إلياس خوري: أصحاب الرسالات في الأدب أنبياء كذبة

الأحد 2014/03/02
التجديد الأدبي ليس ابتكارا آليا ينفي ما سبقه

إلياس خوري مختلف وجديد في كل مرة، يلعب مع نفسه بالمتخيل والواقع ويمزج بينهما نصاً متراصاً كما جنود في معركة. انتصر ولم يدخل معركة . وفي كل مرة يرتب تجاربه الحسية المكتوبة وينتصر لنا ولنفسه وللرواية ويلفت انتباهنا إليه. إنه موجود حقاً بيننا وبين ما بعد الرواية التي تحيا كما يحب لها.

جريدة العرب اللندنية وقفت مع إلياس لتسأله عن مجموعة قضايا الأدب والسياسة والنقد، فكان معه هذا الحوار:

السؤال الأول عن الرواية باعتبارها هي ما يذهب بنا إلى آخر لا نعرف ملامحه بالضبط سوى أنه قارئ. كيف نصنع ثقافة مميزة لروايتنا؟ هل نرمي الطعم لذاكرة الآخر ونشيد له وعياً لا يمتلكه هو أصلاً؟ هل نحتفي معه بسعادة نصنعها من أجله؟ أم أننا نبدع الرواية ونترك الحبل على الغارب؟

يجيب إلياس قائلاً: ” في الحقيقة أنا لا أحب أصحاب الرسالات في الأدب، وأعتقد أن أصحاب الرسالات هم أنبياء كَذَبَة، ونحن لا حاجة لنا بأنبياء كذبة جدد يكفينا ما حصلنا عليه، و آخر نبي أو أخر شاعر نبي كان المتنبي وهو كما كتب عنه أبو العلاء المعري ( الشاعر بأل التعريف) وبعد المتنبي انتهت هذه الوجهة التي جعلت من الكتابة نبوة ومن النبوة وسيلة إلى الملك ومن الملك والنبوة أداتان للشعر، نجد هذا قديماً فأمرؤ القيس كان شاعراً وملكًا بالمعنى الرمزي للملك الذي فقد ملكه، ونجد ذلك عند سليمان الحبيب الذي كان ملكاً وشاعراً و نبياً، هذا الثلاثي الملك – النبي – الشاعر الذي نجده في التاريخ الكلاسيكي، لم يعد له مكان في زماننا على ما أعتقد، هو تراث جميل نعود إليه ونتمتع به وفيه ونقرؤه، لذلك أنا أعتقد أن الأدب ليس صاحب رسالة، الأدب رسالته للأدب فقط. يعني الأدب متعة.

ويضيف” نحن كبشر نقضي حياتنا في رواية قصص لبعضنا بعض، فالقصة هي سرير ومكان تفتح الرغبات والمشاعر والخيال والرغبة ولذلك نحن نروي، لذلك هدف الكتابة هو الكتابة والمتعة، ولا توجد كتابة خارج زمنها وسياقها التاريخي، يعني أنني لما كتبت رواية (باب الشمس) كنت فعلاً المخطط لكتابة رواية حب. والله لم يكن المخطط كتابة رواية نكبة، رواية عن رجل يعيش في مخيم شاتيلا وامرأته وحبيبته تعيش في الجليل- فلسطين التي صارت (إسرائيل) بعد 1948، وكان عليه أن يخاطر بحياته في كل مرة يريد أن يلتقي بهذه المرأة و يمارس معها الحب، فكان ثمن الحب هو الموت هذه الفكرة العامة للرواية.

أنا أنقل رسالة سياسية بمقال أفضل بكثير من رواية، وأنا أكتب ذلك كمواطن أحب أن أمارس مواطنتي بشكل كامل وبصفتي مثقفا أتخذ مواقف وأكتب بشكل أسبوعي منذ أربعين عاما

ويتابع: طبعاً كتبت هذه الرواية في سياقها التاريخي وسياقها التاريخي هو النكبة، التي اعتبرت رواية النكبة الفلسطينية هي رواية حب، وليست رواية نكبة، تحوي تفاصيل النكبة وتفاصيل حب ولكن كي تبني الحكاية كان لا بد من بنائها في السياق التاريخي والبناء في السياق التاريخي كان مفيداً، ففي باب الشمس إضاءَة على أشياء لم نكن نعلمها ونريد أن نتجاهلها وأتحدث هنا عن العالم وليس فقط عنا نحن العرب، الغرب تفاجأ بوثيقة نادرة وتاريخية عن نكبة فلسطين وكأنهم لا يعرفون ماذا حدث وهم فعلاً لا يعلمون، حتى نحن العرب وقسم من الفلسطينيين لا يعرفون، لكن لم يكن هذا الهدف، الهدف كان أن نكتب قصة في سياقها التاريخي وأنا أشدد على ذلك كي تكون أنتَ ابن زمنك ولا يمكن أن تكون ابن زمنك إلا بالمواقف الإنسانية الخاصة بزمنك وإلا لا لزوم لكتابة أدب مالم تحب الناس، أنا أحب الناس وأكتب عنهم وأنا لا أكتب عن ذاتي أنا لا أتسلى بهم، هذا يعطي الرواية سياقا اجتماعيا و تاريخيا وسياسيا.

لكن إلياس ينبه إلى أن الهدف ليس نقل رسالة سياسية، قائلا: أنا أنقل رسالة سياسية بمقال أفضل بكثير من رواية، وأنا أكتب ذلك كمواطن أحب أن أمارس مواطنتي بشكل كامل وبصفتي مثقفا أتخذ مواقف وأكتب بشكل أسبوعي منذ أربعين عاماً، في أماكن مختلفة لأسجل موقفي كمواطن من الأحداث السياسة والاجتماعية والفكرية، أما عندما أكتب رواية فأنا أكتب قصة من أجل البحث عن هذا الإنسان، الذي يتواجد في داخلي وفي داخلك، بداخلنا كلنا وبالتالي نتحول كلنا إلى مرايا لبعضنا البعض ونكتشف أنفسنا من خلال الآخر، فأنا أكتشف نفسي من خلال أبطال رواياتي، أبطال رواياتي لا يشبهونني أنا لا أستحق، فهناك خطأ شائع بأن الأديب يكتب عن نفسه، لكن أنا أكتب عن أناس آخرين أعجب بهم ويستحقون أن أكتب عنهم، وأتعلم منهم وفي كل رواية هناك رحلة عميقة نحو الآخر وتصيبني بجروح في القلب لأن الرواية تنتهي. وعند سؤاله عن التطور في الرواية العربية باعتباره موضوع سجال، والبعض يحاول أن ينفي الآخر، كيف ينظر إلياس خوري إلى هذه المسألة؟

يذهب بنا إلياس في أجابته إلى أن التجديد ليس ابتكاراً آلياً ينفي ما سبقه، وليس هناك قطيعة بين القديم والجديد، والذين يقولون بغير هذا فإن ذلك يصدر عن خلل في بنية الرؤيا التي تطرح هذه الأفكار، لأن التجارب الإنسانية على الصعيد الأدبي هي تجارب متصلة في العمق، ومستفيدة من بعضها البعض ومكملة لمشهد التجربة الإنسانية، فنحن لا نزعم بأن التجربة الروائية العربية الحديث قد خرجت من فراغ، لذلك كل التجارب التي تلحقه هي تجارب من هذه الثقافة الواسعة العميقة، البعض يعتقد أن المبدع هو الذي يبدأ من الصفر، وأن الذي يكتبه هو بحكم القيمة مبني على إلغاء السابق، وتأسيس شيء جديد، وهذا على الصعيد الفيزيائي غير ممكن فما بالنا على صعيد النسيج الإنساني الشامل الذي يعتمد على ثقافة متعددة عبر الزمن والجغرافيا.

إن كل جزئية من أية ثقافة في العالم عبارة عن هواء يستنشق منه المبدع لكي يصوغ تجربته، نحن نستطيع القول إن التجارب الإبداعية الجديدة هي إضافة نوعية تصقل التجربة.. فأنا أحب نصوصا متعددة من كل العصور، يعني أن هناك إبداعاً بالطبع، ولا يمكن أن أزعم أن ما أكتبه هو الإبداع، فإذا زعمت هذه الفكرة فيجب عليَّ أن أتوقع ولا أستنكر بأن الجيل الذي يأتي بعدي من حقه أن ينفيني، أنا أعتبر نفسي اقتراحاً إنسانياً جديداً أرجو أن يكون جزءاً من هذا السياق التعبيري والإبداعي الواسع للبلاغة، أزعم ذلك وأتمنى أن يكون، من المؤكد أنني لا أستطيع أن أنفي ما قبلي لأنني لا أتوقع أن ينفيني ما بعدي.

و حول إذا ما كان الكاتب بحاجة أحيانا إلى “لغتين” كي يقول ما يريده؟ وهل يشعر من اختلافات في هذين الفضاءين اللذين يطير فيهما؟ فإلياس الخوري لا يرى الأمر بهذه الطريقة.

إذ ليست ثمة لغتان في كتابة الرواية. بالنسبة إليه، سأكون نفس الشخص والطاقة والرؤية والتعبير في لحظة الكتابة. حتى عندما أكتب مقالاً للجريدة لا أستطيع التخلي عن الرواية. ربما تفاوتت درجة حضور الرواية (لغة ورؤيا) بين سياق وآخر، لكنه ستظل هناك دائماً. غير أن في كتابة المقال سأكون مثل شخص يذهب إلى حديقة الشمس بقدمين ثملتين، في حين ذهابه إلى نفس الحديقة (في حالة الرواية) سيراوح بحريّة المخيلة بين الجذور والأجنحة، محلقاً بأجنحة كثيرة وأقدام لا تحصى تمسّ الأرض التي تشفّ هي الأخرى عن الأعالي حيث شاهق الروح والقلب.

بهذا المعنى أجد بأن شروط الكتابة عند الروائي سوف تختلف كثيراً عن شروطها عند الآخرين، وإلا فما الفرق بين أن يكتب نثراً في صيغة مقالة أو غيرها، وأن يكتب شخص آخر نفس النص؟ السر هو هنا، في هذه المنطقة الجنونية من لغة التعبير، حتى عندما أفعل ذلك ربما لأنني أثق دائماً في أن الشخص الذي كتب هذا النص يمكنه أن يكتب نصاً آخر، أجمل منه.

خوري: الرواية تولد بلا ضجيج وشرطها الأول كتابة المحرمات

بقي أن أقول إن الفضاء الذي تتيحه الرواية هو من الرحابة بحيث يسهم في صقل نزوعي العميق في تجاوز التخوم التي تتصل بمفهوم أنواع التعبير. وأظن أن هذه التجربة ساهمت في تنوير جوانب معتمة في تجربة تقاطع أشكال التعبير الأدبية. وفي هذا إغناء لتنوع الأدوات في لحظة النص.

ويسوق إلياس مثلاً: في السجن يكتب يالو قصة حياته مرات عديدة، فيكتشف الكلمة التي أعادت خلقه من جديد، لذا يكتب قصة حياته لتكون عبرة لمن يعتبر، يكتبها من أولها لآخرها. ومع توالي القراءة يشف النص عن محتواه مضيئاً عنوانه ” حكاية يالو يا سيدي حكاية أسميها الحرب”. حكاية يلخص فيها الواقع، واقع الحرب الأهلية في لبنان، فيغدو النص عنواناً، والعنوان نصاً في دلالة كل منهما على الآخر. فالحكاية لا تخص يالو وحده، فهو فرد ضمن أسرته ومجتمعه وبيئته التي يعيش فيها، إنها بيئة الحرب التي خطت المستقبل الأسود للشباب اللبنانيين، فيالو صار مقاتلاً مثل آلاف الشباب الذين تركوا دراستهم، وذهبوا إلى المصير الذي صنعته لهم الحرب”. وحين يكتب يالو حكايته يكتبها بالتفصيل، يكتب كل شيء عن “جده وأمه، وإلياس الشامي، حكايات بلونة وعشاقها، والمتفجرات…”. يكتب يالو حكايته من أولها لآخرها أسود على أبيض.

أما فيما يتعلق بترجمة أعمالي إلى لغات أخرى لتصبح من بين مصادر ثقافية غاية في التنوع غير المباشرة، لأن التأثر لا يكون مباشراً إلا إذا جاء من قراءة النص بلغته الأصلية، خصوصاً إذا كان رواية، فليس من المتوقع أن تصدر تجربة كثيفة دون لغة تسعفها في الاتصال بالنص الأصلي. وبالطبع قرأت شعراً مترجماً إلى العربية عن لغات مختلفة لأنني أمتلك لغات تسعفني بالذهاب إلى الأدب الأجنبي في مضانه.

غير أنني كنت ولا أزال مولعاً بقراءة الشعر المترجم من شعوب مختلفة وأتابع كل جديد بعناية بالغة. هذه متعة لا أفرط فيها أبداً، ولا أكترث بالوهم الذي يصادر حرية الشاعر في أن يأخذ ما يشاء من أية جهة يحب وأية لغة أو أدب يتصل به.

فليست لدي عقدة إزاء المزاعم التي تسبق النص والتجربة لكي تصادر أن يكتب الشاعر العربي الجديد بالشكل الذي يروق له مهما كان مصدره أو مذهبه. فالتراث الإنساني هو تراثي على الاطلاق. أما الكلام عن الأفكار المستوردة هو الآن نوع من السذاجة التي لا تليق بكائن يعيش هذا العصر. وليس من الحكمة إضاعة الوقت في هذا.

15