إلياس ديب عقل ساحر ويد مهندس

الفنان التشكيلي اللبناني ديب يلجأ إلى رقعة الشطرنج، لأنه يرغب في تبسيط الأشكال من غير التخلي عن الإشارة إلى رمزية ما تنطوي عليه الحركة.
الأحد 2021/02/28
رسام سلّم حياته إلى خيال ألعاب فكرية

لا تستوي الكتابة عنه باعتباره رجلا ميتا مع حقيقة أنّ كل شيء منه لا يزال حيا وسيبقى كذلك زمنا طويلا. فهو يعيش في ألعابه الجمالية التي صارت بمثابة أيقونات يمتزج فيها الجمال المجرد بالمساءلات الفكرية. 

إلياس ديب عاش حياته بعمق وسرعة وغزارة بحيث أنه عمل كل شيء بكثافة وتوتر لكي لا يسمح للوقت من أن يتمكن منه. ولأنه توصل مبكرا إلى حقيقة أن الأنواع الفنية تقع في منطقة واحدة فقد صار عبوره بين فن وآخر يتم بخفة واسترسال. كما لو أنه كان يفعل الشيء نفسه دائما.

تعلم كيف يحب المدينة التي يقيم فيها ويعتني بها من غير أن يرسمها مباشرة. وهو ما صار يعلمه للآخرين. مسحورا ببيروت التقط مفرداتها الخفية وصنع منها سلاسل من اللوحات التجريدية.

"الأداة السحرية" عنوان الكتاب الذي ألّفه ديب من أجل تحليل الأعمال الفنية لجبران خليل جبران. بالنسبة له فإن ذلك الكتاب يمثل إنجازا مهما من جهة المساحة الحرة التي وجدها لتطبيق نظرياته في العلاقة العضوية بين الأدب والفن

ومن أجل أن نفهم ديب من الأساس علينا أن نلتفت إلى درسه الأكاديمي الذي استند أصلا على تعليم أصول الرسم. فكان في دروسه العملية يركز على تمرين بصري من نوع خاص يقوم التلاميذ من خلاله برسم “الحياة الجامدة” ويتسابقون في ما بينهم من أجل الوصول إلى المثال الباروكي.

كان الدرس بالنسبة إليه نزهة بين التجليات البصرية للأشياء التي لا تملك القدرة على الدفاع عن جمالها الصامت.

وإذا ما كان معلما صارما في الجانب العلمي، فإنه كان ساحرا في الجانب النظري حين يدرس النظريات وتاريخ الفن والنقد الفني. فهو من القلة النادرة من التشكيليين العرب التي تؤمن بأن جزءا ليس صغيرا من العملية الفنية إنما يتم عن طريق المعرفة والتفكير.

أن تكون رساما فذلك معناه أنك قادر على التفكير في الرسم ومن خلاله بعد أن صقلت موهبتك بالتمرين المدرسي. لا يكفي أن تعرف ما الرسم أو كيف ترسم لكي تكون رساما بل يجب عليك أن تهتدي إلى طريقتك الشخصية في التفكير في الرسم.  

من جبران إلى ألم القصيدة

ديب أن يرسم كمَن يلعب الشطرنج
ديب أن يرسم كمَن يلعب الشطرنج

التقيت ديب في ثمانينات القرن العشرين، في أولها، باعتباره مصمما يُشاد به. كان يستعرض نفسه أمامي في إطار تلك الصفة. غير أنه كان يستعمل لغة صداقة لا يسمعها المرء كل يوم.

أغمض عينيه قبل أيام في باريس. المدينة التي أحبها كما لو أنها كانت الوجه الآخر لبيروت.

ولد ديب عام 1945، ونال شهادة الدكتوراه عام 2003 في العلوم البصرية والفنون من جامعة السوربون بباريس. وقبلها شهادتي الماجستير والبكالوريوس من الجامعة نفسها. وكان قد حصل على الدبلوم من المعهد الوطني للفنون الجميلة في الجامعة اللبنانية ببيروت مطلع السبعينات.

منذ عام 1994 عمل مدرسا في معهد الفنون بالجامعة الأميركية وأدار العديد من ورش العمل في فن الأيقونوغرافيا. كما عمل ديب على إنجاز التصميمات الأساسية لعدد من المجلات العربية وكانت له شخصيته المميزة في ذلك المجال الحيوي.

دروسه العملية يركز فيها ديب على تمرين بصري من نوع خاص يقوم التلاميذ من خلاله برسم “الحياة الجامدة” ويتسابقون في ما بينهم من أجل الوصول إلى المثال الباروكي

“الأداة السحرية: قراءات في كف جبران” عنوان الكتاب الذي ألّفه ديب من أجل تحليل الأعمال الفنية للشاعر والناثر اللبناني ـ العالمي جبران خليل جبران. بالنسبة إلى ديب فإن ذلك الكتاب يمثل إنجازا مهما من جهة المساحة الحرة التي وجدها من خلاله لتطبيق نظرياته في العلاقة العضوية بين الأدب والفن. وهي علاقة تتخطى التقنيات والمواد لتصل إلى حدود التأمل الفلسفي.

اما “طاحونة الصدى: نصوص عفوية ورسوم من سفر العجائب” فهو كتابه الأخير الذي أصدره عام 2012. ذلك كتاب فريد من نوعه لما تضمنه من محاولة للعب مع الموت رسما وكتابة. لقد كتبه بعد إصابته بالمرض الذي سلمه إلى الموت. كتب شعرا تجريبيا. قصيدة طويلة لا يريد لها أن تنتهي من أجل أن يتأخر الموت. قاوم ديب المرض بالرسم فكان كمَن يسلي الألم ليلهيه عن مهمته. كانت الفوضى تطبق عليه من كل الجهات وكان يثق بما لديه من أسلحة.

كانت الكتابة عفوية والرسوم تحضر بشكل تلقائي. غير أن الفنان كان مصرا على التقاط الخلاصات. في كل صفحة يشعر المرء أن هناك مَن يتقدمه في القراءة والنظر حاملا ناقوس الوقت. لم يكن ديب غافلا عما يحدث في أعماق جسده غير أنه في الوقت نفسه كان يزداد رغبة في تأمل عالمه الخارجي بأسلوب فلسفي.

لم يكن ديب رومانسيا في تأملاته ولا غنائيا في رسومه. كان بحثه عن الانسجام الكوني يتم بطرق أقرب ما تكون إلى الهندسة. كان ديب الذي أقام معارضه الشخصية بين فرنسا ولبنان مهندس مرئيات.

الرسام لاعب شطرنج أيضا

ديب هو صنيع جهده الإلهامي
ديب هو صنيع جهده الإلهامي

يقول ديب “هناك مجموعة من اللوحات مستوحاة من عالم الشطرنج تؤكد موقفي اتجاه الحرب وقد حاولت فيها إلغاء مفهوم الحرب وتحويل الصراع إلى معاناة داخلية داخل عنصر ـ الذات الذي يتحمل كافة أعباء اللعبة دون أن يكون شريكا فيها. وأركز في ذلك على الإنسان اللبناني الذي هزمته الحرب من خلال وقوعه في شرك قدرها”. ورد ذلك في كتاب فيصل سلطان “كتابات مستعادة من ذاكرة فنون بيروت”.

سحرته لعبة الشطرنج وخصها بالكثير من بحوثه النظرية. ما القصة؟ كان ديب يملك عينا قادرة على مراقبة الحركة داخل مكان ثابت. كان يتحرك ضمن إيقاع مؤطر غير قابل للمفاجآت. تلك ميزته التي جعلته قريبا من العقل بعيدا عن العاطفة. وهو ما انعكس في فنه الذي كان مرآة لأفكاره. فهو ليس رسام وقائع كما أنه لا ينسج على غرار المرئيات.

وهو إذ يلجأ إلى رقعة الشطرنج فلأنه يرغب في تبسيط الأشكال من غير التخلي عن الإشارة إلى رمزية ما تنطوي عليه الحركة، أي حركة من تعقيدات ستكون في ما بعد عنصر إثارة للأسئلة.

ديب ورقعة شطرنجه كانا ظاهرة في الرسم الحديث في لبنان. قال عنه أحد النقاد “اشتغل على الحركة التي لا تهدأ ودخل إلى نبضها فصال وجال ولعب على  التناقضات ونجح في تدجينها وترويضها”.

البحث عن الانسجام الكوني
الاشتغال على الحركة

جرّب ديب أن يرسم كمَن يلعب الشطرنج. ليست الوقائع هي الأساس بل الخيال الذي في إمكانه أن ينسف كل الوقائع. كان في إمكانه أن يكون قريبا إلى الهولندي بيت موندريان غير أنه تفادى ذلك المصير البائس فصار يقترب شيئا فشيئا من الروسي فاسيلي كاندنسكي. ولكنه لم يكن يهوى الارتجال إلا في ما ندر.

كان ديب كما عرفته يرى قيمته في كونه باحثا في مجال الفنون البصرية وليس مجرد رسام أو مصمم. ربما كانت تلك هي نقطة ضعفه. هل كان على
خطأ؟

أحبّه طلابُه لأنه كان صارما في انحيازه إلى الدرس الأكاديمي. وأحبه الفنانون اللبنانيون لأنه يوم كان رئيسا لجميعتهم عمل بشغف، وأنا أحببته لأنه كان صديقا عميقا في إنصاته حين يرغب في أن يصل الجدل إلى أقصاه. غير أنه في الوقت نفسه كان رساما مختلفا بأسلوبه الذي يميّزه ويضعه خارج قفص الأساليب المكرسة والمتاحة. ليس في الإمكان أن تجد مَن يشبهه. فالمنطقة التي اشتغل فيها هي من صنع خياله ولا يمكن أن يشاركه فيها أحد.

إلياس ديب هو صنيع جهده الإلهامي. وإذا ما أضفنا إلى ذلك الإلهام ما عاناه من ألم صامت فإن النتيجة ستكون فنانا من طراز كان قد خطط لكي يكون شبيهه. لقد رسم مستقبله بعقل ساحر ويد مهندس.

9