إلياس سالم يرتقي قمة نضج السينما الجزائرية في قرطاج

الثلاثاء 2014/12/02
الوجه الآخر لزعماء ما بعد التحرير

تونس ـ الجزائر هي الدولة الوحيدة التي لها فيلمان داخل مسابقة مهرجان قرطاج السينمائي (29 نوفمبر- 6 ديسمبر)، التي يشارك فيها 15 فيلما من 14 دولة عربية وأفريقية. الفيلم الأول هو “الوهراني” لإلياس سالم، والثاني هو فيلم “لوبيا حمراء” للمخرجة ناريمان ماري.

“الوهراني” هو الفيلم الروائي الطويل الثاني لمخرجه الذي سبق أن قدم قبل ست سنوات فيلم “مسخرة”، محققا نجاحا كبيرا واعتبر عودة قوية إلى سينما النقد الاجتماعي الساخر، ويمكن القول إن “الوهراني” هو أول فيلم جزائري يتناول حرب التحرير وما بعدها، بعيدا عن الصورة التقليدية الرسمية التي تمجد “أبطال الثورة”، وهي الصورة التي دأبت الأفلام الجزائرية على الترويج لها منذ الاستقلال بتنويعات مختلفة.

أما إلياس سالم في “الوهراني” فإنه يتعمق تحت جلد الصورة البراقة اللامعة، لكي يكشف من خلال حس نقدي عال، الثمن الفادح الذي كان يتعين أن يدفعه الفرد، بل والوطن كله، بسبب ما وقع من تجاوزات وانحرافات وانتهاكات لحقوق الإنسان الجزائري، وعملية تغييب الوعي الممنهجة التي نتجت عن السيطرة الأحادية على السلطة، وسياسة تقسيم المنافع على “شركاء” الثورة الذين تحولوا من مقاتلين إلى نخبة أرستقراطية مستجدة، تغترف وتنتهك وتمارس النهب المنظم، وتحمي مكاسبها بالقمع.

فيلم إلياس سالم يفتح الجرح الذي لم يُفتح من قبل بكل هذه القسوة، بل وبهذا الجمال الفني والصدق. ويقوم سيناريو الفيلم على ثلاث شخصيات رئيسية هي جعفر وحميد وفريد.

يستخدم إلياس سالم أسلوب التداعيات في الزمان والمكان، يفتش في الذاكرة ويستدعي صورا من الماضي، من أجل تقديم صورة مجازية لما وقع في الجزائر، منذ إعلان حرب التحرير ضدّ الاستعمار الفرنسي إلى ما بعد الاستقلال، أي أن الأحداث تُروى على مدار ثلاثين سنة، من منتصف الخمسينات إلى منتصف الثمانينات الماضية.

هناك بعض التشابهات أو التقابلات المقصودة بين الشخصيات السينمائية التي نراها في الفيلم، وبين شخصيات تاريخية معروفة لعبت دورا بارزا في تاريخ الجزائر الحديث، لكنها تأتي ممزوجة بالكثير من التفاصيل المتخيلة بحيث يخلق الفيلم واقعه ولا يصبح محاولة لإعادة تجسيد الواقع الفعلي.

(الوهراني) هو أول فيلم جزائري يتناول حرب التحرير وما بعدها، بعيدا عن الصورة التي تمجد أبطال الثورة


صور مجازية


الشخصية الأولى هي شخصية الوهراني جعفر، وهو نجار ريفي، ونموذج للوطني الجزائري الذي يحتم عليه واجبه أن يترك أسرته وزوجته ويلتحق بجيش التحرير الجزائري الشعبي، يحارب في الجبال مع رفيقيه حميد وفريد، ويعود بعد خمس سنوات إلى بلدته، إثر انتصار الثورة الجزائرية، وخروج الفرنسيين من الجزائر وتسليمها للقيادات الوطنية الشابة.لكنه يعلم بوفاة زوجته “ياسمين” التي يبدو أنها فضلت الموت بعد أن اغتصبها مستوطن هو ابن لضابط فرنسي كبير قتله جعفر خلال المعارك، لكي ينقذ حياة صديقه حميد.

وقد أنجبت ياسمين طفلا نتيجة للاغتصاب من ذلك الفرنسي، هو ولد أشقر ذو عينين زرقاوين، أصبح مادة خصبة للسخرية في البلدة من جانب غيره من الأطفال، فهو “فرنسي” المظهر تماما لكنهم أطلقوا عليه اسم “بشير”.

أمام هذه الحقيقة يصرّ جعفر على التمسك به وأن ينسبه لنفسه ويتولى تربيته باعتباره من صلبه، لكنه في الوقت ذاته، يتمزق داخليا لحقيقة أن “بشير” ليس ولده، بل “نتاج الاغتصاب” أي جزء من التركة السلبية الشائنة التي تركتها فرنسا للجزائريين، ويتعين عليه التعايش معها.

يدور الفيلم إذن، في منطقة تقع بين التاريخي والخيالي، وبين الواقعي والرمزي، وبين الذاتي والموضوعي، وبين الخاص والعام. وإلياس سالم يعبر عن موضوعه من خلال سياق سينمائي بديع ودقيق يتميز بالوضوح والإيقاع السلس، بحيث يبدو أنه قفز بالسينما الجزائرية من طابع “سينما المؤلف” التي تميل نحو الشطحات الفنية يشوبها طابع الهواة أحيانا، إلى السينما الاحترافية المكتملة.

يتقلد الوهراني منصبا عسكريا رفيعا في الدولة (وهو يذكرنا، على نحو ما، بشخصية هواري بومدين، بمثالياته وتقشفه وتزمته الشخصي وقسوته على نفسه وعلى الآخرين).

ويبدو جعفر متفائلا حين وصل في يقينه إلى درجة الإيمان باليوتوبيا، بمستقبل الجزائر، فهو يتطلع إلى أن تملك البلاد القدرة على تصدير الأخشاب إلى كندا، وأن تصنع أيضا مركبة تطلقها إلى الفضاء.

قفز المخرج في فيلمه بالسينما الجزائرية من طابع سينما المؤلف إلى السينما الاحترافية المكتملة

أما “حميد” فيبدو أكثر برغماتية، فهو أقرب إلى السياسي الانتهازي الذي يمتلك لسانا فصيحا وقدرة على الخطابة والإقناع، ولكن ديماغوجيته تبدو مكشوفة أمام صديقه “الوهراني”.

يتقلد حميد المنصب السياسي الأهم في الدولة -ربما يرمز إلى شخصية بن بلا- وتدريجيا يتنكر حميد للمثاليات القديمة، وتتفتح شهيته لحياة الثراء، فيتزوج أميركية، ويقيم في أحد قصور الفرنسيين، ويقبل يختا فخما من رجل أعمال فرنسي يرغب في الحصول على صفقة احتكارية ضخمة، يفرض على جعفر قبولها بدعوى أن الفرنسي سبق أن ساند الثورة ودعمها بالمال.

أما الرفيق الثالث فريد فهو الأكثر براءة ونقاء ثوريا، فهو يرفض السياسة التي يتبعها حميد ويعارضه بشدة، وخلال مناقشة حادة بينهما فوق سطح اليخت، يقفز في الماء مفضلا السباحة إلى الشاطئ، على البقاء على سطح اليخت الذي يرى قبوله انحرافا صريحا عن المبادئ الثورية.

إنه ما زال يؤمن بالفقراء وبضرورة إحداث نوع من التوازن والتنمية التي تحقق رفع مستوى المعيشة للناس. يؤيده في ذلك جعفر ويسخر من أفكاره حميد. الشخصيات الثلاث تختصر على نحو ما، الأجنحة السياسية الثلاثة: اليمين والوسط واليسار.

ويصور الفيلم كيف تأكل الثورة أبناءها، وكيف يتحول حميد ضد فريد فيأمر باعتقاله، حيث يموت تحت التعذيب، وهنا تصل الأمور بين جعفر وحميد إلى القطيعة النهائية.

وفي نفس السياق يتابع الفيلم ببراعة ودون الخروج عن الدراما المحورية التي تدور حول شخصية “الوهراني” وردود فعله على ما يحدث حوله، كيف يتعرض صحفي جزائري للتعقب.

ثم الاعتقال والتعذيب الرهيب من جانب جهاز الاستخبارات بتعليمات من حميد بدعوى حماية صورة الثوار، فقد كان الصحفي يسعى إلى الوصول لكشف حقيقة “بشير”، النبتة الفرنسية التي جاءت نتيجة الاغتصاب!

وفي الفيلم الكثير من التساؤلات حول هوية الجزائر وانتمائها: هل هو التوجه العربي الإسلامي (حميد يرغب في تلميع هذه الصورة، ولكن لأسباب انتهازية)، في حين يتحفظ زملاؤه الذين يرون أن الجزائر تتكون من خليط عرقي وثقافي بل ولغوي.

إلياس سالم في (الوهراني) يتعمق تحت جلد الصورة البراقة اللامعة، لكي يكشف من خلال حس نقدي عال، الثمن الفادح الذي كان يتعين أن يدفعه الفرد، بل والوطن كله


المستوى الفني


يتعين علينا هنا الإشادة بمستوى التصوير، بفضل براعة مدير التصوير بيير كوتيرو، الذي نجح في التعبير بصريا من خلال الضوء والزوايا، عن ذلك التباين بين لقطات ومشاهد الماضي، ومشاهد ما بعد الثورة، وصولا في تعامله التدريجي مع الضوء، إلى تلك النهاية الحزينة للأحداث التي لا تنهي القصة، بل تفتح قوسا كبيرا وتتوقف. تكتسب ألوان الماضي صبغة لونية قوية، حارقة، تتراجع تدريجيا إلى برودة اللون الأزرق الفاتح والأبيض في مشاهد الليل بالجبال. ولكنها تعود إلى الألوان الصاخبة الاحتفالية في مشاهد ما بعد التحرير.

وداخل منزل حميد، تبدو الإضاءة ساطعة تجعله يظهر كنجم سينمائي تحيط به الأضواء، بينما تبدو إضاءة المشاهد التي يظهر فيها جعفر بعد تراجع ثقته في حميد، مليئة بالظلال، تحيط به إضاءة خافتة تظهر جانبا من وجهه في اللقطات القريبة “كلوز أب” التي تلمع فيها عيناه. ويتميز الشريط الصوتي بالأغاني الشعبية القديمة التي تعبر عن الروح الجزائرية عموما.

ويجب أن نشيد هنا أيضا بالأداء التمثيلي من جانب مجموعة الممثلين جميعا، وفي مقدمتهم خالد بن عيسى في دور حميد.

كما يتفوق إلياس سالم على نفسه في دور جعفر الوهراني، الذي يضفي عليه الكثير من التوتر والعصبية الطبيعية التي تتوافق ومزاج نجار خشن قادم من الريف، قاتل في الجبال وعاد يحلم بالمستقبل المزدهر، فوجد البلاد تغرق في كابوس العنف والاغتيالات والتعذيب والفساد والانحرافات، وكأن الثورة لم تكن.

16