المدير العام لمؤسسة الفكر العربي، إن المؤسسة اختارت أن تستأنف هذا العام النقاش حول موضوع التكامل العربي وذلك من خلال دراسة صيغتين تكامليّتين متميزتين تجسدهما تجربة مجلس التعاون لدول الخليج العربيّة وتجربة دولة الإمارات العربية المتحدة.

وإذا كان مجلس التعاون الخليجي يجسد إلى حد كبير القدرة على التفاهم والتعاون، حتى مع وجود بعض التباينات والاختلافات في وجهات النظر والمصالح أحيانا، يحمل مكان انعقاد الدور الـ15 لمؤتمر فكر رمزية تكامل استثنائية، فاتحاد الإمارات كنموذج وحدة عربية ناجح صورة لما قد يصله العرب في حال حسمهم في اختيار التكامل الصحيح. وهذا التكامل المرجو لا يمكن أن يتم تفعيله بعيدا عن المؤسسة الجامعة وهي جامعة الدول العربية التي تعاني من ضعف وخمول.

وعكس أهمية تفعيل دول جامعة الدول العربية، قال عبداللطيف بن راشد الزياني، أمين عام مجلس التعاون لدول الخليج العربية، في كلمته خلال انطلاق أعمال المؤتمر السنوي، “في غمرة ما يعصف بعالمنا العربي من شدائد وملمات أحوج ما نكون للدعوة إلى تفعيل دور جامعة الدول العربية وتطوير آليات عملها حتى تتمكن من أن تضطلع بالمسؤوليات المنوطة بها وتحقق الآمال المعقودة عليها”.

لكن، أحمد أبوالغيط، أمين عام جامعة الدول العربية، قال إن مؤسسات العمل العربي المشترك ليست معطلة كما يظن البعض، وإنما يتطلب الأمر تحقيق ترتيب سليم للأولويات في إطار عمل هذه المؤسسات من خلال تحقيق ثلاثة أهداف رئيسية وهي تجديد معنى العروبة ومواجهة أزمات الوجود العربي وتحقيق النهضة الفكرية والصحوة العقلية.

وشدد على أن التطورات والأزمات التي يشهدها العالم العربي خلال المرحلة الحالية تحتم النظر في كيفية حشد الفكر والجهد العملي في آن واحد للدفاع عن وجود الدولة الوطنية، ولمخاطبة احتياجات وتطلعات الشعوب العربية خاصة مع تعاظم التهديدات داخل الدول العربية ومن المحيط القريب.

وأكد محورية التكامل العربي باعتباره السبيل الحقيقي للحفاظ على الجسد العربي سليما في مجموعه، وهو الأمر الذي أدركه الآباء المؤسسون لجامعة الدول العربية مستندين إلى تزامن العمل بمبدأ التنسيق بين الدول العربية المستقلة وتحقيق تكاملها الإقليمي وبمبدأ تعزيز سيادة الدول وأمنها.

تقرير التنمية الثقافية

سبق افتتاح المؤتمر حفل إطلاق التقرير العربي التاسع للتنمية الثقافية، وعنوانه “الثقافة والتكامل الثقافي في دول مجلس التعاون– السياسات–المؤسسات–التـجليات”.

ويتناول التقرير بالدراسة الشاملة الجوانب الثقافية والفكرية كافة للحياة في المنطقة العربية، فالثقافة كما جاء في كلمة الأمير خالد الفيصل، رئيس مؤسسة الفكر العربي، أساس بناء الأمم فـ“لا حضارة لأمة من دون ثقافة ولا يمكن أن تنهض الأمم إلا عن طريق الثقافة”.

وأكّد أمير مكة أن «عصر الزعيم والقائد الأوحد انتهى، كما انتهى العصر الذي تحكمه فكرة ضرورة أن تتوحّد الأمة العربية غصبا تحت قيادة قائد واحد، وأن يعود من جديد»، موضحا أن العالم العربي يعيش الآن عصر التكامل والوعي، وأصبح في مستوى من الفكر والوعي يستطيع فيه أن يميز بين الشعارات السياسية من جهة، والبرامج التنموية والثقافية والفكرية من جهة أخرى.

وتطرق الأمير خالد الفيصل خلال كلمته إلى فكرة نظرية المؤامرة، وقال إن هناك من العرب من يؤمن بهذه النظرية، بينما يعتبرها آخرون سخافة، وكلا الفريقين على خطأ؛ فلم تعد هناك مؤامرات، لكن هناك دراسات وخرائط وخطط تنشر في الإعلام لمن يقرأ.

ودعا كلا الفريقين، وكل العرب، إلى الابتعاد عن تبريرات نظرية المؤامرة، وقال «فلنكف عن الحديث عن المؤامرات ونقرأ ونتخذ موقفا مما ينشر».

وأشار إلى أن مؤسسة الفكر العربي تمثل نظرة مستقبلية وعملا يسعى لاستشراف المستقبل العربي، واختارت الثقافة موضوعا لها لأنها الأساس لأي تحول من مستوى حضاري إلى مستوى آخر أعلى، ومن دونها لن يكون هناك تحول مهما تم التركيز على الاقتصاد أو السياسة.

أنور قرقاش: دولة الإمارات قدمت نموذجا ملهما للعالم العربي في الوحدة والتنمية

يركز التقرير بالأساس على دول الخليج العربي ليقدم صورة أخرى عن الدول النفطية التي قررت تطويع أموال النفط لرفد الثقافة والمجتمع، ولصناعة عهد ما بعد النفط، تكون فيه العواصم الخليجية عواصم عالمية لا باعتبارها من أهم منتجي النفط، بل من حيث المشاريع الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والبيئية التي تتبناها وتسعى إلى تحقيقها.

وقال الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان وزير الثقافة وتنمية المعرفة بدولة الإمارات العربية المتحدة، “إننا نعيش في منطقة الخليج في بقعة طيبة عميقة الثقافة والجذور نحافظ على تراثنا ونعتز بالقيم والمبادئ والمقومات التي تشكل ثقافتنا ونطور بكل عزم وتصميم كل عناصر هذا التراث وكافة جوانب تلك الثقافة في اتجاهات إيجابية رشيدة، كما نسعى إلى التواصل الحضاري مع الآخرين والإسهام الأصيل والمتجدد في مسيرة الفكر والثقافة والفنون في ربوع العالم كافة”.

ولاحظت المؤسسة خلال متابعتها لما ينشر من دراسات وأبحاث وتقارير عن دول مجلس التعاون، أنه غالبا ما يتم التركيز على الثروات النفطية والازدهار الاقتصادي والنهضة العمرانية والاستقرار الأمني، وقلما يتم إبراز ما تشهده دول الخليج من نشاط ثقافي وحراك فكري.

وقد جاء اختيار جزيرة السعديات بأبوظبي ليكون خير دليل مادي على فحوى ما تضمنه التقرير التاسع لمؤسسة الفكر العربي، حيث نجحت في إرساء مشاريع تؤكد النهضة التي تعيشها أبوظبي وتعكس رؤية مستقبلية وطموحا نجح في أن يغير الصورة التقليدية المعروفة عن الدول النفطية.

وقال أنور بن محمد قرقاش، وزير الدولة للشؤون الخارجية في كلمة دولة الإمارات خلال افتتاح أعمال المؤتمر في أبوظبي، إن دولة الإمارات قدمت نموذجا ملهما للعالم العربي في الوحدة والتنمية، مستحضرا مقولة المؤسس الراحل الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان “إن الوحدة العربية التي تعتبر دولة الإمارات نواتها ليست حلما أو ضربا من الخيال بل تعد واقعا يمكن تحقيقه إذا صدقت النوايا وتفاعلت الأماني والطموحات بالمساعي والعمل. وأن نجاحها يدحض مواقف المشككين في إمكانية قيام أي اتحاد بين أجزاء الوطن العربي”.

6