إلياس فركوح: جمهور القراء إلى انحسار وهذا ليس ذنب الكاتب

الأحد 2013/12/22
فركوح: أنا عاجز عن تبسيط لغتي

• قد يقول قائل: عندما يعجز المبدع عن التعبير بأدواته الخاصة المعتادة، يلجأ إلى أداة أخرى. أمِنْ هنا انتقلتَ إلى عالم البوستر؟

- أصبحت كتابة الرواية، وفقاً لاستجابتي وتفاعلي الشخصيين، عملاً شاقاً مستعصياً عليَّ وسط الأحداث المزلزلة المتلاحقة التي يمر بها المواطن العربي في كثير من مجتمعاته، كما أصبح النشر عملاً أشَقّ في ظل انكفاء القارئ عن الكتاب، آخذين بالاعتبار التعامل مع دور النشر والناشرين ضمن معارض الكتاب (السوق الأساسي للكاتب والناشر) بوصفه حالة سياسية.

غير أنّ كلٍّا من هاجس النشر وواجبه عبر إشاعة الوعي، ولو حتّى بنثر فكرة قد تبدو “صغيرة”، يواصلان طَرْق ساعات نهاري. من هنا جاءتني حُمّى البوستر.

والبوستر شكل من أشكال الفنون يمكن توزيعه في غير مكان ولا ينحصر في المكتبة وعلى رفوفها، وبذلك هو متاح لجمهور أكبر، كما أنه يثير السؤال بمجرد لمحة عابرة أو تأمل سريع. من هنا كان الملصق “وسيلة” أو “طريقة” أكثر يُسراً للتعبير عن الفكرة التي أريد.

فمثلاً: حاولت الربط، في أحد الملصقات، بين كلمتين لهما نفس الحروف وعددها لكنهما تتناقضان في الجوهر (التفكير،التكفير)! لقد أصبح التكفير كتلة سوداء متماسكة صمّاء وهاجمة، ترمي بكل ثقلها وظلاميتها على المجتمعات، في الوقت الذي تحوّل فيه التفكير، كما أرى، إلى كُتَل صغيرة يعوزها التماسك، و”نتاتيف” متناثرة هشة يسهل حَسْرها وحصارها، وما بينهما يُسحق الإنسان العربي كما الحشرة! هو إنساننا الواقع تحت ضغط الكتلة الهائلة الهاجمة الكاسحة المكتسحة (ظاهرة التكفير) مستغيثاً فوق أرض هشة تبدو وكأنها متفسخة (حالات التفكير)! وهناك بوستر آخر أسميته “العُقدة والحلّ” (التسمية جاءت في الحقيقة من الصديق ياسر قبيلات لأخرى كنتُ اعتمدتها سابقاً)، أردتُ القول من خلاله إن مسألة تحرير نفسك إنما هي مسؤوليتك الشخصية، وحل عقدتك لا يتأتى إلاّ بيديك، فصممته مركزاً على يدين قويتين مقيدتين بحبل تنتصب أصابعهما للأعلى في محاولةٍ للإفلات، وهكذا.


• بعيداً عن موضوع البوستر، وعودة إلى الأصل فيك كروائي وقاص: أنت متهم بتقصّد الكتابة بلغة صعبة من أجل إثارة الجدل والتميز. وروايتك الثانية “أعمدة الغبار”، التي أثارت لغتها (الصعبة) جدلاً واسعاً، خير مثال على ما تقدم.


- دعيني أقول منذ البداية: هذه تهمة جميلة، وإنها ليست المرة الأولى التي أواجَه بها. اللغة، عندي، ليست ضرباً من نسيج يمكن استبداله بضربٍ آخر حتّى ولو كان من الخيوط نفسها والألوان ذاتها. في الحقيقة أنا عاجز عن تبسيط لغتي، هكذا هي في تشكلها المستقرّ مثلما هكذا هو أنا الآن.

قيل وكُتب عنّي أكثر من مرة بأن هذا الرجل يحمل لغته معه بصرف النظر عن التجنيس الكتابي، وفي أية وسيلة نشر يقصدها، ولأي غَرَضٍ كِتابيّ مهما كانت المناسبة فيه. لا أستطيع التخلي عن لغتي؛ إذ هي هويتي ككاتب وبصمتي الخاصّة.

وبالتالي أعتبر نفسي من زمرة الكتّاب الذين يصارحون جميع مَن يتعامل مع نصوصهم بـ”لغاتهم” كما هي، ليصلوا إلى معانيها الكامنة فيها. فطالما أن هذا الكاتب أو ذاك وصل إلى المعنى، أو بالأحرى إلى سؤال المعنى، بعد مشقة طويلة؛ فلماذا لا يتعب القارئ ويجهد نفسه أيضاً، خِلافاً للاستسهال.. إذا كان قارئاً حقاً؟

ليس دوري، ككاتب فرد، أن أخلق قرّاء من وسط الأُميين الثقافيين. هذا دور المؤسسات (التربوية – التعليمية -الإعلامية- الثقافية، إلخ). وأرى أنّ الأوساط الثقافية التي ارتضت لنفسها أن تتعامل مع القارئ بلغة سهلة مبسطة، واهمةً أنها بذلك تتواصل معه على نحوٍ صائب؛ إنما ارتضت لنفسها الرضوخ والاستسلام لأمر غير ثقافي، وآت من منطقة خارج الإبداع، ومضاد لمفهوم الأدب والكتابة. نحن نكتب للكبار والبالغين الذين من المفترض مشاركتنا “بعض الكودات- المفاتيح- الرموز″، وليس لأطفال ينتظرون منا درساً.

وما يأتيك سهلاً يضيع منك بسهولة تحصيله! أنا أكتب القصة والرواية، وموقعي الذي ارتضيته لنفسي هو أن أكون كاتباً له علاقة بالفكر والانشغال به، وليس بإيصال “الثقافة الميسورة للجميع″ من خلال نصوصي. لستُ واعظاً، أو خطيب جماهير ومنابر، أو صاحب رسالة، أنا مجرد حامل لبضعة أسئلة.

كثيرون قادرون على إيصال “خطاباتهم” بلغة سهلة جداً ومُيَسَّرة للغاية، وهم موجودون بوفرة البؤس الثقافي، لكنني لا أنتمي إليهم ولا أريد. لا بل لا يمكنني ذلك، حتّى وإنْ أردت.


• حديثك السابق قد يعيدنا إلى اتهامك بأنك مع مقولة (الفن للفن)!


- فُهِمَت مقولة “الفن للفن” أصلاً، في مرحلة الخمسينات والستينات من القرن المنصرم داخل الأوساط الثقافية العربية، على نحو خفيف أو سطحيّ أو مُسطَّح. أي استُخِف بها وكُررت وعُلِكَت لتتحوّل إلى أمرٍ سلبيّ ينبغي التصدي له! باتت وكأنها سُبّة، وهي ليست كذلك؛ إذ وُضع مقابلها مقولة “الفن للجماهير”، وفي الحقيقة، حدث ذلك وقت أن كان “الجميع″ يغازلون “الجماهير” ويطلبون ودّها!

إذا أردنا مناقشة المقولة يستوجب علينا طرح السؤال التالي: ما هو الفن؟ الفن، في جوهره، إطلاق حرية الفرد في التعبير عن نفسه بالطريقة التي يشاء وببصمته الخاصة وعن المسألة التي يرتئيها. وأنا بدوري لا يمكنني إلاّ أن أصطف إلى جانب المنادين بإطلاق الحرية الفردية للإنسان بالتعبير عن نفسه، على نحوه الخاص، ولا ضرر في ذلك إذا ما كنا صادقين مع الناس ومع أنفسنا. فأنا لست مسئولاً حزبياً، ولا قائد مظاهرات، ولا محترف صياغة شعارات، ولا كاتب بيانات تحريضية مناسباتية. أنا كاتب، والكتابة متعة، وإثارة فكر، وتنبيه لأسئلة، واستفزاز للمراجعات الذاتية، وخلق جمال من خلال شروطه والإحساس به. والجمال، لو يعلمون، هو ما يستفز فينا السؤال ويعمل على التحريض عليه، وليس ذنب الكاتب أن جمهور القراء في حالة انحسار، وبالتالي لا أرى أن عليه أن ينحسر في كتابته ليُبقي على ما تبقى من قراء باتوا ملولين.


• ألا تعتبر أن ما قلته سابقا قد يفقدك نسبة من قرائك، في حين أن كل أديب أو فنان يبحث عن الانتشار، إنْ لم نقل الشهرة؟


- هناك قول لأستاذي في الكتابة، إدوار الخراط، يقول فيه “يكفيني قارئ واحد”! لن أكون متطرفاً إلى هذا الحد، كما أعتقد أنه أراد في قوله التأكيد على “كرامة النصّ” ولم يقصد الكلمات بحرفيّتها. من جهتي، قد لا يكفيني كل قراء العالم، ولكن دون أن يُملي عليَّ أحد شروط الكتابة وفقاً للشرط الاجتماعي السائد.

ولنعترف بأن كتلة قراء الأدب في عالمنا العربي كتلة صغيرة، وغير متجانسة، أشبه بالفسيفساء المتنافرة، وغير متساوية الأحجام. وطالما أني لا أستطيع تحديد أجزاء هذه الفسيفساء، فَلَسَوْفَ أخاطبها بالعموم، عارفاً بأني سألتقط منها جزءًا، أو أجزاء، وهذا يكفيني الآن. يكفيني دون النكوص عن أني أطمح إلى أبعد من ذلك. هكذا أنا، وهذا ردي على كل التهم الموجهة إليّ.

____________


* أجرت الجلسة في عمان: وداد جرجس سلوم

12