إلياهو ساسون صحفي عمل كجسر اتصال بين العرب والإسرائيليين

السبت 2014/10/11
ساسون عاش يحلم بالسلام بين العرب والإسرائيليين

كان اليهود العرب جزءاً من نسيج المجتمعات العربية، صحيح أنهم عاشوا في حارة اليهود، أو “الغيتو” كما يطلق عليه، ولكن غيرهم فعل هذا أيضاً، فكثيرة هي الأحياء المسيحية في المراكز العربية مثل دمشق وبغداد والقاهرة وسواها، وكثيرة أيضاً الأحياء التي تعود إلى فئة معينة، كحي المغاربة أو جادة الشراكس أو جبل الأكراد، ولكن هذا لم يمنع يهود المشرق من العيش بشكل طبيعي حتى تاريخ مجهول، بدأ فيه التحوّل ما بين المشاريع المختلفة، وافترق أهل المشرق.

وكان يعيش في دمشق أحد أبناء النخبة الشامية، ممن تعهدوا بمحاربة التتريك، والوقوف إلى جانب ثورة الشريف حسين ضد العثمانيين، ولكنه لم يكن مسلماً سنياً علمانياً مثل الدكتور عبدالرحمن الشهبندر، ولا مسيحياً مثل فارس بك الخوري، ولا شيخاً كطاهر الجزائري، بل كان دمشقياً يهودياً قومياً عربياً، إلياس ساسون، أو كما صار اسمه فيما بعد” إلياهو ساسون”.

ولد ساسون في دمشق، في العام 1902، ودرس في مدرسة “كيئح” وهو الاسم العبراني لمدارس “الإليانسي” ببيروت للدراسة في الجامعة الفرنسية فيها، وعاد إلى دمشق للعمل في المهنة التي أحبّها كثيراً وكانت بوابته للدخول إلى عالم السياسة، مهنة الصحافة، وقد بدأ اسمه يلمع في السنوات التي تلت الحرب العالمية الأولى، وعن تلك الفترة يقول موشيه ساسون ابن إلياهو ساسون والذي شغل منصب السفير الإسرائيلي في عواصم عدة منها القاهرة: “في تلك السنوات، وبعد نهاية الحرب العالمية الأولى، لم يكن هناك في الشرق الأوسط موقف عربي متشدد ومناهض للصهيونية، كما حدث في وقت لاحق، فالحركتان الوطنيتان اليهودية والعربية، كانتا في بداية طريقهما ولم تصلا بعد إلى طريق المواجهة الكلامية والتحديات الحربية، ولهذا فإن الاتصالات السياسية أسفرت عما يبدو عن شبه اتفاق أو ترتيبات بينهما، مثل اتفاق فيصل بن الحسين مع وايزمن في الثالث من كانون الثاني من العام 1919، وكذلك موقف الوفد السوري للجنة السلام في باريس في العام 1919، بعد الحرب العالمية الأولى، عندما أعلن رئيس الوفد شكري غنام أمام اللجنة عن تطلعاتهم لإقامة سوريا مستقلة ومنفصلة، وفي إطارها تعمل الحركة القومية السورية على التوصل إلى تفاهم وترتيبات مع الحركة الصهيونية يعتمد على فتح أبواب فلسطين أمام الهجرة اليهودية، وأن يحكم اليهود فيها عندما يصبحون الأغلبية، ولحين ذلك تتمتع فلسطين بحكم ذاتي مرتبطة فدرالياً مع سوريا المستقلة المنفصلة، والاتفاق بين جماعة القوميين في سوريا ولبنان بزعامة نجيب سفير و يوسف موازين، ورشيد فارس، ونجيب هاشم، وأنطون شحادة، مع التنظيم اليهودي، والذي وقع باسم (يشوع حذكفن) في 26 من مارس من العام 1920، وفي البند الأول من الاتفاق جاء (إن حكومات سوريا ولبنان تعترف باستقلال فلسطين ويكون للحركة الصهيونية الحق في بناء وطن قومي للشعب اليهودي فيها..)”.

كل تلك المنعطفات الهامة، كان لإلياهو ساسون دور فيها هامشي مرة ورئيسي مرات، فقد كان يتمتع بعلاقات وثيقة مع المئات من السياسيين العرب في مصر وسوريا ولبنان وفلسطين مكنته من لعب أدوار هامة وحساسة فيما بعد.

حين تولى الأمير فيصل الحكم في سوريا، دعا إلى قصره الصحفي إلياس ساسون، وكان قد أصبح رئيسا للشبيبة الصهيونية في دمشق وأصبح في الوقت نفسه عضوا في الحركة الوطنية العربية، واقترح عليه إصدار صحيفة يومية باللغة العربية بتمويل من الملك نفسه يرأسها ساسون، وصدرت الجريدة وعاشت طيلة العهد الملكي وكان اسمها "الحياة"

لحظة دمشق

قبل وصول الملك فيصل بن الحسين إلى دمشق، كان الكثير من العمل قد أنجز، على شكل سلسلة لقاءات ومواقف حاسمة، تمهّد له الطريق إلى عاصمة الأمويين، ففي مارس من العام 1918، تم نشر مقالة في صحيفة “القبلة” في مدينة مكة، عندما كانت تحت سيطرة الشريف الحسين بن علي، ودعت المقالة إلى التعاون مع اليهود والحركة الاستيطانية في فلسطين، وفي يونيو من العام نفسه، جرى لقاء بين حاييم وايزمن والأمير فيصل بن الشريف حسين، ووضع الزعيمان نقاطاً ثابتة سميت “اتفاق فيصل وايزمان” تتعلق بمستقبل الحكم في فلسطين. وبعد ستة أشهر، أي في 3 كانون الثاني من العام 1919، وقع الاثنان في لندن على اتفاق اعترفت فيه المملكة العربية في الحجاز (بزعامة الشريف حسين) بوعد بلفور مع ضمانات كاملة لتطبيق الوعد البريطاني، كما اعترفت الدولة العربية بحق الشعب اليهودي بالهجرة الحرة والاستيطان في أرض إسرائيل، وفي الاتفاق المذكور نفسه، اعترفت الحركة الصهيونية من جانبها بأن الأماكن المقدسة للمسلمين ستكون تحت سيطرة المسلمين وإدارتهم، وعندما تولى الأمير فيصل الحكم في سوريا ملكاً عليها، دعا إلى قصره الصحفي إلياس ساسون، وكان عمره 19 عاما، وكان قد أصبح رئيساً للشبيبة الصهيونية في دمشق وأصبح في الوقت نفسه عضوا في الحركة الوطنية العربية، واقترح عليه إصدار صحيفة يومية باللغة العربية بتمويل من الملك نفسه، بهدف التقارب بين الحركة الصهيونية والحركة القومية العربية، وصدرت الصحيفة في دمشق وترأس تحريرها إلياس ساسون، وقد صدرت بواقع ثلاث مرات بالأسبوع ولمدة تسعة أشهر ثم توقفت بعد طرد فيصل من دمشق على أيدي الفرنسيين في 28 يوليو من العام 1920، وكان اسم تلك الصحيفة “الحياة”.

ساسون في مسرح الشرق السياسي

غادر فيصل دمشق، بعد احتلالها من قبل الجنرال الفرنسي غورو، وبقي إلياهو ساسون، ثماني سنوات، يتابع ما كان قد بدأه في زمن فيصل، وفي العام 1928 غادر بدوره دمشق إلى فلسطين، وعمل محاسباً في شركة كهرباء القدس، ثم انتقل إلى العمل في مكتب أبراهام سيتون في المدينة القديمة، للعمل كمحاسب أيضاً.

ومع الوقت أصبح إلياهو ساسون عضواً في الوكالة اليهودية، وتم تعيينه كمساعد لموشي شاريت لإجراء الاتصالات مع الدول العربية، فمهّد للقاءات كبيرة مع قادة الحركة الوطنية السورية أثناء الانتداب الفرنسي، ورتب اجتماعاً لجميل مردم بيك مع حاييم وايزمان وموشيه شاريت في باريس في العام 1936، وعدة اجتماعات لإيلاهو إيلات مع الزعماء السوريين أثناء اندلاع الثورة السورية الكبرى وتفجّر الشارع ضد الفرنسيين.

قال إلياهو ساسون عن تلك اللقاءات: “كانت المفاوضات التي جرت في الوقت نفسه بين فرنسا والكتلة الوطنية السورية من أجل التوقيع على اتفاقية تتمتع فيها سوريا بمساحة واسعة من الاستقلال السياسي، في حين طلب الزعماء السوريون مساعدة الحركة الصهيونية، خاصة أن رئيس الحكومة الفرنسية كان ليون بلوم اليهودي الذي لعب دوراً كبيراً في العام 1929 في تكوين الإدارة الصهيونية الموسعة للوكالة اليهودية، وترأس الوفد السوري في أغسطس من العام 1930، شكري القوتلي، وضم الوفد لطفي الحفار وفخري البارودي وفائز الخوري”،

وفي العام 1937 وبعد أن تولت الكتلة الوطنية الحكم، اجتمع إلياهو ساسون وإلياهو أفشتين في دمشق مع جميل مردم رئيس حكومة سوريا، وشكري القوتلي، الذي تولى وزارة الدفاع في ذلك الوقت، وفخري البارودي الذي تولى وزارة الإعلام السورية، وقد كتب إلياهو ساسون عن ذلك الاجتماع قائلا: “لقد أعرب القوتلي عن أمله في أن اتفاقا يهوديا عربيا سيجلب فائدة اقتصادية لأرض فلسطين ولسوريا، وأن السوريين سيسعدون كثيرا إذا عمّ الرخاء والهدوء في أرض إسرائيل وسوريا معاً”. وحول اللقاء مع جميل مردم قال ساسون: “لقد شكرنا على التهاني التي أرسلها له حاييم وايزمان وموشيه شرتوك” وأضاف: “إن اللقاءين اللذين كانا له مع وايزمان تركا انطباعاً إيجابياً، وأكد أنه طالما أن لدى اليهود سياسيا رفيع المستوى من أمثال وايزمان، وخبيرا في شؤون الشرق الأوسط مثل موشيه شرتوك، فإنه، أي جميل مردم، سيكون متفائلاً وعلى قناعة بأن أي سؤال عن العلاقات بين اليهود والعرب عاجلاً أو آجلاً سيجد الإجابة عنه، وقال جميل مردم إنه حتى الآن لم يتحقق السلام بين الشعبين، لكنه نزاع بين أقرباء وليس بين غرباء”.

ولد إلياس ساسون في دمشق ودرس وعمل في الصحافة، وانتمى إلى الثورة العربية ضد الأتراك، ووصل إلى أرفع المراتب وهو ما يزال في العشرينات ثم غادر دمشق إلى القدس ليصبح اسمه إلياهو ساسون ويبدأ مسيرة مختلفة

منصة باريس

في شهر يوليو من العام 1948 سافر إلياهو ساسون الذي أصبح مدير دائرة الشرق الأوسط في وزارة الخارجية، إلى باريس وأنشأ قاعدة لإجراء اتصالات سرية مع حكومات وشخصيات عربية تمهيدا لمفاوضات مباشرة لوضع حد للحرب ولإيجاد حل للسلام، وبعد إنشاء القاعدة في باريس أخذ إلياهو ساسون اثنين من كبار موظفي الدائرة للعمل معه كطاقم، ثم انضم إليه سليم نمور، وهو من كبار موظفي الخارجية الإسرائيلية. ومن تلك القاعدة تطورت الاتصالات ونجحت، وجرى الاتصال مع الدكتور كومران، الذي كان على اتصال مع حسني البرازي ومن خلاله مع حسني الزعيم بدمشق، وقامت المنصة التي أسسها ساسون بإجراء اتصالات مع المسيحيين والشيعة في لبنان، وأجرى سليم نمور اتصالات مع شخصيات عراقية، أما ساسون نفسه فقد جدد اتصالاته مع شخصيات أردنية، منها عبدالمجيد حيدر، المستشار الملكي الأردني في لندن، ومع الدكتور شوكت الساطي، طبيب الملك عبدالله، ومع توفيق أبو الهدى، رئيس الحكومة الأردنية، ومع عبدالغني الكرمي الذي عمل إلى جانب الملك عبدالله، وأقام ساسون اتصالات مع مدير مكتب الملك فاروق والذي حضر لقاء بين ساسون وممثل عن الملك في باريس، وكان قد سافر إلى زيوريخ في سويسرا، وفي الوقت نفسه أقامت إسرائيل اتصالات مع كل من الجنرال السوري أديب الشيشكلي بعد أن أطيح به وغادر البلاد للعيش بالمنفى في جنيف وعمل على إعداد انقلاب إضافي في دمشق يمكّنه من العودة إلى الحكم، ووافق على أن يتعهد لإسرائيل بواسطة إلياهو ساسون، أن تحافظ سوريا على الحدود هادئة عندما يعود إلى دفة الحكم بهدف الفوز في المعركة العسكرية السورية وفقا لما تم الاتفاق عليه، كما تم الاتفاق بين ساسون والشيشكلي أنه بعد عودته إلى الحكم سيوقع مع إسرائيل على اتفاق عدم الاعتداء ويعتبر خطوط الهدنة لحفظ سلام إسرائيلي ـ سوري، وتمكن الشيشكلي من العودة سراً إلى دمشق حتى أنه بدأ يستعد للقيام بانقلاب عسكري ولكن مسؤولين في سوريا، ومنهم قائد الأركان في الجيش السوري ورئيس المخابرات السوري الذين كانوا شركاءه، أجبروه على أن يغادر دمشق فوراً إلى المنفى مرة ثانية.وفي العام 1954 تم تفكيك منصة الاتصالات التي أسسها ساسون في باريس، بعد قرار من جدعون رفال المستشار رفيع المستوى لوزير الخارجية لشؤون الشرق الأوسط.

حيرة الهوية

تم اختيار ساسون للعمل كسفير لإسرائيل في تركيا بعد إعلان دولة إسرائيل، وبعد نجاحه في التفاوض مع ملك الأردن عبدالله الأول حول ملف الأسرى الإسرائيليين بعد توقف الحرب، ومن تركيا إلى روما، ومن إيطاليا أصبح إلياهو سفيراً لإسرائيل في المنظمات الدولية في جنيف، حتى استدعاه بن غوريون وأدخله في حكومته كوزير للشرطة، ثم تم تعيينه وزيرا للبريد والهاتف، وعندما استدعاه بن غوريون وأخبره أنه سيصبح المرشح الأول في رئاسة الدولة الإسرائيلية، أصيب إلياهو ساسون بنوبة قلبية نتج عنها شلل نصفي كامل وبقي طريح الفراش لمدة سبع سنوات طوال، حتى وفاته.

كان ساسون مثقفاً واسع المعرفة، عازف عود من طراز رفيع، امتلك مكتبة عملاقة في القدس ضمت الآلاف من أعداد الصحف العربية والشرقية، مع المئات من أنواع الكتب والوثائق القديمة والحديثة.

وكان يمكن لساسون أن يكون رجل دولة عربيا يتوجّه إلى الإسرائيليين بدلاً عن أن يكون عربياً إسرائيلياً يتوجّه إلى العرب في طاولة المفاوضات الطويلة التي لا آخر لها.

13