إليزابيث وارين.. ديمقراطية تبشّر بالاشتراكية في معقل الرأسمالية

العالم يتساءل هل أصبح الشعب الأميركي جاهزاً لانتخاب امرأة لسدة الرئاسة؟
الأحد 2020/02/16
منافسة قوية تهدد عرش دونالد ترامب

هي السيدة التي تتألق سياسياً، وبقوة، ضمن مجموعة المتنافسين من الحزب الديمقراطي الأميركي على ترشيح حزبها لمنافسة الرئيس الحالي، دونالد ترامب، على سدة الرئاسة للبيت الأبيض في العام 2020. السياسية المتمرسة وعضو مجلس الشيوخ الأقدم عن ولاية ماساشوستس، إليزابيث وارين.

ضمن قائمة المرشحين الديمقراطيين، يعتبر المتنافسون الأكثر حظاً حتى الآن اثنان فقط، هما إليزابيث وارين وبيرني ساندرز، بعد أن تراجعت حظوظ جو بايدن إثر سقوط قضية العزل ضد الرئيس ترامب والتي تم بناؤها على أساس محاولة ترامب جمع المعلومات ضد ابنه، هانتر بايدن، وإمكانية تورطه في صفقات تجارية غير مشروعة، من أجل الإساءة لبايدن الأب، وتقليص فرصه بالفوز بترشيح حزبه لمنافسة ترامب على موقع الرئاسة الأميركية في الانتخابات التي بدأت تقرع أبواب واشنطن.

وارين المولودة في العام 1949 تخصصت في دراستها الجامعية بمادة الحقوق التي درستها في جامعة هيوستن. وقد قامت إثر تخرجها بتدريس القانون في العديد من الجامعات، في مقدمتها الجامعة التي تخرجت فيها وهي جامعة هيوستن، وكذا جامعة تكساس وجامعة بنسلفانيا وجامعة هارفرد.

بين القانون والسياسة

كتبت وارين العديد من الكتب المرجعية في مضمار القانون التجاري، وكانت من ألمع المدرّسين الجامعيين وأكثرهم تأثيراً في اختصاصها الأكاديمي. وظلت تدرّس القانون حتى انخرطت تماماً في عالم السياسة.

استهلت حياتها السياسية أواسط تسعينات القرن العشرين، من خلال تبنّيها لمشروع يقيّد شروط إعلان الإفلاس للأفراد، الذي ما لبث أن تحوّل إلى قانون نافذ. وإثر الأزمة المالية الكبرى التي أحبطت أسواق المال والعقارات في الولايات المتحدة في العامين 2007 و2008 قامت وارين بدعم قانوني وسياسي لإطلاق قوانين مصرفية أكثر حزماً، الأمر الذي أعطاها شهرة واسعة في الأوساط العامة ورفع من درجة وطنيّتها في عيون الناس.

شغلت وارين في تلك الفترة منصب عضو في لجنة المراقبة التابعة للكونغرس الخاصة ببرنامج إغاثة الأصول المتعثرة، حيث قامت بدور لافت وهام في تأسيس مكتب الحماية المالية للمستهلك، وشغلت فيه منصب أول مستشارة خاصة في إدارة الرئيس باراك أوباما.

وارين تكتسب شعبيتها الكبيرة من خلال طرحها السياسي الذي يرمي إلى فرض الضريبة التصاعدية على الأغنياء، وتصميمها على كبح جماح الشركات العملاقة والوقوف في وجه رغبتها في السيطرة على المجتمع

في العام 2012 فازت وارين في انتخابات مجلس الشيوخ في ولاية ماساتشوستس، متغلبة على الجمهوري سكوت براون الذي كان يشغل المنصب قبلها؛ وأصبحت بفوزها بمقعد سيناتور عن تلك الولاية المرأة الأولى التي تشغل هذا المنصب الرفيع. ثم عملت في لجنة مجلس الشيوخ الخاصة بخدمات الشيخوخة، ولجنة المصارف والسكن والشؤون المدنية، ولجنة الصحة والتعليم والعمل والرواتب. وفي العام 2018 انتخبت مجدداً لدورة ثانية بفارق كبير عن منافسها عن الحزب الجمهوري جوفري ديل.

وسط حشد كبير في مدينة لورنس، بولايتها ماساتشوستس، في مثل هذا الشهر من العام الماضي، أعلنت إليزابيث وارين ترشحها عن الحزب الديمقراطي للانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة العام 2020. وبسبب المرجعية السياسية الاشتراكية لها وانتمائها للحزب الديمقراطي في الولايات المتحدة، فإن وارين تحصر اهتماماتها في حماية المستهلك، وتأمين المساواة والعدالة في إتاحة الفرص الاقتصادية، ودعم شبكة الأمان الاجتماعي؛ وهي الأمور التي شغلت جلّ رعايتها ودعمها في مجلس الشيوخ.

جرت أول عملية اقتراع في الانتخابات التمهيدية الحزبية الديمقراطية في ولاية آيوا الشهر الجاري. وتكتسب آيوا، التي كما جرت العادة تفتتح الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي، دوراً وسمعة سياسية تكاد تتجاوز حجمها التمثيلي الحقيقي، فهي التي تخطّ المشهد الأوّلي الذي ستكون عليه الانتخابات الرئاسية في مرحلتها التمهيدية.

اتهام روسيا مجددا

تألق سياسي
تألق سياسي 

من الأمور المحبطة هذا العام، وخصوصاً لأعضاء الحزب الديمقراطي الذي يحارب بقوة للعودة إلى البيت الأبيض الذي خسره في انتخابات العام 2016، ما حدث من خلل في النظام المعلوماتي خلال الانتخابات التمهيدية في آيوا، وما نتج عنه من فوضى عارمة وتشكيك في سير العملية ونتائجها. إلا أن النتيجة ظهرت في نهاية المطاف وأبرزت تقدم وارين على بايدن بشكل ملحوظ، ما ينبئ بأنها تجاوزت عقبة الأخير، وتستعدّ الآن لتذليل عقبة المنافس الأقوى ساندرز، والذي يشترك معها في التوجه السياسي الميّال إلى النظم الاشتراكية. ذاك الفكر الأميركي الذي هو محصلة الليبرالية المنفتحة والمبادئ الاشتراكية الأوروبية، والذي يعد فكراً رائجاً في الأوساط المثقفة التي تتحدر منها وارين، والمنتشر بين الشباب الأميركي المتعلم.

سارع الديمقراطيون إثر تلك الفوضى في آيوا إلى اتهام روسيا، بالإشارة إلى إمكانية تورّطها في إحداث اختراق إلكتروني أدى إلى التشكيك في حقيقة النتائج ومدى صحتها وسبب العطل التقني في أجهزة التصويت. وأشارت عضو الكونغرس الديمقراطية عن ولاية تكساس، شيلا جاكسون لي، إلى أن الروس مسؤولون عن الخلل التقني الذي واجه الانتخابات الحزبية. واقترحت على الحزب دعوة مكتب التحقيقات الفيدرالي “أف بي آي” إلى فتح تحقيق رسمي في هذا الأمر. وقالت “أعتقد إلى حد بعيد أن روسيا متدخلة في عدد من الانتخابات التي جرت في الولايات المتحدة بما فيها انتخابات العام 2016 الرئاسية”، وهي الانتخابات التي فاز بها الرئيس ترامب على منافسته هيلاري كلينتون، حيث كانت ولازالت الشكوك ترافق الدور الروسي المتدخّل في سير تلك الانتخابات.

وقد استغلت المرشحة وارين مناسبة تلت الانتخابات، حيث تجمعت في آيوا سيتي أعداد كبيرة من مناصري فكرها الاشتراكي من الشباب الأميركي، وخاطبت أنصارها قائلة “دعونا نتوحّد لنهزم ترامب”؛ وأضافت “حان الوقت لنرى امرأة في البيت الأبيض”.

ديمقراطية منقوصة

هل أصبح الشعب الأميركي جاهزاً لانتخاب امرأة لسدة الرئاسة؟ ولماذا تخلّفت أكبر وأعرق الديمقراطيات في العالم، الولايات المتحدة، في إيصال امرأة إلى البيت الأبيض، لا كرئيسة وحسب بل حتى كنائبة للرئيس، وحتى يومنا هذا؟ وكيف تقف هذه الديمقراطية في الصفوف الخلفية مقارنة بدول مثل البرازيل والأرجنتين ونيكاراغوا وتشيلي في أميركا الجنوبية التي لها رئيسات سيدات؟

جدير بالذكر أن هيلاري كلينتون كانت المرأة الوحيدة التي نالت ترشيح حزبها لمنافسة الرئيس ترامب في العام 2016، وخسرت الانتخابات أمامه وسط ذهول المراقبين الذين كانوا يعتبرون فوزها بالرئاسة محققاً لا محالة.

العالم يتساءل هل أصبح الشعب الأميركي جاهزاً لانتخاب امرأة لسدة الرئاسة؟ ولماذا تخلّفت أكبر الديمقراطيات في العالم، الولايات المتحدة، في إيصال امرأة إلى البيت الأبيض، لا كرئيسة فحسب بل حتى كنائب للرئيس، حتى يومنا هذا؟

ضمن هذه الأجواء المشحونة بالتجاذبات السياسية الأشد بين الحزبين الكبيرين في واشنطن، وفي ظل إخفاق أميركي واضح في دعم وصول امرأة إلى المكتب البيضاوي، تبرز إليزابيث وارين، ذات الحظوظ العالية في الفوز بترشيح حزبها لمنافسة دونالد ترامب على الرئاسة. وإذا ما نجحت في هزيمته من خلال صناديق الاقتراع، فستكون أول امرأة تحمل معها بشارة اكتمال بدر الديمقراطية في واشنطن بوصول امرأة إلى رئاسة الولايات المتحدة.

أما ساندرز المنافس الأبرز لوارين فقد أصيب بأزمة قلبية منذ عدة أشهر قد تؤخر من قدرته على الترويج لحملته الانتخابية من خلال الظهور العلني المتكرر الذي يحتاج إلى صرف الكثير من الطاقة، ويبدو أن ساندرز لا يملكها الآن، ما يجعل تقدم وارين على حساب حالة منافسها الصحية ممكناً، ويجعل منها الأعلى نصيباً في الفوز بترشيح الديمقراطيين لتمثيل الحزب.

برنامج وارين السياسي

تهتم بحماية المستهلك وتأمين المساواة والعدالة في إتاحة الفرص الاقتصادية ودعم شبكة الأمان الاجتماعي
تهتم بحماية المستهلك وتأمين المساواة والعدالة في إتاحة الفرص الاقتصادية ودعم شبكة الأمان الاجتماعي

في مقدمة برنامج وارين الانتخابي يقع قطاع الصحة وتأمين خدماتها في الدولة الأغنى في العالم لجميع المواطنين الأميركيين وبكلفة مقبولة ونوعية عالية. ويدرج برنامجها أيضاً دعم الطلاب الأميركيين من خلال التخفيف من أعباء الديون التي تترتب عليهم عن القروض المتتالية التي يحصلون عليها لتغطية الأقساط الجامعية، حتى لا يبقوا أسرى لها لفترات طويلة من أعمارهم العملية بعد تخرجهم، ما يؤثر على مستقبلهم واستقرارهم الاقتصادي. وهذا التوجه الذي يخدم الشباب والطبقة الوسطى الأميركية سيجلب لوارين الكثير من الأصوات إذا ما نافست ترامب.

أما عن النظام الضريبي، وهو الشغل الشاغل للناخب الأميركي والذي بإمكانه أن يسقط رئيساً ويرفع آخر، فإن وارين تكتسب شعبية كبيرة من خلال طرحها السياسي حول فرض الضريبة التصاعدية على الأغنياء، وكذا في تصميمها على كبح جماح الشركات العملاقة والوقوف في وجه رغبتها في السيطرة على المجتمع؛ وتستهدف وارين في هذا السياق كلاّ من “أمازون” و”فيسبوك” و”غوغل”. وتصوّر وارين هذا يلقى الترحيب من طرف فئة الشباب الأميركي، لكنه يواجه معارضة كبرى من قبل “حيتان” السوق الإلكتروني وأباطرة التكنولوجيا.

تبدو مواقف وارين وبرامجها واضحة ومحددة في توجهها ومعطياتها اليسارية الليبرالية، والتي قد تنافس بها الرئيس ترامب الذي يؤمن بقوة المال وسلطان الشركات الكبرى وغلبة الأغنياء. فهل سيحمل العام 2020 أميركا إلى كمال ديمقراطيتها بوصول امرأة ليبرالية إلى سدة الرئاسة؟ نترقّب، ويترقّب العالم معنا.

8