إلياس مرقص "المثقف الأول" وعدو الاستبداد والسياسويين

الأحد 2014/05/25
مرقص يرى أن الفلسفة هي نظرية المعرفة وتصور للإنسان وتاريخه ومصائره

حينما دخل معلّم الفرنسية الشاب النحيل أبيض الوجه إلى الصف العاشر، عرّفه الطلاب اليساريون بالبرجوازي معلّم لغة الاستعمار! لكنه سرعان ما قلب المعادلة لصالحه فأصبح أحبّ أستاذ إلى قلوب الطلبة في مدرسة جول جمال، هذا الشاب “البرجوازي” النحيل المنحدر من أسرة لاذقانية عريقة كان خاض حرب كوريا في صفوف المتطوعين الأمميين وكان من قادة ثورة فلاحية في إيطاليا وأصبح أهم نقّاد اليسار العربي.


سموه المثقف الأول وطردوه من الحزب


قدم إلياس مرقص من بلجيكا منهياً دراسته الجامعية وقد بدأ لتوه تدريس الفلسفة لطلاب الثانوي في مدرسة جول جمال وخلال فترة قصيرة استطاع إلياس الشاب أن يكون ثورة في حزبه – الحزب الشيوعي السوري الذي تعرف عليه في بلجيكا- لكن منظمة الحزب الشيوعي في اللاذقية قامت “بزوبعة صغيرة” في الحزب تلقت إثرها تهديداً من “الأخ الأكبر” خالد بكداش بحلّها وتأسيس منطقية جديدة خاضعة بالكامل له كما كان نموذج تلك الأيام من الخضوع الأعمى للأمين العام، بل لقد كان إلياس الشاب ثورة فكرية في مدينة اللاذقية كلها بأفكاره الجديدة الثورية بالنسبة إلى ما هو راهن آنذاك، ولا عجب فلقد كان درس كانط وهو في السابعة عشرة من عمره كما يخبرنا ميشيل كيلو… فما بالك بما درسه من بقية العلوم وقد بلغ السابعة والعشرين. لم يكن إلياس مرقص المثقف الأول في الحزب كما وصفه خالد بكداش فحسب، بل كان ليصبح لاحقاً أبرز العقول في تاريخ الفكر القومي والماركسي في العالم العربي.


هل كان عميلا للمخابرات الأميركية


طاف إلياس مرقص على منظمات الحزب في جولات تثقيفية عاين فيها مدى الجهل المترسّخ في صفوف أعضائه، وفي آخر المطاف طالب قيادة الحزب بشيء من الديمقراطية الحزبية واقترح التركيز على مبدأ الديمقراطية وليس على مبدأ المركزية وطالب بوضع نظام داخلي للحزب كما انتقد بنية الحزب التنظيمية وعبادة الفرد والأيديولوجية الستالينية وخالفت آراؤه بعض مقولات الماركسية السوفيتية (الستالينية)، لهذا قام الحزب بطرده سنة 1956 وقد عبّأت قيادة الحزب وقتها الأعضاء عليه متهمة إياه بالعمالة للمخابرات الأميركية والمخابرات المصرية كحال كل من يختلف معهم الحزب الذي سبق واتهم عبدالناصر نفسه بالعمالة للأميركان. هكذا تعرض إلياس للضرب والإيذاء الجسدي مرتين من قبل “شبيحة” الحزب آنذاك، الأولى سنة 1955 في اللاذقية حيث اعتدى عليه “رفيق” اسمه إبراهيم اللوزة بضربه في وجهه بزجاجة مكسورة، والثانية في دمشق حيث اعتدى عليه بالضرب رفيق آخر اسمه نوري الحبّال وتسبب له بجروح بليغة.

ظهرت تأثيرات إلياس مرقص الفكرية في منتصف الخمسينات حين بدأ بالتأليف والترجمة وهو العهد الذي كتب فيه معظم مؤلفاته المعروفة، مثل «نقد الفكر المقاوم» و«الستالينية والمسألة القومية» بالاشتراك مع جمال الأتاسي، وعبد الكريم زهور، وياسين الحافظ. وكذلك «نقد الفكر القومي عند ساطع الحصري»


الحياة الفكرية لمرقص


ولد إلياس مرقص في مدينة اللاذقية في العام 1929، ودرس في ” مدرسة الفريـر”، وحصل على شهادة البكالوريا – قسم ثاني في العام 1945. سافر إلى بلجيكا ضمن عداد أول بعثة سورية بعد الاستقلال، حيث درس في جامعة بروكسل الحرة . حصل على شهادة مجاز في علم الاجتماع والتربية، وعمل في مجال التعليم في الفترة ما بين سنتي 1952-1979 في اللاذقية، حتى فارق الحياة في العام 1991.

تنقسم حياة إلياس مرقص الفكرية الثقافية إلى عهدين: الأول يمتد من منتصف الخمسينات حيث بدأ بالتأليف والترجمة حتى منتصف السبعينات وهو العهد الذي كتب فيه معظم مؤلفاته المعروفة، أمثال “نقد الفكر المقاوم / الجزء الأول (عفوية النظرية في العمل الفدائي)”. “الستالينية والمسألة القومية” (بالاشتراك مع جمال الأتاسي، وعبد الكريم زهور، وياسين الحافظ). “نقد الفكر القومي عند ساطع الحصري”. بالإضافة إلى ترجمات مهمة أيضاً، وعهد ثان يمتد من منتصف السبعينات وحتى نهاية الثمانينات وهو العهد الذي اتّسم أكثر بالانكباب على الترجمة واستأثرت فيه الفلسفة على الحيز الأكبر من نشاطاته وجهوده، حيث ترجم ثلاثين كتابا لماوتسي تونغ وهيغل وماركس ولينين وفيورباخ وغارودي وجورج لوكاش ومكسيم رودنسون، كما نشر وساهم في مجلة ” دراسات عربية “، وأنشأ ” دار الحقيقة “، وأصدر مجلة ” الواقع ” في بيروت، وساهم في تأسيس مجلة ” الوحدة ” المغربية ذائعة الصيت، كما شارك في العديد من الندوات الفكرية عربيا وعالميا، وترك عددا من المخطوطات الفكرية لم تنشر ومنها: “نقد المادية الجدلية والمادية التاريخية “وكتاب “المغايرة، الكون والتاريخ”.


جرد الواقع


يبدي الدكتور عبد الله تركماني تقديره للمفكر مرقص فيكتب عن فرادة هذا العقل الفذّ: ” لم يترك مرقص لحظة من حياته إلا ووظفها فيما كان يسميه ” جرد الواقع ” والتعرف عليه، وفي التحصيل المعرفي والفكري، الذي حوّله إلى متابع لتظاهرات الواقع العربي والعالمي في حياة ووعي الإنسان، وإلى طالب معرفة لا يكلُّ، يصل ليله بنهاره في عمل عقلي دائب، قاده إلى طرق جميع مجاهل ودروب المعرفة على وجه التقريب، وإلى العمل طيلة نيف وأربعين عاما بوتيرة لا يكاد المرء يصدق أنّ لها مثيلا في حياتنا، تعرّف خلالها إلى التاريخ والاقتصاد والفلسفة والمنطق وعلم النفس والاجتماع والسياسة واللاهوت وتاريخ الفن والرياضيات”. ولا عجب فهذا الرجل كان يعمل إثنتي عشرة ساعة يوميا.

ركز إلياس مرقص على مسألتين قد تبدوان متناقضتين، الأولى هي المجتمع الذي تشكل ولادته أهم حدث في التاريخ بعد حدث ولادة النوع البشري، لكن المجتمع هو أفراده، فكما يكون الأفراد يكون المجتمع، «كل فرد من أفراد المجتمع هو خاص، وبما أن هؤلاء الأفراد في علاقة، فثمة بينهم عام مشترك، هذا العام هو جوهرهم، إنه المجتمع السياسي والدولة»، والمسألة الثانية هي الاختلاف


الفلسفة ضد الأيديولوجي


كان مفكرنا يرى أن الفلسفة هي نظرية المعرفة وتصور للإنسان وتاريخه ومصائره، نظرية المعرفة ستكون غالباً عنده ضد الأيديولوجيا، فالأيديولوجيا الماركسية ليست، بوصفها كذلك، حاملة الحق، ولا الأيديولوجيا البورجوازية حاملة بالضرورة الباطل. وعليه، فقد قال ” ليس ما ينقصنا هو الأيديولوجيا بل المنطق والمعرفة والثقافة والأخلاق،… أيديولوجية تحترم وتثمّن بالأساس المنطق والمعرفة والثقافة والأخلاق”. أما تصوره للإنسان وتاريخه فمرقص يعتقد أن ” من المحال والعبث والحماقة أن نخرج خارج تاريخ البشرية، خارج مصائر الإنسان اليوم، هذا التاريخ الكوني لا يخرج: إما أن نصير ذاتا وفاعلا وصانعا له وفيه، وإما أن نكون وأن نعود كما كنا قبل قرن مادة وموضوعا وسمادا لتاريخ ننخلع عنه وينخلع عنا”.


المجتمع والفرد


ركّز إلياس مرقص على مسألتين قد تبدوان متناقضتين، الأولى هي المجتمع الذي تشكل ولادته أهم حدث في التاريخ بعد حدث ولادة النوع البشري، لكن المجتمع هو أفراده، فكما يكون الأفراد يكون المجتمع، “كل فرد من أفراد المجتمع هو خاص، وبما أن هؤلاء الأفراد في علاقة، فثمة بينهم عام مشترك، هذا العام هو جوهرهم، إنه المجتمع السياسي والدولة.”

والمسألة الثانية هي الاختلاف، يشرح جاد كريم الجباعي ذلك بالقول: ” المجتمع الذي تتحقق فيه الهوية القومية هو مجتمع التعدد والاختلاف، والتناقض أو التعارض الذي يصنع التاريخ الداخلي للأمة. فالوجود الفعلي، الواقعي للأمة هو اختلاف الأفراد والجماعات والفئات والطبقات والشعوب والأقاليم..”، والمجتمع الذي يلغي حرية الأفراد واستقلالهم وذاتيتهم إنما يلغي حريته واستقلاله وذاتيته، إنّ إلغاء الفرد والخاص هو إلغاء للعام .

وهذه المسائل الثلاث (المجتمع- الفرد- الاختلاف) هي مساهمة إلياس مرقص بل اكتشافه بالنسبة إلى الفكر العربي المعاصر على خلاف النظرة الشمولية التي لا ترى الفروق بل تحاول منعها لو قدرت فتلغي الفردية والحريات الفردية.


لغة قريش والوجود القومي


يرى إلياس مرقص أن الوجود الأكبر والفعلي للأمة العربية هو بعد الإسلام على خلاف ما كان يقوله الأرسوزي مثلاً: “إن القسم الأكبر، والأكثر حسماً في هذا التكون التاريخي الطويل هو التكون التاريخي لحقبة ما بعد الإسلام فالأمة العربية ليست امتداداً في الزمان لأمة سامية عامة غير موجودة، وليست تمدداً في المكان لمعين قرشيّ أصلي. إن أبناءها.. ” ينتسبون إلى عدنان وغسان” في اللغة، والباقي (الإنتاج والثقافة) لا ينبع من اللغة. الموقف المعاكس هو نفي لوجود تقدم حقيقي، لنمو بما يتضمنه هذا المفهوم الفلسفي من تغير في طبيعة الشيء…

من منتصف السبعينات وحتى نهاية الثمانينات انكب إلياس مرقص على الترجمة واستأثرت فيه الفلسفة على الحيز الأكبر من نشاطاته وجهوده، حيث ترجم ثلاثين كتابا لماو تسي تونغ وهيغل وماركس ولينين وفيورباخ وغارودي وجورج لوكاش ومكسيم رودنسون، كما نشر وساهم في مجلة «دراسات عربية»، وأنشأ «دار الحقيقة»، وأصدر مجلة «الواقع» في بيروت، وساهم في تأسيس مجلة «الوحدة» المغربية ذائعة الصيت

إن الوجود القومي العربي قد ارتكز على تشابه قديم في أسلوب الإنتاج و الملامح النفسية – الثقافية واللغات، وتحقق على أساس لغة محددة قديمة وثابتة هي اللغة العربية، لغة قريش. هذه اللغة تاريخها اللاحق الوحيد هو تاريخها الخارجي، أي تاريخ انتشارها وصيرورتها لغة عشرات الملايين من البشر، لغة لاقتصادهم وثقافتهم وعلاقاتهم وحياتهم، أي تاريخ صيرورتها لغة قومية. أما تاريخها الداخلي، أي تاريخ تكونها كلغة، تاريخ نشوء مفرداتها الأساسية وقواعدها فهو يرجع إلى ما قبل التاريخ المعلوم”.


الوحدة العربية


الوحدة العربية في عقيدة مفكرنا ضرورة تاريخية، وهي شرط التقدم العربي، اللازم ولكن غير الكافي، وشرط الوحدة أن تبنى على إعادة بناء الوعي القومي على أسس إنسانية وعقلانية وديمقراطية، والوصول إلى الوحدة يكون عبر حركة الأمة وليس حركة طبقة أو فئة أو حزب، في المحصلة الوحدة هي احتجاج جماعي ضد التخلف والتجزئة قبل أن تكون ضد الهيمنة الامبريالية والاحتلال الصهيوني. الجديد الذي أتى به مرقص في مسألة الوحدة العربية هو أنه أسسها على الاختلاف والتعدد، على خلاف الأنظمة البعثية ومدرستها “العسكرية” التي نظرت للعرب ككتلة واحدة ولعملية الوحدة على أنها تتم بضربة واحدة أو بشكل قسري وقدري.


أزمة قوى الثورة


يرى إلياس مرقص أن أزمة قوى الثورة العربية، التي لا يمكن الخروج منها إلا بتحقيق قطيعة منهجية مع التقليد، وتحرير العقل من مسبقاته وافتراضاته الأيديولوجية، و”العلمية”.

ربما من هنا كان إلياس مرقص يبتعد شيئا فشيئا عن السياسي لصالح مزيد من الفكري في كتاباته، هذا ما ظهر بالخصوص في سنوات حياته الأخيرة، وهو يمارس فكرته الأثيرة على نفسه بضرورة تعميق الفكري على حساب السياسي وهي المشكلة التاريخية التي يواجهها مثقفو العرب وسوريا إنهم سياسويون، فهذه البلاد العربية لن تنهض إذا لم تغلّب الفكري والفلسفي على السياسوي، ولن يكون هناك نهضة سياسية فعلية دون انطلاق السياسة من العقل وممارستها بمزيد من العقلانية… فلا ينفع الفصل بين الفلسفي والسياسي، “الفلسفي والسياسي أخوان، وكذلك المنطقي والاجتماعي” يقول إلياس مرقص.

إلياس مرقص كان بلا شك عالماً موسوعياً ومفكراً دقيقاً وعميقاً ترك عددا من المخطوطات دون نشر وكان أهم ما نشر له كتابه “نقد العقلانية العربية”.

اتّسم بصفات العلماء وطلاب المعرفة صفات التواضع والفضيلة والصدق والانفتاح على جميع التيارات وتقبّل الآراء مهما كانت مختلفة وناقشها بصدر رحب وعقل وقّاد ورأي نافذ، وهو لذلك كان مقصداً ومحجّة لطلاب ومحاورين وأساتذة من كافة الطبقات والمستويات والأيديولوجيات -بمن فيهم رجال الدين- ومن كافة الجنسيات والبلدان، فقد كان باب بيته مفتوحاً أمام الجميع على الدوام ولم يغلق إلا بعد موته.

10