إلياس الزيات معلم وقديس الرسم السوري

الأحد 2015/03/29
الزيات يرى المشاهد ليحلق بها بخياله الناعم

لم أكن أتوقع أن أرتقي السلالم إلى الطابق الثاني لكي أكون في حضرته، كان كما رسمته في خيالي كائنا بريا يقيم على الأرض محلقا بعينيه في السماء، أقرب ما يكون إلى راعي كنيسة، لا يؤمها إلا بليغو العاطفة من الزهاد والناسكين. فلم تكن رسومه لتشي بأيّ علاقة بالعالم المادي كما نراه ونعيشه وكما نتهالك عليه.

الذنوب المثقلة بالجمال

هو أيضا مثل أعماله لم يكن يشف عن العالم الواقعي. شعوره بالسلام يمنحه دفئا، سيكون بإمكانه أن يوزعه على الآخرين. يده التي مدها إليّ في أول لقاء بيننا كانت بمثابة رسالة محبة واطمئنان. حدث ذلك في المتحف الوطني بدمشق عام 2011. ومن يومها لم أكف عن حب إلياس الزيات معلم الرسم، الرسام الرائد الذي شق طريقا إلى حداثة فنية هي في حقيقتها نهج يجمع بين التاريخ المحلي وبين ما توصل إليه محدثو أوروبا من تقنيات جديدة.

هل كان عليّ أن أكتفي بسؤال عينيه الحائرتين كما لو أنه تلميذ جيء به إلى الصف الدراسي عنوة، قبل أن يعلق ديك القرية صيحته على ظهر الحصان؟

“هذا حصاني” قال لي بتواضع وهو ينظر إلى عيني يوسف عبدلكي الدامعتين. كان يرينا آخر لوحاته. صرت أنقل بصري بينه وبين لوحته. هل يتبعه حصانه أم أنه يتبع ذلك الحصان الجامح؟ اكتشف الزيات أنني أنظر إليه بعاطفة مبالغ فيها فدعاني لكي أجلس على كرسي.

فضيلة الزيات رساما أنه لم يكن كائنا حسيا وهو ما يكسب كل شيء يرسمه طابعا روحيا محلقا. تلتقيه لتتطهّر من ذنوبك، غير أنك تشعر أن ذنوبك بعد ذلك اللقاء صارت مثقلة بالكثير من الجمال، فالرجل لم يكن وسيطا محايدا.

كانت لديه كلمته، وهي كلمة تكشف عن خصوصيته التطهرية وهو ما دفعه إلى إقامة معرض بعنوان “إلى جبران”، غير أن الرجل المسالم لا يلزم أحدا بشيء من طهرانيته. كما لو أنه كان يسمح للغرباء المارين بقريته أن يمروا، من غير أن يلتفتوا إليه. فكان الرسم بالنسبة إليه أشبه بالدعاء الصامت.

دائرة التفكير الحر

درّس الزيات الذي ولد عام 1935 أجيالا من الرسامين السوريين، كان معلما فذا بشهادة طلابه الذين صار لبعضهم شأن فني كبير في ما بعد. ولأنه درس الفن في شبابه في أماكن مختلفة من العالم (صوفيا، القاهرة، بودابست) فقد حمل معه إلى دمشق، يوم قُدر له أن يكون أحد مؤسسي كلية الفنون الجميلة، حزمة من الأساليب والمناهج التعليمية التي كان من شأن تطبيقها واقعيا أن يوسع دائرة التفكير في الفن ويفتح الأبواب أمام كل المدارس الفنية الحديثة المتاحة، غير أن ما كان الزيات معلما حريصا عليه أن لا يقفز طلابه على مفهوم الحرفة في الرسم.

كان صارما في تعليم تلك الخطوة المدرسية التي يكون لحرية الرسام من بعدها معنى الخلق الحقيقي والتمرد الخلاق. لن يكون مهما بالنسبة إلى الرسام أن يخضع لذلك المفهوم الذي قد لا يحتاج إليه يوما في حياته غير أنه لن يكون مغيرا إلا إذا تمكن منه، ليضعه في ما بعد في أحد أركان مرسمه مثل ذكرى. وهو بالضبط ما فعله الزيات شخصيا.

لن يكون مهما بالنسبة إلى الرسام أن يخضع لأي مفهوم قد لا يحتاج إليه يوما في حياته غير أنه لن يكون مغيّرا إلا إذا تمكن منه، ليضعه في ما بعد في أحد أركان مرسمه مثل ذكرى، وهو بالضبط ما يفعله الزيات

يصفه الفنان نذير نبعة وهو أحد أصدقائه المقربين بأنه أحد أنبياء الرسم السوري القلائل. غير أنني أراه قديس الرسم السوري الوحيد.

فالرجل الذي وضع تجربته في الحياة كما في الفن بين يدي طلابه كان شغوفا برسم كل شيء يقع أمام عينيه، من الطبيعة الحية حتى الأشخاص مرورا بالطبيعة الصامتة، غير أن ذلك الـ”كل شيء” كان يكتسب طابعا أيقونيا ما إن يمر من خلال خياله الذي يمزج الشك باليقين.

“ما لم نره يستحق أن يُرسم، بل قد تكون له الأفضلية”، لوحاته التي ينظر إليها صامتا تقول ذلك. في لقائنا الثاني بمرسمه كان عليّ أن أجرّه عنوة إلى الحديث عن رسومه. بطريقة أو بأخرى كنت آمل في أن أسمعه وهو يتحدث عن أساليبه المختلفة التي جسدتها تحولاته الفنية. لم تكن لديه رغبة في أن يتذكر. تقلقه اللوحات التي لم يرسمها بعد. لذلك حرص على أن يجرّ عربتي خيالنا بخيوله. كان يوسف عبدلكي ثالثنا.

“أنا جبراني الهوى” يقول من غير أن ينكر أنه كان دائما رسام المدينة التي أحبها أكثر من سواها، دمشق. ولكن جبران الذي كان مسيحيا مثل الزيات، كان قد أدار ظهره إلى المدينة وصار يجد في المراعي المعنى الحقيقي لبهجة حياته. وهو ما لم يفعله الزيات. ففي رسومه، حتى تلك التي كان يصور من خلالها الطبيعة، كانت المدينة حاضرة بقوة. الزيات واحد من أعظم رسامي المدينة، فما الذي يجمعه بجبران ليقول “أنا جبراني”؟

جبران كان أيقونيا، وكذلك الزيات. كان لديهما حس مأساوي مشترك. بلاغة نعيم مفقود أسرت الزيات إلى جبرانه، الذي هو اكتشاف شخصي. كم كان الزيات قد تمنى أن يكون جبرانيا في تخطيه لعقدة المدينة التي سكنته عميقا، وهي العقدة التي صار الآخرون ينظرون إليه من خلالها.

كان معرض “إلى جبران” هو آخر معارضه في دمشق، قبل أن تقوم الحرب ليسكن الخوف شوارع المدينة التي أحبها ونذر فنه لها. فهل كان ذلك المعرض تحية لجبران أم كان محاولة للتعبير عن ندم قديم؟ ليس لدى رسام من نوع إلياس الزيات أجندة سرية. سيكون من الصعب التقاط فحوى تأملاته الشكلية، غير أنه سيكون واضحا حين يتعلق الأمر بما يرغب في الإفصاح عنه.

كلمته تكشف عن خصوصيته التطهرية وهو ما دفع الزيات إلى إقامة معرض بعنوان "إلى جبران"، غير أن الرجل المسالم لا يلزم أحدا بشيء من طهرانيته. كما لو أنه كان يسمح للغرباء المارين بقريته أن يمروا، من غير أن يلتفتوا إليه

لقد التقيته في الوقت الذي كانت فيه الأزمة السورية عبارة عن ثمرة لم تنضج بعد. لم يكن هنالك ذكر للقنبلة التي ستكونها تلك الأزمة في ما بعد. كانت عيناه يومها تفكران بنوع السلام الذي سيلي الأزمة وينتج عنها. الحرب لا تدخل إلى المجال الذي تحتكره الأيقونة في تصويرها العالم. كان الزيات ينتظرنا، كما لو أننا سنقرر شكل المرحلة المقبلة التي ستكون عنوانه الذي سيذهب به إلى السلام.

كان الرجل يحلم في أيقونته الأخيرة التي صار عليه من خلالها أن يرتد إلى تطهريته. وهو ما سيدفع به إلى أن يغسل يديه قبل الرسم وبعده.

رسم الزيات كل شيء، غير أنه احتاط أن لا يكون تجريديا. في رسومه تبدو الحياة طازجة. لا يزال النهار في أوله. تذكرني رسومه بالمشاهد التي يراها الفلاحون وهم يخرجون إلى الحقول مع الفجر.

يستدرج الزيات تفاؤله ليجعله يسبقه إلى المشاهد التي يريد تصويرها بعينين ترغبان في تعلم نظافة النظر. لا يملي الرسام أفكاره على المشاهد التي يراها ويرغب في تصويرها، بقدر ما كان يتبع خياله، وهو خيال ناعم يرافقه مثل صديق أينما مضى.

في حديثه يتأمل الزيات كلماته قبل أن ينطق بها. إنه يرسمها خياليا قبل أن تأخذ هيأتها الصوتية. وهو ما يفعله بالضبط حين يرسم. لذلك تبدو مشاهده كما لو أنها خرجت لتوها من عالمها بعد أن مرت بخياله فوهبها نعومة لم تكن منها. حينها يحق للمرء أن يشك في أن الزيات كان قد اخترع المشاهد التي أوهمنا بأنه رآها من حوله في الواقع.

10