إلياس الرحباني ينعي الثقافة في لبنان ومثقفون يشاركونه الجنازة

لا يخرج الحديث عن الثقافة في لبنان حاليا من دائرة الرثاء، وهذا ما يعترف به المثقفون وغير المثقفين أن الثقافة لم تعد قيمة حيّة في لبنان، وأنه لا يمكن أن نتحدث عن ضمور ثقافي بقدر ما يمكن التحدث عن نهاية مأساوية للثقافة ومعناها وحضورها، دون أن يكون الأمر تهويلا أو مبالغة. “العرب استطلعت آراء مثقفين لبنانيين حول راهن الثقافة في بلد الأرز.
الأربعاء 2016/08/24
إلياس الرحباني: إنني كلب في وطني

الثقافة، إذا لم نشأ الخوض في تعريفاتها وتحديداتها المتشعبة، هي ببساطة ذلك البعد الخاص الذي يجمع بين مجموعة من الناس، ويوحدّهم في إطار عام مشترك مرتبط بتاريخهم وهويتهم، وخصوصيتهم المتفاعلة مع العالم والمنفتحة عليه. لم يعد هناك في لبنان إطار عام ومشترك، ولا خصوصيات متفاعلة، وتاليا غابت العناصر الأساسية التي تشكل الثقافة.

كلب في وطني

لعل النعي الذي كتبه الفنان إلياس الرحباني على صفحته الفيسبوكية مؤخرا يشير إلى الحال التي وصلت إليها الثقافة في البلاد. كتب فنان يعتبر من المشاركين الرئيسيين في صناعة التاريخ الثقافي للبلد في توديع البلاد التي ماتت بموت ثقافتها قائلا:

“وداعاً لبنان… وداعاً للعباقرة، وداعاً للشرف والأخلاق…

وداعاً للمفكرين، ولمؤلفي عمالقة الموسيقى…

وداعاً لشُعراء مجد هذا الشرق الكبير…

وداعاً لقلعة بعلبك… ولبيت الدين…

وداعاً للأرز… أرز الرب…

وداعاً للكبار، من المُغنين والشعراء ومؤلفي الموسيقى…”.

لعل هذا الوداع المرّ للبلد يمكنه أن يشكّل مدخلا لقراءة أحوال الثقافة التي لم تعد آيلة للعيش في بلاد الأرز.

انعدام تواصل بين الجيل الجديد وإرثه الثقافي لأن هذه المهمة أوكلت إلى مجموعة من المثقفين غير المستقلين

يؤكد إلياس الرحباني في حديث لـ”العرب” أن ما دفعه إلى كتابة هذا الرثاء للثقافة في هذا الوقت هو أنه وجد أن “كل شيء انتهى، وكل شيء بات يدفع في اتجاه القذارة على جميع المستويات. هناك قتل ممنهج ومقصود، فالموسيقى البشعة تقتل الأطفال في أحضان أمهاتهم. هناك استهداف لكل شيء جميل”.

يضيف “منذ أن كان عمري 20 عاما بدأت أكتسح العالم، لقد كتبت ولحّنت في ذلك العمر أغنية كان اسمها ‘الحرب انتهت’ وربحت جائزة عالمية وبعدها تتالت الجوائز. ربحت أكثر من سبع جوائز عالمية دون أن يلتفت إليّ أحد. هذا الإحساس بالمرارة لا يشملني فقط، ولا أتحدث من زاوية شخصية، بل أعرض حالة يمكنها أن تعمّم على منطق التعامل الرسمي مع أمثالي، وأن تشكّل مدخلا يوضح حقيقة موت الثقافة في لبنان”.

يستطرد الرحباني في سرد تاريخ معاناته من التجاهل الرسمي قائلا “أنا أكتب كلمات أغنيات بأربع لغات هي الفرنسية والعربية والإنكليزية والإيطالية. منذ فترة التقيت السفير الإيطالي الذي لم يكن يعلم سابقا أنني كتبت ولحنت أغنيات باللغة الإيطالية فقلت له: مرحبا بعد خمسين عاما، فأجابني آسف، واعتذر، ولكن لم يصلنا شيء منكم. لم يهتم أحد بإيصال أعمالنا ولا بعرضها، فبتنا كأننا لم نفعل شيئا، وبات كل الجهد الذي قمنا به أنا وجيلي من الفنانين وكأنه بلا معنى، بل كأنه ليس موجودا في الأساس”.

يردّ على اتهامه بأنه قبل بتنازلات فنية، وشكّل في لحظة ما جزءا مما ينتقده وذلك مع قبوله التلحين لهيفاء وهبي معتبرا “أنا أرفض هذه التهمة تماما، وعلى العكس مما يقال، فقد كان الكلام الذي غنته هذه الفنانة مختلفا، وجعلتها تغني بطريقة قريبة من طريقة غناء السيدة فيروز. أقول إنها غنت بشكل أفضل من نصف الموجودين على الساحة الغنائية الآن، وقد حققت أغنيتها نجاحا باهرا وربحت جائزة”.

من ناحية أخرى يعتبر إلياس الرحباني أن الفن في لبنان يعيش نهايته وذلك لأن “جلّ الموجودين على الساحة لا يستطيعون تقديم أيّ شيء، وهم لا يجيدون أبسط قواعد الفن، ولا يعرفون حتى القواعد الأساسية. هؤلاء يسيطرون على الساحة الفنية الآن، فماذا نتوقع أن يسفر عن هذه الحالة سوى وصول الفن إلى طريق مسدود؟”.

يضيف “لقد قدمت على امتداد سيرتي الفنية أكثر من 6500 عمل، وهذا الرقم ليس له مثيل في العالم، وكنت قد قلت سابقا إنني ‘كلب في وطني’ وها أنا أكرّر هذه العبارة الآن وأقول إنني كلب في وطني”.

هناك الكثير من النشاطات الثقافية والملتقيات الثقافية، ولكن ليس هناك ما يمكن أن نطلق عليه اسم التفكير الثقافي

أزمة الثقافة

مي المصري فتاة لبنانية شابة لديها مدونة خاصة تنشر فيها كتاباتها الخاصة باللغة الإنكليزية، إضافة إلى مقتطفات من أقوال الكتاب والمفكرين. تعتبر المصري أن أزمة الثقافة في لبنان هي “أزمة انعدام تواصل بيننا وبين إرثنا الثقافي حيث أن هذه المهمة أوكلت إلى مجموعة من المثقفين غير المستقلين والذين عملوا على ربط الثقافة بالسياسة. هذا الأمر أدّى في مرحلة أولى إلى تضييق الأفق الثقافي ثم إلى جعله جزءا من خطاب السلطات الاستبدادية الفاشلة. استمرّ هذا الحال في منحى تصاعدي حتى وصلنا إلى حالة لم تعد فيها الثقافة بمعناها الفعلي الذي يعنى بإنتاج خطابات الناس والرأي العام موجودة فعلا، بل باتت العبارة تعني عمليا ذلك النتاج الأعمى من الخطابات المفرغة من المعاني التي تلقيها السلطات التي صادرت الثقافة علينا، وتوهمنا أنها الوصف الأمين لأحوالنا”.

الروائي والصحافي محمد الحجيري يعتبر أن “أزمة الثقافة في لبنان لا تتعلق بغياب النشاط الثقافي بقدر ما تتعلق بغياب وظيفة الثقافة، فهناك الكثير من النشاطات الثقافية والملتقيات الثقافية، ولكن ليس هناك ما يمكن أن نطلق عليه اسم التفكير الثقافي، حيث أن كل شيء بات محكوما بذهنية الخبر العاجل. مثل هذا المنطق لا يتيح تأمين المناخ المناسب لنموّ الثقافة التي تحتاج إلى الكثير من التروّي، والجهد، والصبر والتأني. الثقافة ليست منتجا ينمو في وسط لا يتيح التفكير ولا يسمح به، كما هو حال عقل الأخبار العاجلة، والبث المباشر، والفضائحية التي تسيطر على كل شيء في البلد”.

الثقافة ليست في نهاية المطاف سوى التعبير الفعلي عمّا يجري من حراك داخل مجتمع ما. ولعلّ ما أصاب الثقافة في لبنان من خلل كبير ينذر بموتها النهائي إنما ينشأ من أن المجتمع الذي يفرز الجهل والتعصب والخوف لم يعد قادرا على إنتاج الثقافة بل صار ينتج أنواعا أخرى من التعبير، تؤكد في كل لحظة أن الثقافة لم تعد تمثل قيمة تفاعلية ولا تبادلية. ما تتبادله الجماعات المتصارعة في لبنان ليس الشعر والموسيقى واللوحات التشكيلية بل الرعب الذي يقتل الثقافة ويدفن روحها.

15